ماذا بعد؟ صاحت فجأة جندية:
هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟
قلت: قتلتني... ونسيتُ، مثلك، أن أموت.
محمود درويش
ينسى الفلسطينيون أنهم ماتوا ويعودون، وينسى الصهاينة ولا يتذكرون، يصرخون بأعلى أصواتهم وتبح حناجرهم العفنة وتعلو أصواتهم، لكن قتلهم لا يتوقف، خالجهم الوهم عندما يفرغوا من جرائمهم، لكن الفلسطينيين يخرجون من كل مكان أكثر قوة وعنفوانا.
شعب الجبارين، كما وصفهم ياسر عرفات، وصفٌ يليق بأولئك الرجال والنساء والأطفال الذين أبهروا العالم بقوة صلابتهم ورباطة جأشهم وتحمّلهم وعزيمتهم التي لا تهزها الجبال. «يا جبل ما يهزك ريح» كما قال ياسر عرفات أيضا. فجبال المقاومة عالية راسخة في الوجدان الفلسطيني لا يهزها شيء، هم وحدهم من يشعلون الأعاصير.
للمقاومة أبطالها ورموزها، هكذا يخبرنا الفلسطينيون بأن مقاومتهم للاحتلال الصهيوني الغاشم ليس بالسلاح وحده، إذ تمثل ثقافة الرموز وأيقونات المقاومة الفلسطينية مقاومة من نوع آخر ومختلف. فظهرت الكوفية الفلسطينية بلونيها الأبيض والأسود التي تعد رمزا وطنيا فلسطينيا ورمزا للتحرر والمقاومة وأشهر من ارتداها الزعيم الفلسطيني أمين الحسيني والزعيم ياسر عرفات، وأصبحت رمز النشطاء حول العالم إذ غالبا ما نشاهد المقاومين والمتظاهرين يلفونها حول رقابهم ويتخذونها رمزا لمقاومة الظلم والطغيان وضد الإمبريالية الدولية. كذلك استخدمت إشارة النصر التي يرفعها الفلسطيني بسبابته وإصبعه الوسطى للدلالة على النصر أو السلام. وفي رمزية أخرى أكثر دلالة يستخدم الفلسطينيون المفتاح، إذ ترفع المفاتيح عاليا وتعلق في جدران البيوت كرمز لحق العودة للمهجّرين. وفي منتصف السبعينيات ظهرت شخصية حنظلة كأيقونة فلسطينية كاريكاتورية ابتكرها ورسمها الفنان ناجي العلي وتمثل طفلا فلسطينيا في العاشرة من عمره يعقد يديه خلف ظهره ويدير ظهره للعالم.
غزة التي أبهرت العالم بصمود أبطالها ومقاوميها ضد العدوان الهمجي والإبادة الجماعية، تخلق رموزها وأيقوناتها الخاصة، إذ لا يتوقف إبداع مقاوميها ورغم كل المآسي والكوارث، تختلف تلك الأيقونات فتظهر مرة على شكل حركة لا شعورية أو قول عفوي عابر أو فعل يؤرخ لحادثة أو رسمة تخفي معاني متعددة، تكسب تلك الأيقونات رمزيات ذات دلالات وأبعاد متعددة.
وائل الدحدوح ذلك المناضل الصلب الذي وقف كالجبل على جثامين عائلته وهو يودّعهم إلى مثواهم الأخير وأطلق كلمة (معليش) وكأنه يواسي عائلته وكأنهم حاضرون معه ويسمعونه، (معليش) صارت أنشودة يتغنّى بها الكثير. وذلك الفيديو الذي انتشر بسرعة وجاب العالم للجد خالد نبهان الذي يحتضن حفيدته (ريم روح الروح) التي استشهدت في القصف الصهيوني، وكذلك المرأة العجوز أم العبد حليمة الكسواني التي أنشدت (شدوا بعضكم يا أهل فلسطين ما ودعتنا)، وصورة ذلك المقاتل الذي ينتعل بنعل خفيفة وقميص قصير الأكمام وابتكر طريقته الخاصة بالاحتفالية العفوية وهو يفرغ من تدمير آلية عسكرية صهيونية وهو يقفز مبتهجا ويردد كلمة (ولّعت)، والمقاتل الذي صاح بفخر عقب إصابته للمدرعة الصهيونية (حلّل يا دويري)، و(الشهيد الساجد) الذي ظهر في مقطع فيديو أثناء تنفيذه لعملية ضد القوات الإسرائيلية وعندما رصدته طائرة تابعة لقوات الاحتلال لينتهي مستشهدا وهو ساجد، إنه الشهيد البطل تيسير أبو طعيمة. وغيرها الكثير من الأيقونات التي تتحول إلى رموز والتي ستظل حاضرة كلما ذكرت غزة، وكلما ذُكر طوفان الأقصى.
رمز آخر تقذف به غزة في وجه العالم المتخاذل، المقاتل صاحب المعطف الطويل، إنه أيقونة أخرى ورمزية أخرى تضاف إلى تلك الأيقونات، كل ما يُعرف عنه أنه مقاتل خرج في خان يونس بكامل أناقته وأبهته متلحفا بمعطفه (بالطو) ذي اللون الأسود، ينتعل حذاء رياضيا أبيض أنيقا، كان الرجل يمشي بثقة متناهية العزة والكرامة لا يهاب ولا يخشى أزيز الرصاص الكثيف الذي يتساقط من حوله، ولا يلتفت لضجيج الطائرات التي تحوم فوقه، مقبلًا غير مدبر متأبطًا قذيفة «آر بي جي» يضع عليها قذيفة (الياسين 105) وقف ثابتا بطوله الفارع قبالة دبابة إسرائيلية (الميركافا) الواقفة عند ناصية الشارع، وبكل ثقة وتركيز أطلق القذيفة، فاشتعلت الدبابة، فكانت تلك الطلقة كفيلة بإشعال جبهة أخرى.
وكما هي طلة المتحدث باسم كتائب القسام الملثم أبو عبيدة أو أبو حمزة اللذين لا تُعرف هويتهما، جاءت طلة الرجل الأنيق أو المقاتل الأنيق كما سُمّي فأشعلت وسائل التواصل الاجتماعي وحظيت بتفاعل كبير ممتدحين شجاعته التي أبداها وتلك الطلة البهية، فتنوعت التعليقات والألقاب التي أطلقت عليه، منها من نعته بالمقاتل الأنيق، أو غزة مان، أو روبن هود غزة، أو زورو فلسطين، أو الفارس، فيما وصفه متابع آخر بأنه المقاتل الأكثر أناقة في تاريخ حركات التحرر الوطني، ومتابع آخر يطالب بجعله رمزا للأطفال وأيقونة بطولية بدلا من (سبايدر مان وبات مان وكابتن أمريكا) وبعضهم من طلب أن تُطبع صورته وتوضع في القلوب وفي كل مكان.
شخص مجهول لا أحد يعرف من أين أتى ذلك الرجل المقاتل، أجاء من مكمن فوق الأرض أم انبثق كالشعاع من نفق تحت الأرض؟ يسأل البعض أكان الرجل ذاهبا لمناسبة عيد أو ما شابه ذلك؟ أكأنه أراد أن يلقى ربه بأبهى الملابس وأرقاها؟ أو ربما أراد من ذلك أن يبعث بعدة رسائل لجهات كثيرة عن حال المقاومة. هل أراد أن يقول إن كل فئات الشعب تقاوم وتلتحم في المعركة لا يقتصر ذلك على الفقراء وحدهم، الشجاعة قد لا تحتاج إلى ضجيج أو صراخ، ولا جيوش المدججة بالسلاح أو قادة موشحة صدورهم بالنياشين والأوسمة، وليس بالضرورة أن يكون لمن يدافع عن وطنه وعرضه أن يزهو بملابس عسكرية وأحذية لماعة.
تتجلى رمزية ذلك المقاتل الأنيق وتذكرني بأولئك الأشخاص الذين كانوا سببا في إشعال جذوة الثورات ورفعوا مظلومية شعوبهم وسطروا انتصارات كتبت بدمائهم، أشخاص بقت شخصيتهم مجهولة، هم أبناء النضال الحقيقيين، أولئك الذين أكلتهم الثورات، هم المجهولون في الأرض المعروفون في السماء.
الشيء اللافت في قصص المجهولين صانعي الرموز في غزة هو ما إن تقترب ساعة إماطة اللثام عن هويتهم إلا وتتلاشى أجسادهم ويستشهدون تباعًا لتبقى أرواحهم هائمة وتزداد رمزية وخلودًا، هكذا بمجرد ما استشهد صاحب عبارة (ولّعت) عُرف، واسمه، عاهد عدنان أبو ستة. واستشهد المقاتل مهند رزق محمد جبريل صاحب عبارة (حلّل يا دويري).
