جبل قاسيون مصعد الأنبياء المقدس وحارس دمشق
تاريخ النشر: 9th, January 2025 GMT
يشتهر جبل قاسيون عند السوريين باسم "الجبل المقدس"، ويمتاز بموقعه الإستراتيجي، إذ يطل على العاصمة السورية دمشق، وفيه معالم أثرية ومغارات، أبرزها "مغارة الدم"، التي تزعم بعض الروايات أن فيها دما يعود لهابيل ابن النبي آدم عليه السلام، الذي قتله أخوه قابيل، وتدور حوله أساطير ومرويات وموروثات شعبية كثيرة، وتغنّى به الشعراء والأدباء، وكان مصيفا يقصده الملوك والأمراء في العصر الأموي.
يقع جبل قاسيون شمالي مدينة دمشق، وتتصل به من الغرب سلسلة جبال لبنان، ومن الشمال والشرق سلسلة جبال القلمون، التي تمتد إلى مدينة حمص، ومن هناك يشرف على غوطة دمشق.
ويرتفع عن مستوى سطح البحر نحو 1150 مترا، فيما يمتد عرضه إلى 15 كيلومترا، وهو عبارة عن هضبة تشكّلت حسب الجيولوجيين في بداية العصر الطباشيري المتأخر.
وتفصله أنهار بردى السبعة عن جبل المزة المتصل بجبل الشيخ وجبال حوران، وتفصله مياه منين شرقا عن جبال القلمون. وله سفحان من الجهة الشرقية، يفصل بينهما نهر يزيد.
تغطيه الثلوج في الشتاء، وفي الصيف يكون ملاذا باردا للهاربين من حرارة الجو، ويمكن الوصول للجبل عبر التوجه نحو الشمال الغربي من سور مدينة دمشق باتجاه حي الصالحية، وهو من المناطق المعروفة بانتشار بيوت الصوفية التي كانت تستخدم قديما مكانا لراحة الحجاج، وكانت تعرف آنذاك بـ"الخانات".
وبعد الصالحية يستمر الطريق نحو ساحة شمدين، التي سميت على اسم أمير محمل الحج الشامي سعيد شمدين آغا، ومن هناك يمكن الصعود نحو قمة الجبل، عبر أدراج معبدة تصل نهايتها إلى سلسلة كهوف ومسجد، ومن هناك يمكن مشاهدة دمشق كلها.
التسميةيعرف بـ"الجبل المقدس" لأهميته التاريخية والدينية وكثرة الأساطير المروية عنه، إذ قيل إنه كان مزارا للأنبياء والرسل، وإن أحداثا ذكرت في القرآن الكريم وكتب التاريخ الإسلامية قد وقعت فيه، منها أن سيدنا آدم عليه السلام سكن سفحه قرب التربة البدرية، وعليه قتل قابيل أخاه هابيل، وفي "كهف جبريل" جاءت الملائكة تعزي آدم في مقتل ابنه.
إعلانويعرف الجبل بتسميات أخرى، منها "جبل دمشق" و"جبل الشام" و"جبل التين" و"جبل الأيتام" و"جبل الأنبياء" و"مصعد الأنبياء" و"حارس دمشق"، وفي الآرامية القديمة ذكر باسم "قَيصون" وتعني نهائي وأقصى.
ويرى المؤرخ قتيبة الشهابي أن تسمية "قاسيون" ظهرت في المصادر العربية منذ القرن الأول الهجري، لكن بعض المصادر العربية ذكرتها بصيغ أخرى مثل " قَيْسُون " أو "قايسون"، كما تغنى بدمشق شعراء العرب قديما، إذ لقبوها بـ"بنت قيسون".
ويرجح أن الاسم تحور من "قيسون" إلى "قاسيون" في العصر الهلنستي، متأثرا باللسان اليوناني الذي يُشبع حروف العلة. ومن جانب آخر، قد يكون الاسم مشتقا من الجذر الآرامي "ق ش ا"، الذي يعني "القسوة"، وهو ما كتبه الكاهن الأرثوذكسي أيوب سميا، الذي قال "قاسيون أصلها الكلمة السريانية (قشيونو)، ومعناها القاسي الجاف، وهي صفة هذا الجبل الصخري الأجرد الذي لا عشب فيه ولا خضرة ولا ماء".
وقيل إن الجبل سمي قاسيون لقسوة حجارته وعصيانها وصعوبة صناعة الكفار منها الأصنام زمن النبي إبراهيم عليه السلام. وقيل الأصل كلمة قاسي، وألحقت بها الواو والنون تأثرا بالكنعانيين الذين كانت لهم عادة إلحاقهما، كما في كلمتي القلمون وميسلون.
