أستاذ علوم سياسية: التحرك المصري أنقذ القضية الفلسطينية من سيناريو التصفية وفرض التهجير
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
أكد الدكتور إسماعيل التركي، أستاذ العلوم السياسية، أن الدور الذي لعبته مصر في التعامل مع تطورات القضية الفلسطينية خلال العامين الماضيين كان دورًا محوريًا لا يمكن تجاهله، موضحًا أن القاهرة تصدت لمحاولات خطيرة استهدفت تغيير جوهر الصراع وفرض واقع جديد على الأرض.
وخلال مداخلة على قناة «إكسترا نيوز»، أشار التركي إلى أن السياسات التي انتهجها اليمين الإسرائيلي المتطرف سعت إلى تقويض حل الدولتين وإغلاق أي أفق سياسي للقضية الفلسطينية، إلا أن الدولة المصرية تحركت بثبات لتشكل خط الدفاع الأول سياسيًا ودبلوماسيًا، عبر نشاط مكثف على المستويين الإقليمي والدولي، حال دون تمرير هذه المخططات.
وأوضح أن المواجهة لم تكن عسكرية فقط داخل قطاع غزة، بل امتدت إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية، تمثلت في معركة الروايات داخل المحافل الدولية، حيث واجهت مصر الخطاب الإسرائيلي القائم على تبرير العدوان، برواية قانونية وإنسانية تستند إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو ما أسهم في تغيير المزاج الدولي تجاه إسرائيل.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن هذه الجهود أدت إلى تآكل ملحوظ في صورة إسرائيل على الساحة الدولية، بعدما واجهت انتقادات غير مسبوقة وإجراءات عقابية من دول كانت تعد من أقرب حلفائها، مؤكدًا أن هذا التحول جاء نتيجة عمل دبلوماسي منظم كشف حقيقة الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته، شدد التركي على أن تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وصموده في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية كان عنصرًا حاسمًا في إفشال مخططات التهجير، مشيرًا إلى أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة وصلت إلى مستويات كارثية، خاصة داخل مخيمات النزوح، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لتخفيف المعاناة.
وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب تكثيف الجهود لإدخال المساعدات الإنسانية، وعلى رأسها الخيام والمساكن الجاهزة، مع ضرورة ممارسة ضغوط دولية حقيقية لإلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ضمن ترتيبات وقف الحرب، التي جرى التوصل إليها برعاية مصرية وبمشاركة دولية.
واختتم التركي بالتأكيد على أن مصر لم تتخل يومًا عن القضية الفلسطينية، وأن الاعتراف المتزايد من دول العالم بالدولة الفلسطينية يعكس نجاح تحرك مصري عربي مشترك أعاد القضية إلى صدارة الأجندة الدولية، رغم حجم التضحيات الإنسانية، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية ستظل حاضرة في الوعي العالمي ولن تسقط بالتقادم.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: فلسطين معاناة النزوح الضغط القضية الفلسطينية اكسترا نيوز القضیة الفلسطینیة
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني