صالون نون الثقافي.. نساء وأطفال يمنيون يقرؤون في فضاء مؤثث بالحرب والأزمات
تاريخ النشر: 24th, October 2023 GMT
صنعاء – في 2017 أطلقت الناشطة الثقافية اليمنية، بثينة محمد المختار، ومعها مجموعة من زميلاتها مبادرة ثقافية حملت اسم "صالون نون الثقافي"، تهدف لتشجيع القراءة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأخذت على عاتقها تنظيم جلسة ثقافية كل شهر.
تحمل بثينة بكالوريوس علم نفس وهي أم لـ4 أطفال، عملت لفترة في الإرشاد النفسي والتربوي، قبل أن تفتح منزلها لاحتواء فعاليات "نون الثقافي" الشهرية المخصصة للقراءة ومناقشات الكتب واستعارتها ضمن رؤية مستقبلية تطمح إلى: مكتبة في كل حيّ، قارئ في كل بيت.
في 2020، نجحت بثينة -وزميلاتها- في تسجيل مبادرتهن الثقافية لدى السلطات بشكل رسمي، باسم "مؤسسة صالون نون الثقافي" واتخذ الصالون مقرا له في أحد الشوارع الرئيسة بوسط العاصمة صنعاء.
ويوجه "صالون نون" أنشطته، ليس في القراءة ومناقشات الكتب فحسب، وإنما في مجالات وفضاءات ثقافية متنوعة، مثل "دردشات نونية" التي تستضيف تجارب نسوية ناجحة وفعاليات موجهة لليافعين في مجالات إبداعية وتنموية.
وفي نشاط المكتبات، كانت هناك مكتبات تم توزيعها على عدد من المدارس ودور الرعاية في صنعاء وجار التفكير في مشروع "مكتبة الحافلة". وإجمالًا، تستهدف مشاريع نون، فئة المرأة والطفل.
ويوفر "نون"، صالات قراءة مفتوحة يوميا للكبار، من خلال مكتبة متنوعة العناوين والمعارف والعلوم بنظام الاستعارة، تحتوي 3 آلاف كتاب، وأخرى للأطفال قوامها 2000 كتاب في مختلف العلوم والمعارف التنويرية والتثقيفية.
على مدى السنوات الـ3 الماضية، نظم الصالون عشرات اللقاءات المكرسة لقراءة ومناقشة الكتب بشكل جماعي، كما تلتئم أمسيات تدريبية وتأهيلية عبر الإنترنت. وهناك أنشطة موجهة لتعزيز ثقافة القراءة لدى الأطفال.
وبينما تشهد البلاد تداعيات الحرب والتأزم الإنساني كان -وما زال- العشرات من الأطفال في مدينة صنعاء يرتادون "صالون نون الثقافي" حيث تمنحهم "مكتبة نون كيدز" فسحة للقراءة واستلهام معارف وعلوم ينهلون منها ويتزودون بها سواء بالقراءة المباشرة أو عبر نظام الاستعارة الذي يوفره الصالون.
وفي الفترة من 2020 حتى الآن، نجحت إدارة مؤسسة "صالون نون" في إنشاء مكتبات مصغرة في عدد من دور الرعاية والمدارس لكن المشروع تعثر لأسباب كثيرة، مما دفع للتفكير في مشروع "حافلة الكتب المتنقلة" الذي سيرى النور قريبا.
هناك أيضا "مشروع سيرك المعرفة" في عدد من المدارس بمدينة صنعاء، فضلا عن مسابقات ثقافية موجهة للأطفال مثل "مسابقة كنز المعرفة"، ورحلات وأنشطة ثقافية ترفيهية للأطفال للتعرف على أماكن ومعالم في صنعاء.
في حوار مع الجزيرة نت تتحدث رئيس مؤسسة صالون نون الثقافي بثينة محمد المختار عن أنشطة الصالون ومكتباته المفتوحة للقراءة ومشاريعه وتطلعاته، على طريق تبديد قليل من ضباب الأفق الثقافي في بلد، صارت الثقافة فيه شيئا من الترف وفعلا مؤسسيا مفقودا في ظروف حرب وعزلة وانهيار اقتصادي باهظ الكلفة.
في البدء، كيف تشكلت فكرة "نون"، متى وكيف خرجت إلى النور؟نون مؤسسة ثقافية غير ربحية، بدأت قبل سنوات من قبل فتيات من مجالات متعددة، كمجموعة على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف لنشر حب القراءة، ثم تطورت إلى مبادرة تنفذ الكثير من المشاريع والحملات، إلى أن سُجلت في عام 2020 كمؤسسة ثقافية لها نشاط وأهداف وخطط ورؤى واسعة نسعى من خلالها إلى الوصول إلى "قارئ في كل بيت ومكتبة في كل حي يمني".
تتمحور أنشطة الصالون على القراءة: تحفيز الناس على أن تقرأ في مجتمع يعيش قطيعة عامة مع القراءة في المعظم.. منذ التأسيس وحتى الآن ما الذي أنجزتموه بالأرقام؟نفذنا 60 جلسة ثقافية تتضمن نقاشات كتب وفقرات ثقافية متنوعة تستهدف النساء، كما نفذنا عشرات الأمسيات والدورات التدريبية في مجالات ثقافية وفنية مختلفة.
قمنا أيضا بأكثر من 96 نشاطا ثقافيا للأطفال حسب أعمارهم المختلفة، إلى جانب نادي اليافعين الذي نفذنا فيه عشرات الورش والدورات.
بشكل عام، الشعب اليمني -بطبيعته- محب للمعرفة وشغوف بها، لأن اليمن منذ القدم أرض حضارات. بغض النظر عن موجة التجهيل الحاصلة مؤخرا، إلا أن البذرة لا تزال موجودة، فمع كل نشاط نقيمه يبهرنا الحضور والاهتمام من قبل السيدات والفتيات ونحن نلمس هذا كل يوم، فالفتيات والسيدات يحضرن للقراءة والمطالعة يوميا في مكتبات المؤسسة، وهذا يعزز صحة ما نعتقده أن الشعب اليمني شغوف بالمعرفة طالما وجدت له الفرصة وتهيأ له المكان.
كمؤسسة ثقافية غير ربحية، كيف تواجهون متطلبات الإيجار والفواتير والمشاريع والمكتبات وخلافه؟صحيح، المؤسسة تقوم على مساهمات ذاتية من قِبل رئاستها، وعلى مساهمات من داعمين آمنوا بنا وبالهدف الذي نسعى له، وعلى رأسهم شركة "الجيل الجديد" في صنعاء، التي تعد الداعم الأكبر للصالون.
ولا نزال نبحث عن داعمين آخرين ليساهموا أيضا معنا لنستطيع أن نصل لشريحة أكبر وليتسع نشاط المؤسسة ويكبر. وأملنا كبير بأن هناك كثيرين سيحملون معنا هذا الحلم وهذه الرؤية.
وماذا عن فريق نون.. توزيع المهام والمسؤوليات، وهل الجميع متطوعون؟في البداية كان كل الفريق متطوعا، شيئا فشيئا أصبح العمل المؤسسي هو الأساس وبدأت تتضح هيكليته، ويكبر فريقه، ويتقاضى أجورا مقابل العمل، وإن كانت ليست بالأجور الكبيرة.
ما الذي تسهرون عليه في خطتكم لما تبقى من عام 2023؟حاليا نعمل ضمن خطة تتضمن أنشطة ثابتة يومية وأسبوعية وشهرية، تستهدف النساء والأطفال. والمتتبع لنشاط الصالون في منصات التواصل الاجتماعي يجد أنشطة غزيرة ومتنوعة والحمدلله.
في ما تبقى من العام الجاري، لدينا مسابقة للقراءة ستكون هي الأولى على مستوى الجمهورية في تشجيع الأطفال على القراءة، نطمح بعد إطلاقها أن نثبّتها كنشاط سنوي، إلى جانب الاستمرار في ما نقوم به من أنشطة ثقافية توعوية للأطفال والنساء.
أي آلية وضمانات تعتمدونها لإعارة الكتب؟نعتمد في المؤسسة نظام استعارة باشتراكات "سنوية، ونصف سنوية، وربع سنوية"، بمبلغ رمزي لتشجيع الناس على القراءة، وبنظام توصيل الكتب إلى المنازل في حال رغب العضو المشترك، وللعضو مميزات يحصل عليها عند الاشتراك من خصومات على الورش والدورات وغيرها.
ولا تُلزم المؤسسة الأعضاء بضمانات عند استعارة الكتب، لثقتها في المتَطلّع إلى المعرفة وحب القراءة، وهذا ما لمسناه فعلا في محافظتهم على الكتب.
الضمانة فقط عند الاستعارة من قسم الموسوعات لأنها سلسلة مترابطة.
نتحدث عن مكتبة نون للكبار وأخرى للصغار، كم عنوانا ومؤلفا تحتويه كل من المكتبتين وكيف وجدتم إقبال الأطفال على القراءة؟تحتوي مكتباتنا إلى الآن 3000 كتاب في مكتبة الكبار، و2000 كتاب في مكتبة الصغار، وبالطبع سيزداد الرقم مع الوقت ليشبع شغف القراء.
الأطفال مفطورون على حب القراءة، والحكايات لها سحر خاص عندهم، وهذا ما لمسناه في مكتبة نون كيدز، فما أن يدخل الطفل المكتبة حتى تجده منغمسا في عالم الكتب والحكايات، وكل ما علينا فعله هو إيصاله إلى المكتبة ليبدأ بعيش مغامرته الفريدة.
وماذا عن مكتبات نون المصغرة في دور الرعاية والمؤسسات والمدارس بالعاصمة صنعاء.. إلى أين وصل انتشاركم؟المكتبات الصغيرة كانت إحدى المشاريع التي تم تنفيذها، سعينا من خلالها أن نضع نقطة مضيئة في كل دار رعاية بأمانة العاصمة، عملنا عليه لفترة من الوقت ثم توقفنا بسبب ما كنا نلاحظه من إهمال للكتب أحيانا أو ضياعها، واتجهنا للتخطيط لمشروع أكثر استدامة وفاعلية، وهو مشروع "حافلة المكتبة" الذي نسعى لتنفيذه لتكون مكتبة متنقلة بين دور الرعاية تحقق الهدف باستدامة، ونتطلع أن نجد داعمين لهذه الفكرة لكي ترى النور مع مطلع العام القادم، بمشيئة الله.
تستفيدون من التقنية بتنفيذ أمسيات تدريبية عبر الإنترنت، كيف تتفاعل النساء والأطفال مع هذه الفعاليات تحديدا؟ وما أهم المواضيع والمجالات التدريبية التي تشتغلون عليها؟نحن في المؤسسة نحاول أن نحقق أهدافنا وأن نصل بكل الطرق الممكنة، والإنترنت أصبح وسيلة رئيسية تسهل وصولنا إلى الجمهور اليمني بأكمله وليس فقط في العاصمة صنعاء.
منصاتنا على مواقع التواصل المختلفة تتابعها سيدات وفتيات من مختلف أنحاء الجمهورية من المدن إلى القرى، لذلك لدينا برامج خاصة وفقرات وأمسيات متنوعة يعمل عليها فريق متكامل تغطي مواضيع ثقافية تنموية وتوعوية مختلفة.
كيف هو التفاعل مع القراءة ومناقشات الكتب من واقع تجربتكم في نون؟مطلع كل شهر يتم الإعلان عن كتاب الشهر الذي سنتشارك قراءته -من قائمة الكتب المعدّة مسبقا، المتضمنة كتبا متنوعة في عدة مجالات- وخلال الشهر يتم نشر تذكير بقراءته لتشجيع العضوات، ثم يُناقش في نهاية الشهر في فقرة خاصة ضمن فقرات جلسة الشهر.
لا أخفيك أننا نصل إلى نهاية الشهر وعدد قليل من العضوات فقط قد أكملن قراءة الكتاب كاملا
لكن الحضور يكون كبيرا حتى اللاتي لم يكملن القراءة، رغبة منهن في الاستفادة من المناقشة، ولتحفيزهن على إكمال القراءة.
ولم يفتر هذا من عزيمتنا أبدا، فما نهدف إليه من البداية هو غرس عادة القراءة والالتزام بها وتشجيعهن على المواصلة، ومرة بعد مرة لا بد أن تزداد أعداد القارئات.
تمتد أنشطتكم إلى المسابقات الثقافية وتنظيم رحلات ترفيهية، وهنالك مشروع "سيرك المعرفة".. حدثونا عن كل هذه الأنشطة الموجهة للأطفال؟"سيرك المعرفة" مشروع ينطلق من رؤيتنا في قسم الأطفال، يركز على دمج المتعة بالمعرفة، حيث ننظم فقرات بطابع ممتع من مهرجين وحكواتيين ولاعبي خفة وغيرهم، ليقوموا بفقرات ثقافية بقالب ممتع.. وتقام أيضا مسابقات ورحلتين تعليميتين خلال العام، لتعزيز قيمة المعرفة والثقافة في نفوس أطفالنا لينشأ جيل محب للمعرفة.
ما الذي تتطلعون إلى تحقيقه، مستقبلا؟ما نطمح إليه مستقبلا هو ما نعمل عليه كل يوم في مؤسسة "صالون نون الثقافي"، وهو الوصول إلى قارئ في كل بيت ومكتبة في كل حي يمني.
صحيح أن الطريق لا يزال طويلا وأننا لا نزال نخطو بخطوات صغيرة، ولكنها خطى واثقة ومؤمنة ومخلصة وستُحدث أثرا كبيرا يوما ما بإذن الله، لذا ندعو الجميع ليسهموا معنا على طريق خلق مجتمع قارئ محب للمعرفة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: على القراءة
إقرأ أيضاً:
"نساء المحار" في تونس يواجهن خطر التغيرات المناخية و"السلطعون الأزرق"
تواجه جامعات المحار في تونس عقبات كبيرة لتأمين « لقمة العيش »، بعد حظر موسم الصيد وتراجع إنتاج المحار في ظل التغيرات المناخية التي أثرت في البيئة البحرية التونسية.
مع ابتسامة تظهر تجاعيد وجهها أكثر، تنظر فاطمة حامدي (66 سنة) إلى سقف منزلها الصغير، مستحضرة بداية عملها في جمع المحار قبل ما يزيد على الأربعين عاماً. تعيش فاطمة بمنطقة أجيم في جزيرة جربة جنوب شرقي تونس.
تقطع فاطمة مع رفيقاتها من النساء مسافات طويلة مشياً من محل سكنها إلى سواحل قلالة في جزيرة جربة؛ بحثاً عن المحار أو ما يسمى باللهجة المحلية « القفالة ».
بعد رحلة شاقة غير مضمونة النتائج مشياً على الأقدام، أو من خلال الجلوس في الصناديق الخلفية للشاحنات، وأحياناً بحراً في المراكب، تصل فاطمة ورفيقاتها من جامعات المحار، إلى وجهتهن. يبدأ موسم السماح بجمع المحار في الخريف وينتهي أواخر فصل الربيع.
حين يظفرن بمكان يتوفر فيه المحار، يسرعن إلى صيده منحنِيات لساعات طويلة في الماء، تقول فاطمة: « تظهر علامات وجوده في التراب فنلتقطه بالمنجل، ثم نضعه في السطل ».
يكاد يقتصر جمع المحار على النساء في تونس، أو ما يعرف بـ »الصيد على الأقدام ». يتطلب العمل في هذه المهنة الشاقة مواعيد غير ثابتة. وقد يرافقهن أطفالهن في هذه الرحلة الصعبة.
تضيف فاطمة: « كنت أحمل أطفالي على ظهري، حتى أن قطعة القماش التي أحملهم فيها تترك أثراً في جسدي »، وتتابع: « أذكر أن أحد أبنائي حملته معي ولم يبلغ الأربعين يوماً بعد ».
تقول فاطمة إن بيع محصول المحار ساعد على دفع التكاليف الدراسية لأولادها، وتوفير احتياجات بيتها من طعام وغيره.
تراجع إنتاج المحار في تونس خلال السنوات الأخيرة، في ظل تغير البيئة البحرية بسبب ما طالها قبل أكثر من مئة عام. في ربيع عام 1859، بدأت أعمال حفر قناة السويس بمصر، ممهدة ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وبذلك أسهمت في فتح الطريق أمام ألف صنف من الأحياء البحرية المتوطنة في البحر الأحمر للوصول والاستقرار في شرق المتوسط.
انتقل ما يعرف بالسلطعون الأزرق، السابح من المحيط الهندي إلى غرب المتوسط عبر البحر الأحمر، لكنّه وصل خليج قابس عام 2014، بعد أن ظهر في شباك الصيادين هناك. كما يُعزى ظهور صنف آخر من السلطعون الأزرق إلى حركة السفن، التي تنقله إلى البحر المتوسط.
مع مرور الوقت، ازدادت أعداد السلطعون الأزرق، وبات يغزو المياه القريبة من الشواطئ ويلتهم المحار الذي يشكل مورد رزق العديد من النساء القاطنات في المناطق الساحلية.
يزيد عدد جامعات المحار في تونس على أربعة آلاف امرأة؛ يجمعن المحار من نحو 17 موقعاً تتركز بشكل رئيس في سواحل قابس وصفاقس. ومع ذلك، لا يلقى صيد المحار، الذي يبدو حكراً على النساء في الغالب، اهتماماً من جانب السلطات التونسية.
توجه تونس غالبية صادراتها من « اللافقاريات المائية والرخويات »، ومنها المحار، إلى دول الاتحاد الأوروبي. تستحوذ إيطاليا على نحو 80 في المئة من هذا الإنتاج. وتُعد إيطاليا الخامسة عالمياً في إنتاج المحار، ومع ذلك فإن المحار الذي يعيش في الشواطئ المحاذية لشمال إفريقيا مطلوب في المطاعم الإيطالية لصناعة طبق شهير من المعكرونة.
ويتوطن تونس المحار المعروف باسم Tapes decussatus autochthonous، المميز بطعمه وجودته العالية. يُجمع هذا المحار باليد، باستخدام أدوات بسيطة للحفاظ على تلك الجودة.
ومع ذلك، يُعد صيد المحار نشاطاً مهمشاً، لا ينضوي تحت استراتيجيات الدولة لعدة أسباب؛ من بينها محدودية عدد جامعات المحار مقارنة بعدد الصيادين، في ظل عزوفهن عن الحصول على بطاقة « صياد محترف » لدى السلطات، والتوزيع غير المنتظم للمحار نتيجة طبيعته، حسب تقرير أصدرته وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عام 2023.
يتتبعن أطوار « القمر » لإطعام الصغارفي سبيل لقمة العيش وإعالة أسرهن، تتّبع جامعات المحار أطوار القمر، فهن يضبطن أوقات عملهن حسب المد والجزر؛ إذ يقمن بجمع المحار عندما تتكشف الرمال خلال ساعات الجزر.
في ساحة منزلها، جلست مبروكة قشاط (44 عاماً) القرفصاء ترتق شباك الصيد بخفة، ولا تنهض من مكانها إلا لدقائق معدودة، تتفقد وجبة الغداء قبل عودة ولديها من المدرسة. مبروكة هي جامعة محار من منطقة بوغرارة الساحلية التابعة لولاية مدنين، وتعمل أيضاً في رتق الشباك لإعالة أسرتها بعد وفاة زوجها. تقول: « نذهب أحياناً للعمل بواسطة المراكب، نغادر بيوتنا حتى قبل أذان الصبح؛ ربما في الثالثة فجراً ».
تضيف مبروكة: « نبدأ بجمع الحطب وإشعال النار للتدفئة حال وصولنا… نتناول الإفطار ثم أحياناً تذهب إحدانا فقط لتفقد المحار ، لأنه ليس متوفراً دائماً ».
أما رفيقتها زهرة قشاط (45 عاماً) فتوضح أهمية المد والجزر في تحديد مواعيد العمل: « نحن نستدل بالقمر، عندما يبدأ بالغياب فهذا يعني أن البحر بدأ بالتراجع ». تعمل زهرة في جمع المحار منذ طفولتها بعمر الثانية عشرة.
تشكل جامعات المحار رأس الهرم في « سلسلة القيمة » لهذا الصنف. ففي حال سماح السلطات التونسية بموسم الصيد، تبيع جامعات المحار صيدهن عبر مزاد، بعد الحصول على وصل « معاينة » من ممثل عن الجهاز المحلي التابع لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري. يتم وزن المحار وتحميله بالشاحنات، ثم نقله إلى مراكز التنقية حيث يُنظف قبل بيعه في السوق المحلية أو تصديره إلى الخارج، وفق ممثل المجمع المهني المشترك للصيد البحري بولاية مدنين، فتحي النالوفي.
استغلال الوسطاءتُقبِل النساء في المناطق الساحلية بتونس على مهنة جمع المحار؛ لأنها لا تتطلب تدريباً خاصاً أو أدوات باهظة الثمن.
تبيع جامعات المحار المحصول عبر وسطاء. تقول زهرة قشاط إن الوسطاء يشترون المحار بأثمان بخسة تصل إلى خمسة دنانير تونسية (1.57 دولار أميركي) للكيلوغرام الواحد، وهو مبلغ لا يكفي في ظل غلاء الأسعار ونقص الإنتاج، وفق تقديرها. وتضيف: « إن الأمر يتجاوز الاستغلال بكثير ».
الأمر ذاته تؤكده فاطمة الحامدي بالقول: « سبعة دنانير لا تكفي، لا نعرف ما الحل… تركنا الأمر لله ».
تتعرض جامعات المحار لحوادث خلال عملهن. تقول فاطمة إنها أصيبت في قدمها ذات يوم وهي تجمع المحار بمنطقة القطعاية بجزيرة جربة؛ ما اضطرها إلى إجراء عملية جراحية كلفتها مبلغاً مالياً كبيراً. كما تعرضت كل من زهرة ومبروكة إلى حوادث طرق، أثناء تنقلهما عبر شاحنات الوسطاء.
يؤكد عز الدين الدغري (61 سنة)، الذي عمل في السابق وسيطاً في بيع المحار بمنطقة بوغرارة، أن عمل الوسيط في الماضي كان مقنّناً من السلطات، إذ تحدد الأخيرة سعر بيع المحار حسب حجمه . وأوضح أن عمل الوسيط يقتصر على شراء المحار من جامعاته، لكنّه لا يتكفل بنقلهن ولا يتحمل مسؤولية ما يتعرضن له من حوادث الطرق أو العمل.
فرحة لم تكتملعام 2020، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) مشروعاً لدعم جامعات المحار في قابس، بالتعاون مع شركة إيطالية تستورد المحار من تونس؛ بهدف تحسين دخلهن في ظل وجود طلب كبير على هذا المنتج في إيطاليا وجنوب أوروبا. اعتمد المشروع على قيام جامعات المحار ببيع محصولهن بشكل مباشر والحصول على عوائد أفضل. كما قدم المشروع حوافز تتيح لهنّ جمع المحار كبير الحجم فقط؛ ما يسمح بنضوج المحار الأصغر للموسم المقبل، وضمان استمرارية سبل العيش لهؤلاء النسوة لسنوات قادمة.
لكنّ السلطات التونسية حظرت جمع المحار قبل بدء الموسم نهاية ذلك العام (2020)، واستمر الأمر حتى العام الماضي (2024). كما تمّ حظر الصيد في موسم 2024/2025.
تعزو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري منع صيد المحار للسنة الخامسة على التوالي، إلى تراجع المخزون جراء الصيد الجائر والعشوائي. ويمتد موسم صيد المحار من شهر تأكتوبر إلى شهر ماي من السنة التالية.
يقول عز الدين الدغري، إن النساء يلجأن إلى جمع المحار بطريقة عشوائية بعد قرار الحظر؛ والوسطاء لا يتحملون المسؤولية إن واجهتهن أيّ مشكلة.
مبروكة أثناء عملها في رتق شباك الصيد تراجع الإنتاجيقول مدير عام الصيد البحري وتربية الأحياء المائية بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، علي شيخ السبوعي، إنه تم دعم جامعات المحار عبر مشروعات تعاون دولي قبل حظر الموسم.
وأوضح أن جامعات المحار يمتهن أنشطة موسمية بديلة مثل جني الزيتون، لأن جمع المحار نشاط موسمي يستمر فترة قصيرة.
وأضاف أنه يجري العمل على استكشاف مناطق جديدة لوجود المحار، عن طريق معهد علوم وتكنولوجيا البحار، مؤكداً أن وضع المحار بات مُهدَّداً وينذر بالخطر في المناطق التقليدية؛ لذا تُجرى إعادة تقييم مخزون المحار، وهو ما يحدد تعليق موسم الصيد أو إبقاءه.
يقول السبوعي إن تراجع المخزون نجم عن التغيرات المناخية والصيد المفرط وصيد المحار قبل وصوله الحجم المسموح وهو 3.5 سنتيمتر ، بالإضافة إلى وجود السلطعون الأزرق. وأكد أهمية المحافظة على هذا الصنف إلى جانب أصناف أخرى مثل سمك البوري؛ لضمان تكاثرها والمحافظة على الثروة السمكية في البلاد.
وبحسب شيخ السبوعي، فإن عدد جامعات المحار يختلف من عام إلى آخر، وقد يكون مرتفعاً جداً في بعض المناطق.
يقول الخبير في البيئة والتنمية المستدامة، عادل الهنتاتي، إن قرار وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بوقف جمع المحار للسنة الخامسة على التوالي كان ضرورياً؛ لتجديد المخزون الوطني من هذا النوع من الأحياء البحرية، مشيراً إلى أن هذا القرار اتُخذ في تسعينيات القرن الماضي للسبب ذاته.
تراجع إنتاج المحار في الفترة بين عام 2016 و2020 بنسبة تصل إلى 95 بالمئة، إذ كان يصل حجم الإنتاج إلى ما يزيد على ألف و800 طن، لينخفض إلى 84 طناً.
يعزو ممثل المجمع المهني المشترك للصيد البحري بولاية مدنين، فتحي النالوفي، تراجع إنتاج المحار إلى الصيد المفرط، خاصة في خليج قابس؛ إذ كان يتمّ صيد المحار على اختلاف أحجامه خلال المواسم وخارجها، حسب قوله. لكنّه أكد أيضاً أن التلوث بسبب المصانع، خاصة في خليج قابس، أسهم في تراجع أعداد المحار.
تقول راضية بن خليفة (40 عاماً)، وهي من جامعات المحار: « أحياناً كنا نذهب لجمع المحار فنجد السلطعون بصدد أكل المحارة، وأحياناً أخرى لا نعثر إلا على صدفتها الخارجية… انتشار السلطعون أثر كثيراً في المحار ».
ويؤكد خبراء أن مياه البحر المتوسط تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، بدرجة أكبر من بقية المناطق عالمياً. في حين يشير تقرير الصندوق العالمي للطبيعة إلى أن حرارة مياه المتوسط تدعم نحو ألف صنف من الأحياء البحرية غير الأصيلة، وهي تنتشر شمالاً وغرباً كل عام، وتؤدي إلى نزوح الأنواع المقيمة.
ويرى الخبير البيئي، عادل الهنتاتي، أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر استقطب السلطعون الأزرق، ليجد في خليج قابس مناخاً ملائماً للعيش، وهو يقتات على المحار وكائنات بحرية أخرى.
كما أثر هذا الارتفاع في درجة حرارة المياه، والدورة الحياتية للمحار، جراء ظهور ملوثات من البحر، وفق الهنتاتي.
عمدت الحكومة التونسية، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، إلى تدريب الصيادين على صيد السلطعون الأزرق، وتزويدهم بمصائد جديدة خاصة لهذا الغرض. في حين انتشرت المصانع التي تشتري هذا المنتج البحري في الساحل التونسي؛ إذ يُعد مطلوباً في كل من آسيا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية، لذا نشأت سلسلة توريد تقوم على هذا الضيف الجديد « الغريب ».
تؤكد فاطمة حامدي أن المحار لم يعد متوفراً كما كان سابقاً. تقارن فاطمة ما كانت تحصل عليه من المحار، وما بات عليه الحال في السنوات الأخيرة: « في الماضي كان متوفراً رغم أن ثمنه أيضاً كان بخساً… تراجعت كمياته، وسعره ليس جيداً مقارنة بمشقة جمعه الكبيرة ».
كما تبدي قلقها من الأيام القادمة: « يقولون إن المحار يفتح فمه في الحر… لكني أعتقد أن البحر ليس على مايرام ».