إبراهيم شقلاوي يكتب: الوعي الجمعي و صياغة معادلة السلام
تاريخ النشر: 15th, December 2025 GMT
لم يكن خروج السودانيين إلى الشوارع، داخل الوطن وخارجه، حدثًا عاديا بل عبر عن فعلًا سياسيًا مكتمل الأركان والدلالات، أعاد رسم الشرعية وحدد بوضوح معالم السلام الذي يريده السودانيون. ففي لحظة تداخلت فيها الضغوط الإقليمية و الدولية، وتكاثرت المبادرات التي حاولت القفز فوق جوهر الأزمة، خرج الشارع ليعلن موقفه بلا مواربة: لا تفاوض مع المليشيا، لا وصاية على القرار الوطني، ولا سلام خارج إطار الدولة.
هذا المشهد الشعبي الكاسح لا يمكن فصله عن خارطة الطريق التي أعلنها القائد العام للقوات المسلحة، رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حين وضع السلام في سياقه الصحيح: سلامٌ مشروط بتفكيك المليشيا، وتنفيذ اتفاق جدة الموقع في 11 مايو 2023، باعتباره المرجعية الوحيدة للترتيبات الأمنية والإنسانية. اتفاقٌ نصّ صراحة على خروج المليشيا من المدن، وتسليم سلاحها، وتجميع قواتها في معسكرات مخصصة للنظر في أمرها وفق منطق الدولة لا منطق فرض الأمر الواقع.
ورغم وضوح هذا الموقف، ظلّت أصواتٌ داخلية وخارجية تحاول المزايدة على الجيش، وتقديمه بوصفه مؤسسة «مختطفة» أو معزولة عن المجتمع، في محاولة لانتزاع الشرعية الأخلاقية والسياسية من موقفه. غير أن ما جرى في 13 ديسمبر أسقط هذه السرديات دفعة واحدة، وأثبت أن ما عبّر عنه قائد الجيش لم يكن رؤية قيادة منفصلة، بل ترجمة دقيقة لإرادة شعبية عريضة لا ترغب في رؤية المليشيا في اليوم التالي للحرب، لا شريكًا، ولا قوة أمر واقع، ولا مكوّنًا سياسيًا بأي مسمى او تحت اي عنوان .
لقد خرج السودانيون ليجددوا التفويض، لا للقتال من أجل القتال، بل لحسم معركة الكرامة بوصفها معركة وجود. خرجوا ليؤكدوا أن الجيش لا يقاتل منفردًا، بل يستند إلى خزان اجتماعي واسع يمتد من المدن إلى القرى، ومن المركز إلى الهامش، ومن الداخل إلى المهجر. هنا يتحول شعار «جيش واحد.. شعب واحد» من خطاب تعبوي إلى معادلة سياسية واقعية، تُعيد تعريف ميزان القوى ومعنى الشرعية في زمن الحرب و الخزلان.
في هذا السياق، لم يكن المطلب الشعبي بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمةً إرهابية نزوة خطابية أو انفعالًا عاطفيًا، بل نتيجة منطقية لانتهاكات واسعة وجرائم ممنهجة طالت المدنيين في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان ، من قتل ونهب وتهجير وترويع، ونسفت أي ادعاء بإمكانية إدماج هذه القوة في مستقبل الدولة. إن الشارع، وهو يرفع هذا المطلب، إنما يضع حدًا فاصلاً بين منطق الدولة ومنطق الفوضى، وبين السلام بوصفه تسوية سياسية هشة، والسلام بوصفه استعادة كاملة لسلطة القانون.
تكتسب هذه اللحظة أهميتها السياسية لأنها تتجاوز الداخل إلى الإقليم والعالم. فالرسالة التي بعث بها ملايين السودانيين بالأمس كانت واضحة: نحن مع جيشنا، وندعم خارطة الطريق التي أعلنها من أجل السلام، ونرفض أي مسار يتجاوز اتفاق جدة أو يفرغه من مضمونه. وهي رسالة تُربك حسابات من راهنوا على إنهاك الجبهة الداخلية، أو على تسويق المليشيا كأمر واقع لا بد من التعايش معه، أو عبوره لليوم التالي للحرب.
إقليميًا، يعيد هذا الاصطفاف الشعبي ضبط معادلات دول الجوار، ويؤكد أن السودان ليس دولة تنتظر الوصاية، بل دولة تقاتل لاستعادة تماسكها . ودوليًا، يمنح هذا الزخم الدولة السودانية ورقة ضغط سياسية وأخلاقية تعزز سرديتها بأن ما يجري حرب تُدار بالوكالة وتستهدف الموارد والسيادة، كما أقر بذلك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حين قال:” حرب السودان تخاض بالوكالة طمعا في الموارد الطبيعية” ، في اعتراف يضيق هامش التزييف ويغلق أبواب الحياد البائس.
في المحصلة، يصبح 13 ديسمبر محطة مفصلية في الوعي الجمعي السوداني، بوصفه، لحظة تأسيس جديدة يُعاد فيها تعريف السلام، والوطنية، ومعنى الاصطفاف. سلامٌ لا يقوم على المساومات، بل على تفكيك أسباب الحرب. ووطنيةٌ لا تُقاس بالشعارات، بل بالاستعداد لتحمل كلفة الدولة. واصطفافٌ لا يعرف الرمادية ، لأن اللحظة لا تحتملها.
هكذا وبحسب #وجه_الحقيقية ، حين تكلم الشارع، لم يرفع الحرج عن الجيش فحسب، بل أعاد تثبيت المعادلة : لا مليشيا في اليوم التالي للحرب، ولا دولة دون جيشها، ولا سلام خارج إرادة شعب قرر أن يكتب مستقبله بالفعل، لا بالانتظار. ذلك الوعي وحده الذي يعيد صياغة معادلة السلام.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأحد 14 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2025/12/15 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة المخابرات في الموعد2025/12/14 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (جلباب…)2025/12/14 “أن تكون مع بوتين أفضل من الحرب”2025/12/13 هجليج والمسيرية: التصفية والخطر الخارجي2025/12/12 الصحافة الصفراء2025/12/12 أرض تنتزع بالتصفيات … والبقارة في مرمى الصفقة الكبرى ل آل دقلو2025/12/12شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الوزيرة الجنجويدية… هل يُفتح أخيراً ملف المتعاونين الذين عادوا إلى مؤسسات الدولة 2025/12/12الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.