تذكرني حكاية هذا المقاتل الأنيق المجهول بالعديد من الأبطال المجهولين في التاريخ العربي، ومنها قصة الصحابي الجليل أويس القرني الذي فضّل أن يعيش مع غبراء الناس عندما لقيه عمر بن الخطاب تنفيذا لوصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن يطلب منه أن يستغفر له أو يدعو له إن لقيه، رغم أنه لم يرَ النبي. وقصة (صاحب النقب) مع مسلمة بن عبدالملك بن مروان عندما استعصى عليه أن يفتح حصنا من الحصون في إحدى المعارك وإذا بشخص يفتح نقبا أو نفقا ودخل وفتح الحصن من الداخل ودخل المسلمون النقب، فأراد مسلمة أن يعرفه لكن جاءه رجل ملثم فاشترط عليه شروطا ثلاثة إن أرد أن يعرفه، وهي ألا يأمر له بعطاء وألا يكتب اسمه في رسالة للخليفة وأن يعده ألا يخبر به أحدا فقال مسلمة له لك ذلك فأشاح له عن لثامه وقال له أنا صاحب النقب.
أسال الله أن يطيل في عمر المقاتل الأنيق وكل المناضلين الأبطال وأن يرحم شهداء غزة، والنصر والعزة لكل الأحرار.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المقاتل الأنیق
إقرأ أيضاً:
ما الذي تصبو إليه رواندا والكونغو وحركة إم23 من مساعي السلام؟
من بين كثير من الصراعات التي شهدتها القارة الأفريقية عبر تاريخها الحديث، يبرز الصراع الأكبر والأطول في منطقة البحيرات العظمى، وتحديدا شرق الكونغو الديمقراطية شمال بحيرة كيفو.
صراع امتد 3 عقود أو أكثر، بدوافع محلية وتوابع إقليمية، بالإضافة إلى أياد دولية، حتى بات يصطلح عليه باسم "الحرب العالمية الأفريقية".
محطات كثيرة مر بها الصراع خلال العقود الثلاثة المنصرمة، اتخذت فيها الأحداث تارة طابع الحرب الأهلية، وتارة اتسمت بالحروب مع دول الجوار، وأحيانا سادت الأجواء بعض الهدن وقليل من السكون الذي صاحب جولات من الوساطات الإقليمية.
ولم تفض الوساطات من داخل القارة إلى إنهاء الصراع الطويل، بل إن بعضها زاد من تعقيدات المشهد، وعمّق الفجوة بين الأطراف المعنية.
وبعد إرسال قوات حفظ سلام أفريقية، تعرضت هي أيضا لهجمات، فضلا عن اتهامات وُجّهت لتلك القوات بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
بدأت حركة إم23، ومعها تحالف نهر الكونغو (AFC)، مطلع العام الجاري 2025 هجوما متصاعدا تهاوت أمامه قرى ومدن شرق الكونغو واحدة تلو الأخرى، فقد سقطت مدن غوما ثم بوكوفا مرورا بروبايا، أمام تقهقر الجيش الكونغولي وانسحابه من بعض مواقعه من دون قتال.
إعلانتوالت إثر تلك التطورات الاجتماعات والبيانات الأممية، داعية إلى ضرورة وقف الهجوم، كما وجهت اتهامات لرواندا بزجّ قرابة 5 آلاف مقاتل للمشاركة في تلك الهجمات.
وقد دعا مجلس الأمن الدولي الأطراف كافة لوقف الأعمال العدائية واحترام سيادة الكونغو الديمقراطية، وأدان في قراره رقم 2773 هجمات حركة إم23 وطالب رواندا بسحب قواتها.
رفضت كيغالي تلك الاتهامات، كما نفت مشاركة قواتها في المعارك الجارية شرقي الكونغو، لتقرّ فقط باتخاذها إجراءات قالت إنها تعزز أمنها القومي عند حدودها الشمالية مع جمهورية الكونغو، إثر تعرض مدن وقرى رواندية لقصف اتهمت القوات الكونغولية بالوقوف وراءه.
ومن خارج القارة الأفريقية، وفي 18 مارس/آذار 2025 أعلن عن اجتماع بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وكُل من الرئيسين الرواندي والكونغولي، بول كاغامي وفيليكس تشيسيكيدي، والإعلان عن وساطة بين رواندا والكونغو من جهة، ومسار لحل الصراع في شرق الكونغو من جهة أخرى.
وخرج عن ذلك الاجتماع المفاجئ للجميع بيان مشترك حول البدء بمسار نحو السلام، تبعته سلسلة اجتماعات على مستوى ممثلي الأطراف تشارك فيه وفود من رواندا والكونغو وحركة إم23.
وفي مسار مكمل لما يجري في دولة قطر، كانت هنالك خطوات في الولايات المتحدة أفضت حتى الآن إلى توقيع إعلان مبادئ نحو السلام بين كيغالي وكينشاسا، وأتبع في الخامس من مايو/أيار الحالي بتقديم الطرفين مسودات مقترحة لاتفاق سلام.
حرصت الأطراف جميعها على التكتم على مسار المفاوضات بغية إنجاحها وعدم التشويش على مجرياتها المعقدة بالطبع، إلا أن تساؤلات عما يتطلع إليه كل طرف، وكذلك هواجسه ومخاوفه، يمكن التوصل إليها عبر سؤال محللين ومتخصصين من مختلف الأطراف. وذلك ما سعينا له في هذا التقرير، إذ توجهنا بسؤالين عن الآمال والهواجس، إلى أولئك المتخصصين.
إعلان من كينشاسابدأنا بالعاصمة الكونغولية كينشاسا في محاولة لفهم رؤية الحكومة لمسار السلام بين الآمال والهواجس. سألنا السكرتير الفخري لحزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي الحاكم، ديابانزا موانانيني، عن رؤية بلاده للجهود الدبلوماسية فقال إن بلاده في مرحلة ما "دعت الولايات المتحدة للمشاركة في مفاوضات اعتبرت ذات طابع قانوني يتعلق بالأمن"، وأضاف أن الخطوة تأتي بعد "30 عامًا من القضايا الأمنية وكانت رواندا الفاعل الرئيسي فيها"، حسب تعبيره.
ويقول موانانيني "إذا فهمت رواندا حجم الاستثمارات التي ستلي هذا الترتيب مع الولايات المتحدة، فستُدرك الفوائد التي يمكن أن تجلبها مثل هذه الشراكة". وبحسب موانانيني، فإن رواندا إذا انسحبت "فستكون الخاسر الرئيسي لأنها لا تمتلك القدرة اللوجستية التي تمكنها من مواجهة الولايات المتحدة، لا سيما أن هناك موارد تبدو الولايات المتحدة مهتمة بها بشكل خاص"، على حد قوله.
ويختم موانانيني حديثه بالقول إنه "ينبغي لرواندا أن تفهم منطق الشفافية في هذا التبادل، وأن تتجنب اتخاذ موقف سلبي متشدد مع الاستمرار في تقويض جمهورية الكونغو الديمقراطية. أعتقد أن على رواندا هذه المرة أن تغتنم الفرصة حتى لا تخرج كطرف خاسر"، وفق ما قال.
رواندا.. الجار القريبطرف آخر من الصراع كان علينا الاقتراب من موقفه وإن بشكل غير رسمي هنا في كيغالي؛ هو الصحفي الرواندي غيتيتي نييرينغابو روهوموليزا الذي لا يخفي بدوره آماله وقلقه في الوقت ذاته على المسار الدبلوماسي.
يقول روهوموليزا إنه "خلال العقد الماضي، وخاصة في السنوات الثلاث إلى الأربع الأخيرة، كانت الحملة المعادية لرواندا هي الوقود الذي يغذي الأجندة السياسية في كينشاسا". ويضيف أن "خطابهم المعادي" امتد ليؤدي بالضرورة "إلى اضطهاد التوتسي الكونغوليين والتنكيل بهم وقتلهم داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية".
ملاذ آمنويقول روهوموليزا إنه "عند الإفراج عن مدانين بارتكاب الإبادة الجماعية، وفرت لهم الحكومة الكونغولية ملاذًا آمنًا". ويضيف "أن الرئيس الكونغولي هدد في مناسبات عدة بغزو رواندا".
لكن "أكثر الأفعال إثارة للقلق والتي لا تزال الحكومة الكونغولية تمارسها"، بحسب روهوموليزا، تتمثل "باستمرار تسليح وتمويل ودعم قوات الجبهة الديموقراطية لتحرير رواندا (FDLR) التي يقودها مرتكبو الإبادة الجماعية في رواندا".
