صالون نون الثقافي.. نساء وأطفال يمنيون يقرؤون في فضاء مؤثث بالحرب والأزمات
تاريخ النشر: 24th, October 2023 GMT
صنعاء – في 2017 أطلقت الناشطة الثقافية اليمنية، بثينة محمد المختار، ومعها مجموعة من زميلاتها مبادرة ثقافية حملت اسم "صالون نون الثقافي"، تهدف لتشجيع القراءة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأخذت على عاتقها تنظيم جلسة ثقافية كل شهر.
تحمل بثينة بكالوريوس علم نفس وهي أم لـ4 أطفال، عملت لفترة في الإرشاد النفسي والتربوي، قبل أن تفتح منزلها لاحتواء فعاليات "نون الثقافي" الشهرية المخصصة للقراءة ومناقشات الكتب واستعارتها ضمن رؤية مستقبلية تطمح إلى: مكتبة في كل حيّ، قارئ في كل بيت.
في 2020، نجحت بثينة -وزميلاتها- في تسجيل مبادرتهن الثقافية لدى السلطات بشكل رسمي، باسم "مؤسسة صالون نون الثقافي" واتخذ الصالون مقرا له في أحد الشوارع الرئيسة بوسط العاصمة صنعاء.
ويوجه "صالون نون" أنشطته، ليس في القراءة ومناقشات الكتب فحسب، وإنما في مجالات وفضاءات ثقافية متنوعة، مثل "دردشات نونية" التي تستضيف تجارب نسوية ناجحة وفعاليات موجهة لليافعين في مجالات إبداعية وتنموية.
وفي نشاط المكتبات، كانت هناك مكتبات تم توزيعها على عدد من المدارس ودور الرعاية في صنعاء وجار التفكير في مشروع "مكتبة الحافلة". وإجمالًا، تستهدف مشاريع نون، فئة المرأة والطفل.
ويوفر "نون"، صالات قراءة مفتوحة يوميا للكبار، من خلال مكتبة متنوعة العناوين والمعارف والعلوم بنظام الاستعارة، تحتوي 3 آلاف كتاب، وأخرى للأطفال قوامها 2000 كتاب في مختلف العلوم والمعارف التنويرية والتثقيفية.
على مدى السنوات الـ3 الماضية، نظم الصالون عشرات اللقاءات المكرسة لقراءة ومناقشة الكتب بشكل جماعي، كما تلتئم أمسيات تدريبية وتأهيلية عبر الإنترنت. وهناك أنشطة موجهة لتعزيز ثقافة القراءة لدى الأطفال.
وبينما تشهد البلاد تداعيات الحرب والتأزم الإنساني كان -وما زال- العشرات من الأطفال في مدينة صنعاء يرتادون "صالون نون الثقافي" حيث تمنحهم "مكتبة نون كيدز" فسحة للقراءة واستلهام معارف وعلوم ينهلون منها ويتزودون بها سواء بالقراءة المباشرة أو عبر نظام الاستعارة الذي يوفره الصالون.
وفي الفترة من 2020 حتى الآن، نجحت إدارة مؤسسة "صالون نون" في إنشاء مكتبات مصغرة في عدد من دور الرعاية والمدارس لكن المشروع تعثر لأسباب كثيرة، مما دفع للتفكير في مشروع "حافلة الكتب المتنقلة" الذي سيرى النور قريبا.
هناك أيضا "مشروع سيرك المعرفة" في عدد من المدارس بمدينة صنعاء، فضلا عن مسابقات ثقافية موجهة للأطفال مثل "مسابقة كنز المعرفة"، ورحلات وأنشطة ثقافية ترفيهية للأطفال للتعرف على أماكن ومعالم في صنعاء.
في حوار مع الجزيرة نت تتحدث رئيس مؤسسة صالون نون الثقافي بثينة محمد المختار عن أنشطة الصالون ومكتباته المفتوحة للقراءة ومشاريعه وتطلعاته، على طريق تبديد قليل من ضباب الأفق الثقافي في بلد، صارت الثقافة فيه شيئا من الترف وفعلا مؤسسيا مفقودا في ظروف حرب وعزلة وانهيار اقتصادي باهظ الكلفة.
في البدء، كيف تشكلت فكرة "نون"، متى وكيف خرجت إلى النور؟نون مؤسسة ثقافية غير ربحية، بدأت قبل سنوات من قبل فتيات من مجالات متعددة، كمجموعة على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف لنشر حب القراءة، ثم تطورت إلى مبادرة تنفذ الكثير من المشاريع والحملات، إلى أن سُجلت في عام 2020 كمؤسسة ثقافية لها نشاط وأهداف وخطط ورؤى واسعة نسعى من خلالها إلى الوصول إلى "قارئ في كل بيت ومكتبة في كل حي يمني".
تتمحور أنشطة الصالون على القراءة: تحفيز الناس على أن تقرأ في مجتمع يعيش قطيعة عامة مع القراءة في المعظم.. منذ التأسيس وحتى الآن ما الذي أنجزتموه بالأرقام؟نفذنا 60 جلسة ثقافية تتضمن نقاشات كتب وفقرات ثقافية متنوعة تستهدف النساء، كما نفذنا عشرات الأمسيات والدورات التدريبية في مجالات ثقافية وفنية مختلفة.
قمنا أيضا بأكثر من 96 نشاطا ثقافيا للأطفال حسب أعمارهم المختلفة، إلى جانب نادي اليافعين الذي نفذنا فيه عشرات الورش والدورات.
بشكل عام، الشعب اليمني -بطبيعته- محب للمعرفة وشغوف بها، لأن اليمن منذ القدم أرض حضارات. بغض النظر عن موجة التجهيل الحاصلة مؤخرا، إلا أن البذرة لا تزال موجودة، فمع كل نشاط نقيمه يبهرنا الحضور والاهتمام من قبل السيدات والفتيات ونحن نلمس هذا كل يوم، فالفتيات والسيدات يحضرن للقراءة والمطالعة يوميا في مكتبات المؤسسة، وهذا يعزز صحة ما نعتقده أن الشعب اليمني شغوف بالمعرفة طالما وجدت له الفرصة وتهيأ له المكان.
كمؤسسة ثقافية غير ربحية، كيف تواجهون متطلبات الإيجار والفواتير والمشاريع والمكتبات وخلافه؟صحيح، المؤسسة تقوم على مساهمات ذاتية من قِبل رئاستها، وعلى مساهمات من داعمين آمنوا بنا وبالهدف الذي نسعى له، وعلى رأسهم شركة "الجيل الجديد" في صنعاء، التي تعد الداعم الأكبر للصالون.
ولا نزال نبحث عن داعمين آخرين ليساهموا أيضا معنا لنستطيع أن نصل لشريحة أكبر وليتسع نشاط المؤسسة ويكبر. وأملنا كبير بأن هناك كثيرين سيحملون معنا هذا الحلم وهذه الرؤية.
وماذا عن فريق نون.. توزيع المهام والمسؤوليات، وهل الجميع متطوعون؟في البداية كان كل الفريق متطوعا، شيئا فشيئا أصبح العمل المؤسسي هو الأساس وبدأت تتضح هيكليته، ويكبر فريقه، ويتقاضى أجورا مقابل العمل، وإن كانت ليست بالأجور الكبيرة.
ما الذي تسهرون عليه في خطتكم لما تبقى من عام 2023؟حاليا نعمل ضمن خطة تتضمن أنشطة ثابتة يومية وأسبوعية وشهرية، تستهدف النساء والأطفال. والمتتبع لنشاط الصالون في منصات التواصل الاجتماعي يجد أنشطة غزيرة ومتنوعة والحمدلله.
في ما تبقى من العام الجاري، لدينا مسابقة للقراءة ستكون هي الأولى على مستوى الجمهورية في تشجيع الأطفال على القراءة، نطمح بعد إطلاقها أن نثبّتها كنشاط سنوي، إلى جانب الاستمرار في ما نقوم به من أنشطة ثقافية توعوية للأطفال والنساء.
أي آلية وضمانات تعتمدونها لإعارة الكتب؟نعتمد في المؤسسة نظام استعارة باشتراكات "سنوية، ونصف سنوية، وربع سنوية"، بمبلغ رمزي لتشجيع الناس على القراءة، وبنظام توصيل الكتب إلى المنازل في حال رغب العضو المشترك، وللعضو مميزات يحصل عليها عند الاشتراك من خصومات على الورش والدورات وغيرها.
ولا تُلزم المؤسسة الأعضاء بضمانات عند استعارة الكتب، لثقتها في المتَطلّع إلى المعرفة وحب القراءة، وهذا ما لمسناه فعلا في محافظتهم على الكتب.
الضمانة فقط عند الاستعارة من قسم الموسوعات لأنها سلسلة مترابطة.
نتحدث عن مكتبة نون للكبار وأخرى للصغار، كم عنوانا ومؤلفا تحتويه كل من المكتبتين وكيف وجدتم إقبال الأطفال على القراءة؟تحتوي مكتباتنا إلى الآن 3000 كتاب في مكتبة الكبار، و2000 كتاب في مكتبة الصغار، وبالطبع سيزداد الرقم مع الوقت ليشبع شغف القراء.
الأطفال مفطورون على حب القراءة، والحكايات لها سحر خاص عندهم، وهذا ما لمسناه في مكتبة نون كيدز، فما أن يدخل الطفل المكتبة حتى تجده منغمسا في عالم الكتب والحكايات، وكل ما علينا فعله هو إيصاله إلى المكتبة ليبدأ بعيش مغامرته الفريدة.
وماذا عن مكتبات نون المصغرة في دور الرعاية والمؤسسات والمدارس بالعاصمة صنعاء.. إلى أين وصل انتشاركم؟المكتبات الصغيرة كانت إحدى المشاريع التي تم تنفيذها، سعينا من خلالها أن نضع نقطة مضيئة في كل دار رعاية بأمانة العاصمة، عملنا عليه لفترة من الوقت ثم توقفنا بسبب ما كنا نلاحظه من إهمال للكتب أحيانا أو ضياعها، واتجهنا للتخطيط لمشروع أكثر استدامة وفاعلية، وهو مشروع "حافلة المكتبة" الذي نسعى لتنفيذه لتكون مكتبة متنقلة بين دور الرعاية تحقق الهدف باستدامة، ونتطلع أن نجد داعمين لهذه الفكرة لكي ترى النور مع مطلع العام القادم، بمشيئة الله.
تستفيدون من التقنية بتنفيذ أمسيات تدريبية عبر الإنترنت، كيف تتفاعل النساء والأطفال مع هذه الفعاليات تحديدا؟ وما أهم المواضيع والمجالات التدريبية التي تشتغلون عليها؟نحن في المؤسسة نحاول أن نحقق أهدافنا وأن نصل بكل الطرق الممكنة، والإنترنت أصبح وسيلة رئيسية تسهل وصولنا إلى الجمهور اليمني بأكمله وليس فقط في العاصمة صنعاء.
منصاتنا على مواقع التواصل المختلفة تتابعها سيدات وفتيات من مختلف أنحاء الجمهورية من المدن إلى القرى، لذلك لدينا برامج خاصة وفقرات وأمسيات متنوعة يعمل عليها فريق متكامل تغطي مواضيع ثقافية تنموية وتوعوية مختلفة.
كيف هو التفاعل مع القراءة ومناقشات الكتب من واقع تجربتكم في نون؟مطلع كل شهر يتم الإعلان عن كتاب الشهر الذي سنتشارك قراءته -من قائمة الكتب المعدّة مسبقا، المتضمنة كتبا متنوعة في عدة مجالات- وخلال الشهر يتم نشر تذكير بقراءته لتشجيع العضوات، ثم يُناقش في نهاية الشهر في فقرة خاصة ضمن فقرات جلسة الشهر.
لا أخفيك أننا نصل إلى نهاية الشهر وعدد قليل من العضوات فقط قد أكملن قراءة الكتاب كاملا
لكن الحضور يكون كبيرا حتى اللاتي لم يكملن القراءة، رغبة منهن في الاستفادة من المناقشة، ولتحفيزهن على إكمال القراءة.
ولم يفتر هذا من عزيمتنا أبدا، فما نهدف إليه من البداية هو غرس عادة القراءة والالتزام بها وتشجيعهن على المواصلة، ومرة بعد مرة لا بد أن تزداد أعداد القارئات.
تمتد أنشطتكم إلى المسابقات الثقافية وتنظيم رحلات ترفيهية، وهنالك مشروع "سيرك المعرفة".. حدثونا عن كل هذه الأنشطة الموجهة للأطفال؟"سيرك المعرفة" مشروع ينطلق من رؤيتنا في قسم الأطفال، يركز على دمج المتعة بالمعرفة، حيث ننظم فقرات بطابع ممتع من مهرجين وحكواتيين ولاعبي خفة وغيرهم، ليقوموا بفقرات ثقافية بقالب ممتع.. وتقام أيضا مسابقات ورحلتين تعليميتين خلال العام، لتعزيز قيمة المعرفة والثقافة في نفوس أطفالنا لينشأ جيل محب للمعرفة.
ما الذي تتطلعون إلى تحقيقه، مستقبلا؟ما نطمح إليه مستقبلا هو ما نعمل عليه كل يوم في مؤسسة "صالون نون الثقافي"، وهو الوصول إلى قارئ في كل بيت ومكتبة في كل حي يمني.
صحيح أن الطريق لا يزال طويلا وأننا لا نزال نخطو بخطوات صغيرة، ولكنها خطى واثقة ومؤمنة ومخلصة وستُحدث أثرا كبيرا يوما ما بإذن الله، لذا ندعو الجميع ليسهموا معنا على طريق خلق مجتمع قارئ محب للمعرفة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: على القراءة
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.