زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

 

في عالمٍ مضطربٍ تتنازع فيه الروايات والمصالح، جاءت كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كصفعةٍ على وجه النفاق السياسي.

قال الرجل بوضوح مذهل: “لقد واجهتُ صعوبةً كبيرة في جلب الدعم لإسرائيل، ولا أفهم ذلك، لأنني نشأتُ في عالمٍ يدور كلّه حول إسرائيل. كانت قوةً مذهلةً سياسيًا!

كلمةٌ واحدةٌ سيئة عن إسرائيل كانت تُبعدك تمامًا عن عالم السياسة، أما اليوم فكلمةٌ واحدةٌ جيدةٌ عن إسرائيل تُبعدك تمامًا عن عالم السياسة!”

أيُّ انقلابٍ هذا؟!

هل تغيّرت المعايير؟ أم أن الحقائق كانت مختبئة خلف ستار الإعلام والسيطرة والنفوذ؟

ترامب نفسه، وهو من صُنّاع القرار في قلب أمريكا، يعترف بأن الزمن تبدّل، وأنَّ تلك الهالة الحديدية التي كانت تحيط بإسرائيل بدأت تتآكل من الداخل.

لقد هزّ السابع من أكتوبر العالم، لا لأنه يوم حربٍ فقط، بل لأنه زلزال وعيٍ كوني أعاد ترتيب العقول والمفاهيم.

العالم الذي كان يصفق للغطرسة بدأ اليوم يرى المشهد بعيون الضمير الإنساني: أطفالٌ يُقتلون، مدنٌ تُهدم، شعوبٌ تُحاصر، بينما الإعلام المزيّف يحاول تجميل الجريمة.

من ذا الذي لم يسمع بقصة فرعون الطاغية الجبار، وموسى نبي الله المختار؟ قصةٌ خلدها القرآن لتكون مرآةً لكل زمن، وحُجةً على كل سلطانٍ متجبر.

قال فرعون لقومه متباهيًا: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾

كان يملك النهر والجيش والهيبة، لكنه فقد الإيمان.

ظنّ أنه يهب الحياة ويمنح الموت، حتى بلغ به الغرور أن يقتل أطفال بني إسرائيل خوفًا من زوال عرشه. لكن الله، العزيز الحكيم، أخرج من رحم الخوف نبيًا سيقلب الموازين.

تربى موسى في بيت فرعون نفسه، في القصر الذي أراد له أن يكون وريثًا، فإذا بالقدر الإلهي يصنع منه نقيضه: رسولًا يواجهه، لا تابعًا له.

خرج موسى خائفًا يترقّب، مطاردًا، حتى أواه الله إلى مدين، فتعلم من نبي الله شعيب معنى القيادة بالتقوى والصبر. ثم عاد بآياتٍ بيّنات: عصا تتحول إلى حيّةٍ عظيمة، ويدٌ تخرج بيضاء من غير سوء، تحمل معاني النور والهداية.

وفي يوم الزينة، جمع فرعون الناس كما يُجمع الجمهور في نهائي كأس العالم؛ سحرةٌ، ضجيجٌ، أبّهةٌ، وكاميرات ذاك الزمن. لكن الحق لا يُخدع. ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف كل ما صنعوا، فخرّ السحرة سُجّدًا قائلين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.

ذلك المشهد الخالد يتكرر اليوم في غزة، حين تواجه الحقيقة المجردة آلة الباطل المزيّفة، فينكشف الوهم أمام عيون الملايين.

فرعون اليوم ليس شخصًا واحدًا، بل منظومة كاملة من المال والإعلام والهيمنة. كيانٌ زُرع قسرًا في أرضٍ لا يملكها، وقام على أنقاض شعبٍ طُرد من وطنه.

احتلّ باسم الحماية، وقتل باسم الاصطفاء، وسمّى الظلم “دفاعًا عن النفس”. سحر فرعون العصر لم يكن عصًا تتحرك، بل شاشةً تُضلّل، ومراسلًا يُكذّب، ومنصةً تُجمّل الدماء بلغةٍ ناعمة. لكن الله لا يُخدع.

وما نراه اليوم هو تكرارٌ لمشهد الزينة القديم: تسقط أدوات السحر الإعلامي واحدةً تلو الأخرى، وتنكشف الأكاذيب أمام الشعوب.