ويصف الرحالة ابن بطوطة الجبل في كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" بأنه "شهير البركة فهو مصعد الأنبياء"، وقال عنه ياقوت الحموي إنه "جبل معظم ومقدس".
يذكر الرحالة ابن عساكر في كتابه "أخبار دمشق"، أن سيدنا إبراهيم ولد على سفح هذا الجبل، عند قرية تعرف ببَرزة، في غار ضيق بني عليه مسجد له غرف كثيرة، منه رأى عليه السلام الكوكب والقمر والشمس، كما ذكر الله تعالى في القرآن (سورة الأنعام 76-78)، وخلف هذا الغار يقع مقام إبراهيم، وشمال الجامع "مدفن لسبعين ألف شهيد، و700 نبي، وقيل 70 نبيا".
إعلانويذكر ابن جبير عند زيارته لدمشق وتأريخه لمرويات أهل المنطقة، أنه بقرب الربوة في النيرب قرب سفح قاسيون الغربي، سكنت حنَّة أم مريم العذراء، وفي تلك المنطقة نزل سيدنا يحيى بن زكريا عليه السلام مع أمه 40 عاما، واحتمى من قوم عاد داخل غار فيها.
وحسب الموروثات الشعبية والتراث التاريخي المتناقل، فإن سيدنا عيسى عليه السلام وأمه مريم سكنا تلة قاسيون، وقيل إنها المكان الذي ذكره الله في سورة المؤمنون (الآية 50) في قوله تعالى "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِين". وبعدها مر بها حواريو عيسى -وعددهم 40-، وضمّت تلك المنطقة مسجدا فيه 40 محرابا، وتعبيرا عن قدسية هذا الجبل قيل فيه "بين برزة وأَرْزَة أربعون ألف نبي".
ويذكر المؤرخ الدمشقي محمد أحمد دهمان أن سكان دمشق استوطنوا جبل قاسيون أجيالا عديدة قبل أن ينزلوا إلى السهل ويبنوا مدينتهم، وحتى قبل تأسيس دمشق في موقعها الحالي، مما يعني أن قاسيون كان بمثابة المدينة الأولى لهم.
ويروي أحمد بن طولون الأمر ذاته قائلا إن أهل دمشق سكنوا هذا الجبل قبل أن يسكنوا المدينة، و"عاشوا فيه أجيالا طويلة، حتى إذا تكاثروا وتناسلوا وارتقت معارفهم وتجاربهم هبطوا إلى السهل المنبسط أسفله فبنوا مدينتهم".
وقيل إن أول أسرة استقرت في حي الصالحية كانت عائلة نابلسية قادها أحمد قدامة المقدسي الحنبلي الذي هرب من الصليبيين عام 1156م، واستقرت بالقرب من جامع أبي صالح بدمشق، وأسهمت في ظهور الحنابلة في تلك المنطقة. وعندما انتقلت العائلة لاحقا إلى منطقة قاسيون أصبح اسمها (الحنابلة) مرتبطا بالحي الذي عُرف باسم "الصالحية".
واستقرت تلك الأسرة الفلسطينية بقيادة الشيخ قدامة وابنه أبي عمر في تلك المنطقة بدعم من الزنكيين الذين حكموا البلاد في القرن الـ12. وأسس نور الدين زنكي خانا في المنطقة على سفوح جبل قاسيون، مما عزز من وجود الحنابلة فيها.
إعلانوبعد أقل من مئة عام، استقر الشيخ الصوفي محيي الدين بن عربي في دمشق عند عودته من الحج، واختار الصالحية مكانا لإقامته حتى وفاته ودفنه فيها، ومنح وجوده المدينة شهرة استمرت لقرون، حتى صارت مركزا للصوفية، ومزارا مقدسا للمتصوفة في دمشق.
وظلّ مقام ابن العربي يحظى بأهمية كبيرة بين الصوفية في العالم الإسلامي، وعام 1516م أمر السلطان العثماني سليم الأول عند فتحه الشام ببناء مسجد بجوار قبر ابن العربي.
وفي عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، أقيمت على أطراف جبل قاسيون قواعد عسكرية وثكنات، من بينها ثكنات ميليشيا سرايا الدفاع التي أسسها شقيقه رفعت الأسد.
ومنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحوّل جبل قاسيون إلى قاعدة عسكرية إستراتيجية، وتمركزت عليه ألوية الحرس الجمهوري الذي تولى مسؤوليته ماهر الأسد، وكتائب المدفعية والصواريخ التابعة للفرقة الرابعة.
وأغلقت السلطات الطريق المؤدي الى أعالي جبل قاسيون أمام المدنيين، ووضعت نقاطا أمنية على امتداده لكونه يوفّر إشرافا إستراتيجيا على دمشق وعلى القصور الرئاسية فيها.
