غزة تسقط القناع عن العملاء وتذكّر بـفصائل السلام.. هذا ما قامت به زمن البريطانيين؟
تاريخ النشر: 1st, June 2025 GMT
يعيد كشف كتائب القسام، عن مجموعات من العملاء نشطت في مناطق شرق رفح، تعمل مع قوات الاحتلال على الكشف عن مواقع المقاومين والكمائن، ونهب المساعدات لتجويع السكان، إلى الذاكرة، ما عرف بفصائل السلام، إبان الثورة الفلسطينية الأولى.
وقالت المقاومة إن مجموعات العملاء في القطاع، تتبع المحكوم الهارب ياسر أبو شباب، والمتواجد بمناطق قريبة من الشريط الفاصل جنوب غزة، بجانب قوات الاحتلال التي تؤمن له تحركاته مع مجموعاته من أصحاب السوابق المتعاونين مع الاحتلال.
وإبان الثورة الفلسطينية الأولى، والتي انطلقت عام 1936 ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية، لجأت بريطانيا من أجل قمع الثورة الواسعة في الأراضي الفلسطينية، إلى محاولة تفتيتها بفكرة العملاء، وتشكيل مليشيات مسلحة تتبع لها من المجتمع الفلسطيني.
كيف ظهرت فصائل السلام؟
خلال النصف الثاني من عام 1938، بدأت بريطانيا تحركات كبيرة، من أجل تفتيث الثورة الفلسطينية التي امتدت بين المدن والقرى على رقعة واسعة، وحملت السلاح ضدها، وباتت خسائر البريطانيين كبيرة بفعلها.
وقادت الثورة شخصيات كبيرة مثل الشيخ عز الدين القسام، والحاج أمين الحسيني، وعبد الرحيم الحاج محمد، وبرزت العديد من الشخصيات العسكرية، فضلا عن المتطوعين القادمين من أراض عربية شتى للدفاع عن فلسطين.
واستقطب البريطانيون لأجل تشكيل المليشيات المتعاونة معهم، المطرودين من الثورة، وخصومها، خاصة وأنها كانت قاسية في التعامل مع مسألة العمالة للاستعمار البريطانية، وكان المحاكم الثورية تصدر أحكاما بالإعدام بحق من يثبت تورطه بالعمالة والجاسوسية، إضافة إلى أنها استقطبت أصاحب المصالح الاقتصادية والسياسية ممن لهم مصالح مع البريطانيين.
نواة المليشيات:
اعتمد البريطانيون في تشكيل المليشيات التي أطلقوا عليها فصائل السلام، من أجل جعل الاسم جذابا، في ظل توطؤهم الواضح بإحلال اليهود مكان الفلسطينيين بعد الاستيلاء على أراضيهم، على عدد من العشائر والعائلات التي المعروفة بارتباطها ومصالحها مع البريطانيين.
وأعلنت أن الهدف منها، "فرض الأمن والسلام"، لكن المهمة الأساس، كان ملاحقة قادة الثورة وأفرادها، في المجتمع الفلسطيني، ومحاولة تشويه صورتهم، ووسمها بأنهم السبب الرئيس في الأفعال البريطانية العنيفة ضد الفلسطينيين.
وكان من أبرز قادة فصائل السلام، فخري النشاشيبي، وفخري عبد الهادي، والذين قاما بتشكيل مجموعات مسلحة كبيرة، وحصلا على السلاح والذخيرة من البريطانيين.
كما انضم للفصائل، المنشقون عن الثورة، ممكن كان استمرارها متعارضا مع مصالحهم، خاصة مع تقديم البريطانيين مغريات كبيرة بالعفو عنهم وقبول العمل معهم مقابل الانخراط في قواتها.
أبرز المهام:
تركزت مهام فصائل السلام، على التواصل مع القوات البريطانية، وتنسيق التحركات لضرب تجمعات الثوار في المدن والقرى الفلسطينية.
إضافة إلى جمع المعلومات الاستخبارية، وتحركات الثوار، ونقلها للبريطانيين، وتوفير الحماية للقرى والعشائر الموالية للإنجليز والمتحالفة مع فصائل السلام، لمنع الثوار من النشاط فيها.
وكانت تشارك بصورة مباشرة مع البريطانيين، تمشيط القرى، بصورة مسلحة وعنف أكبر من العنف الذي يمارسه البريطانيون، لإرهاب الفلسطينيين ومنعهم من التفكير في العمل الثوري.
ما الذي حققته:
كان لفصائل السلام دور بارز في، تفكيك البنية العسكرية والتنظيمية للثورة الفلسطينية ضد البريطانيين، عبر قتل وملاحقة وتسليم الكثير من قادتها وأفرادها، للاستعمار البريطاني.
وعملت المجموعات المتعاونة معها، عن تقديم معلومات استخبارية عن تحركات الثوار، وأماكن تحصنهم، ونفذت العديد من الحملات العسكرية بناء على تلك المعلومات، والتي جاءت من مخاتير بعض القرى، ما تسبب في استشهاد الكثيرين من قادة الثورة.
وكان من أبرز من تسببت الوشايات في استشهاده، القائد العام للثورة، عبد الرحيم الحاج محمد، والذي تحصن في قرية صانور، وبناء على الوشايات نفذ البريطانيون حملة عسكرية كبيرة، أدت إلى نشوب معركة مع مجموعته واستشهاده خلال الاشتباكات، في آذار/مارس 1939.
مصير فصائل السلام:
اعتبرت فصائل السلام على الصعيد الفلسطيني شكلا من أشكال الخيانة للثورة، ووصم المشاركون فيها، بالعار بين أفراد المجتمع الفلسطيني، بسبب تقديمهم العون للبريطانيين ضد أبناء شعبهم.
وعقب ضعف الثورة بصورة كبيرة وملموسة، وشعور بريطانيا بالقضاء عليها، قامت على الفور، بسحب السلاح من عناصر المليشيات المتعاونة معها، وبسطت سيطرتها بالكامل، مع السماح للعصابات الصهيونية بالتمدد بعد تمهيد القضاء على كل ما يعيقهم.
وفي عام 1939 قررت بريطاني حل فصائل السلام، والطلب من فخري النشاشيبي وفخري عبد الهادي، بتسليم كافة الأسلحة التي منحت للمسلحين التابعين لهم، وعبر عن القرار المندوب البريطاني هيرالد ميكمايكل، في رسالة بعثها إلى وزير المستعمرات البريطانية، أكد فيها أن جماعة النشاشيبي، بدأت تعمل لمصالحها الشخصية، بخلاف مصالح البريطانيين، وعليه قرروا حلهم وإنهاء ظاهرتهم.
ولم تترك الثورة قادة الفصائل التي تعاونت مع بريطانيا، ولاحقتهم حتى بعد تراجعها بصورة كبيرة، وبعد عدة محاولات نجحت في اغتيال النشاشيبي، أمام فندق سميراميس في العاصمة العراقية بغداد، بتهمة الخيانة، كذلك قتل فخري عبد الهادي، على يد شخص، خلال حفل زفاف ابنه، بعد تظاهره بإطلاق النار في الهواء احتفالا، وبحضور ضابط بريطاني كبير، وقام بتسديد المسدس بعد ذلك إلى صدر عبد الهادي وأرداه قتيلا.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الاحتلال غزة فصائل السلام العمالة غزة الاحتلال عمالة فصائل السلام المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فصائل السلام عبد الهادی
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.