لقد بدأ العالم يرى الحقيقة، وبدأت الشعوب الحرة- بما فيها شعوب الغرب- تُعلن رفضها للقتل والحصار والتجويع.

انكشفت الأقنعة، وسقطت الهالة التي طالما أخفت خلفها مشروعًا يقوم على الخداع والتضليل.

إنّ الغرور السياسي والإعلامي الذي صنع هيبة إسرائيل بدأ ينهار كما انهار فرعون في النيل.

لن تنقذهم ترساناتهم، ولا تحالفاتهم، ولا فيتوهم في مجلس الأمن، كما لم تُنقذ فرعون جنوده ولا سحرته.

ستظهر الحيّة من جديد؛ حيّة موسى، لا من خشبٍ هذه المرة؛ بل من أرواح غزة الصامدة التي تبتلع الزيف وتُظهر النور. وحينها سيسجد الأحرار في كل أمة، مؤمنين بأن الحق لا يموت.

سيقول التاريخ مجددًا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وليعلم الطغاة والمنافقون أن الله إذا أراد أن يُظهر الحق، لا تُغلق أمامه أبواب الإعلام ولا أسوار القصور.

رسالة إلى اليهود الشرفاء الذين يرفضون القتل باسم الدين، وإلى المسيحيين الذين يرون في العدالة طريق الخلاص، وإلى المسلمين الذين ابتُلوا بالمنافقين بين صفوفهم، وإلى كل إنسانٍ لم يبع ضميره: إن الحق لا يُقاس بالانتماء، بل بالفعل. ومن يقف اليوم ضد القهر والقتل فهو مع موسى لا مع فرعون، مع الإنسان لا مع الأصنام.

وختامًا. ستبتلع الحية ما تبقى من الظلمة، وسينتصر النور كما انتصر في القديم، وسينجو أهل الإيمان كما نجا موسى ومن معه.

"وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" (الإسراء: 81).

والحمد لله رب العالمين.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

"الجهاد": هجوم المستوطنين على قرية أم صفا برام الله إرهاب منظم

رام الله - صفا

دانت حركة الجهاد الإسلامي، الاعتداء الذي نفذته مجموعة من المستوطنين بحق أهالي قرية أم صفا قضاء رام الله، والذي تخلله إحراق سيارة رئيس مجلس القرية وكتابة شعارات تحريضية على جدران منزله.

وقال المتحدث باسم الحركة محمد الحاج موسى، اليوم الثلاثاء، إن هذا الاعتداء يكشف مجدداً الطبيعة الإرهابية لعصابات المستوطنين، التي تحظى بحماية ودعم مباشر من حكومة الاحتلال الإسرائيلي وجيشه، فلا تدخر جهداً في ممارسة الإرهاب المنظم بحق أبناء شعبنا وممتلكاتهم، في ظل رعاية حكومية وأمنية إسرائيلية.

وأشار إلى تواصل الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار، عبر القصف وإطلاق النار واستهداف المدنيين، ما يؤدي إلى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى، في خرقٍ متواصل للتهدئة واستخفافٍ صارخٍ بأرواح الفلسطينيين ومعاناتهم.

واعتبر موسى، أن هذه الجرائم المتواصلة تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى ترهيب الأهالي ودفعهم إلى ترك أرضهم، إلا أنها لن تفلح في كسر إرادة شعبنا أو النيل من صموده وتمسكه بحقوقه الوطنية.

مقالات مشابهة

  • أحمد موسى: ترامب أهان نتنياهو بألفاظ نابية
  • موعد أذان الظهر.. مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 3 يونيو بالقاهرة والمحافظات
  • أحمد موسى يكشف آخر استعدادات المنتخب لكأس العالم 2026
  • أحمد موسى : ترامب أهان نتنياهو بألفاظ نابية
  • موسى التعمري يتصدر قائمة الأردن لكأس العالم 2026
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • "الجهاد": هجوم المستوطنين على قرية أم صفا برام الله إرهاب منظم
  • الخارجية الإيرانية: إسرائيل تواصل جرائمها في لبنان وفلسطين بسبب إفلاتها المستمر من العقاب
  • كاتس يهدد باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت: إسرائيل لن توقف عملياتها داخل لبنان
  • بشأن لبنان... ماذا طلب المستشار الألماني من إسرائيل؟