وأسفرت سيطرة النظام على مرتفعات قاسيون عن تمركز القوات بشكل أتاح لها استهداف مناطق الغوطة الثائرة وقصف قراها بشكل مكثف بالكيماوي والقنابل والصواريخ، مما أدى إلى تدمير واسع في بناها التحتية.
ومنذ ذلك الحين صار الجبل موقعا عسكريا محرما على المواطنين الاقتراب منه، إذ شكّل للنظام السابق ضمانا لتطويق العاصمة منعا لأي هجوم محتمل عليها، وضد أي محاولات انقلاب أو تمرد على نظام الأسد من داخل دمشق، وبقي عنصر حاسما لضمان تفوق الأسد على المعارضة التي لم تستطع السيطرة على جبل قاسيون بسبب ضعف تسليحها.
وبعد تمكّن المعارضة السورية المسلحة من الإطاحة بنظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، فتح الجبل ذراعيه لاستقبال السوريين من جديد، وبات مزارا مزدحما، وعلى قمته انتشر مقطع فيديو صور القائد العام للإدارة السورية أحمد الشرع، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان وهما يحتسيان الشاي.
إعلان أبرز المعالميشتهر جبل قاسيون باحتضانه عددا من الأحياء السكنية الشهيرة، أهمها حي الصالحية ومنطقة المهاجرين وحي الأكراد ومنطقة الشيخ محيي الدين وأبو جرش والشركسية.
ويضم قاسيون عددا من الأديرة والمقامات التي تنسب للأولياء والصالحين، منها "دير مرّان"، وقبر النبي ذي الكفل عليه السلام، ومقام النبي يونس عليه السلام، وقبر ابن العربي، إضافة إلى مقام النبي إيليا.
ويضم أيضا "قصر الشعب" الذي بناه حافظ الأسد على إحدى قممه. ومن أبرز معالمه الأخرى:
مغارة الدم (مقام الأربعين)تسمى أيضا مغارة آدم، ويعود تاريخها إلى أكثر من 4 آلاف عام، وكانت معبدا وثنيا للآراميين ثم كنيسة في عهد الروم، ويقول ابن جبير الأندلسي إنها سميت بمغارة الدم لأنها مكان موقعة مقتل هابيل، الذي تقول الروايات إن دمه لطخ سفح الجبل حتى منتصفه ولم ينته إلا عند تلك المغارة، وتقول رواية أخرى إنها المكان الذي جرّ إليه قابيل أخاه هابيل بعد قتله، فترك دمه أثرا لم تمحه القرون.
ووفقا للتراث المحلي، يروى أنه عند وقوع تلك الحادثة، اهتز جبل قاسيون من هولها وبدأ بالانهيار، إلا أن الملك جبريل عليه السلام تدخّل وأمسكه بيديه مانعا انهياره، ويُقال إن الدليل على تلك الحادثة هو بصمة يد ظاهرة على سقف المغارة، يعتقد الناس أنها تعود لجبريل.
وتذكر بعض الروايات أيضا أن أنبياء الله إبراهيم وموسى وعيسى ولوطا وأيوب صلّوا في تلك المغارة التي فيها محرابان. وقيل إنها سميت مغارة الأربعين لأن سيدنا يحيى سكنها مع أمه 40 عاما.
مقالع الحجارة الأثريةتقع "مقالع الحجارة الأثرية" عند سفح الجبل، وهي التي كانت توفر لدمشق الحجر الكلسي الفاتح الذي استخدم في فن الأبلق البارز في المعمار الدمشقي القديم، وفيه تتناوب الحجارة بين اللونين الأبيض والأسود، وينتشر هذا المعمار في مساجد العاصمة ومدارسها وقصورها وبيوتها الشعبية.
إعلان مغارة الجوعية (الجوع)وهي من المغارات الطبيعية في الجبل، وسميت كذلك لأسطورة تقول إن 40 نبيا لجؤا إليها هربا من الكفار، ولم يكن معهم سوى رغيف خبز واحد، فآثر كل واحد منهم رفيقه، حتى ماتوا جميعهم من الجوع.
قبتان تاريخيتانيضم الموقع قبّتين تاريخيتين الأولى على قمة الجنك، وهي مبنى مرصد قاسيون المعروف باسم "قبة السيار الأثرية" نسبة إلى الأمير المملوكي سيار الشجاعي، وكان يُستخدم مرصدا فلكيا في عهد الخليفة المأمون لرصد النجوم والكواكب، والثانية هي "قبة النصر" لكنها اندثرت مع مرور الزمن.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات علیه السلام تلک المنطقة جبل قاسیون هذا الجبل فی تلک
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.