إعلانويقول روهوموليزا إن خوفهم الرئيسي نابع من أزمة ثقة مع كينشاسا، إذ يرى أن مشاركة الحكومة الكونغولية في هذه المفاوضات من وجهة نظره "ربما لا تعدو أن تكون فرصة لإعادة التسلح، وتجنيد مزيد من المرتزقة وأفراد (FDLR)، ثم شن هجوم جديد على حركة إم23 بهدف جرّ الحرب إلى رواندا"، وفق قوله.
ويشير روهوموليزا إلى أن "خطاب الكراهية الموجه ضد رواندا عمومًا وضد التوتسي الكونغوليين بشكل خاص لن ينتهي بتوقيع اتفاق للأسف"، مشيرا إلى أن "تغذية خطاب الكراهية في الوعي العام سيحتاج عقودًا من العلاج". ويبدي الصحفي الرواندي خشيته "من أن التوتسي الكونغوليين سيحتاجون إلى وقت طويل قبل أن يشعروا بالأمان مجددًا في مناطق أخرى من بلادهم".
واتهم روهوموليزا الرأي العام الكونغولي بالانحياز ضد رواندا بشكل كبير، "إلى درجة أنه لن يسمح للسياسيين في كينشاسا بتطبيع العلاقات مع رواندا".
الفصيل الفاعل.. حركة إم23وعن رؤية حركة إم23 ومواقفها تجاه مسار السلام، يقدم الباحث المقرب من الحركة البروفسور الكونغولي أليكس مفوكا، في حديثه للجزيرة نت، تقدير موقف يقول فيه "إن الحركة تأمل بشدة وتتوقع التوصل إلى حل سياسي يستند إلى معالجة الجذور العميقة للصراع".
ويضيف مفوكا أن الحركة تتطلع أيضا إلى "التخلص من المشكلات المتعلقة بغياب الحوكمة في الكونغو الديمقراطية وإنهاء الفساد المستشري في ظل نظام سياسي يعاني من مشكلات مزمنة في آليات الحكم".
ويتحدث البحث المقرب من حركة إم23 عن "ثقافة سائدة من السياسات القائمة على أسس المركزية العرقية والتي تستغل القبلية وغيرها من أشكال العنصرية البدائية"، مشيرا إلى أن الحركة "تأمل وضع حد لثقافة خطاب الكراهية، ووقف التعبئة حول فكرة اضطهاد التوتسي الكونغوليين أو الناطقين بلغة الكينيارواندا من الهوتو والتوتسي" على حد سواء، والتي أصبحت، حسب ما يقول مفوكا، "شكلًا من أشكال الصواب السياسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية".
إعلانكذلك تأمل الحركة، وفق مفوكا، عودة 100 ألف لاجئ كونغولي. ويضيف البروفسور مفوكا للجزيرة نت أن حركة إم23 "تدرك أن الصراع في الشرق ليس مجرد نزاع قبلي بل هو سياسة شعبوية صادرة عن الحكومة المركزية".
وعن هواجس حركة إم23 إزاء الحكومة الكونغولية، يقول مفوكا إن الرئيس فيليكس تشيسيكيدي لديه سجل كبير في التنصل من الاتفاقيات السياسية واتفاقيات السلام"، وإن "حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية تفتقر إلى آليات مؤسساتية وقدرات حقيقية لتطبيق السلام والحفاظ على الاستقرار، وتقديم ضمانات لتنفيذ أي اتفاق سلام".
وأما بخصوص العراقيل التي يراها مفوكا لا تزال تعتري مسارات السلام بشكل عام، فيشير إلى وجود "قانون أقره البرلمان ويمنع الحكومة من التفاوض مع الحركة المتمردة، ولم يتم إلغاؤه أو تعديله منذ بدء المفاوضات".
ويؤكد مفوكا "أن التوترات العرقية المستمرة أو استغلال الموارد الطبيعية أو تدخل أطراف خارجية ليست السبب وراء غياب الاستقرار في الكونغو الديمقراطية"، بل يرى "أن فشل عمليات السلام السابقة أتى نتيجة غياب الإرادة السياسية، والفشل في معالجة الأسباب الجذرية للصراع"، وهي العوامل التي يقول إنها تمثل "مصدر القلق والخشية لدى حركة إم23".
وعليه، تبدو الآمال الواعدة بالسلام في منطقة البحيرات العظمى غاية تجمع عليها أطراف الصراع الأساسية، وفق ما هو معلن، بيد أن ذلك يتطلب إرادة جامحة لدى تلك الأطراف للسير نحو سلام يمنح خصوم اليوم الوقت الكافي لترميم تصدعات 3 عقود من خطاب الكراهية وسفك الدماء.