أصدر المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية ”دراية” ورقة بحثية بعنوان "التقزم عند الأطفال.. مؤشرات مقلقة وتكلفة اقتصادية باهظة"، تتناول مفهوم التقزم ومؤشراته على الصعيد العالمي والعربي والمحلي، فضلا عن جهود الدولة المصرية فى مواجهة هذا المرض وعدد من التوصيات التى من شأنها خفض أعداد الأطفال المصابين بالتقزم في مصر.

المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية ”دراية” 4 مصابين إثر حادث تصادم سيارتين بينهم طفلين.. 5 مصابين من أسرة واحدة فى انقلاب سيارة شمال البحر الأحمر


 
أوضحت ورقة "دراية" أن التقزم Stuntingيُعتبر شكلا من أشكال نقص التغذية Undernutrition التي تُعد أكبر أسباب سوء التغذية شيوعا، ويعني قصر القامة بالنسبة إلى العمر، ويحدث على مدى أول 1000 يوم من عمر الطفل، ويبلُغ متوسط أطوال الأشخاص البالغين المصابين بالتقزم حوالي 122 سنتيمترًا.


كما ذكرت أن إصابة الأطفال بالتقزم ينتج عن نقص التغذية المزمن أو المتكرر، وعادة ما يرتبط بتردي الظروف الاجتماعية الاقتصادية، وتردي صحة الأمهات وتغذيتهن، والاعتلال المتكرر، و/ أو عدم تغذية الرضع وصغار الأطفال ورعايتهم على النحو الملائم في مراحل الحياة المبكرة، وذلك وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
 

ورصدت الورقة البحثية المنشورة على موقع "دراية" www.draya-eg.org مؤشرات الإصابة بالتقزم عربيا وإقليميا وعالميا، حيث بلغ معدل انتشار التقزم بين الأطفال دون سن الخامسة في المنطقة العربية 20.5% في عام 2020 مقارنة بـ 28.7 % في عام ، 2000، مشيرة إلى أن معدل انتشار المرض فى المنطقة أقل من المتوسط العالمي البالغ 22.3 %.
 
ووفقاً للتصنيف الفرعي للدول العربية من حيث الدخل، تعاني الدول منخفضة الدخل من أعلى معدل لانتشار التقزم، حيث تبلغ نسبته 32.9%، مقارنة بـ 17.3% في الدول متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و13.5% في الدول متوسطة الدخل من الشريحة العليا، و5.1 % في الدول مرتفعة الدخل.
 
وأفادت الورقة أنه على الصعيد العالمي، يعاني نحو 148 مليون طفل دون سن الخامسة من التقزم في عام 2022 بنسبة بلغت 22.3%، وذلك مقابل 204.2 مليون طفل عام 2000 بنسبة بلغت 33%، ويوجد نحو 52% من الأطفال المصابين بالتقزم دون سن الخامسة في آسيا، و43% في إفريقيا.
 
ومن جانبه، قال الدكتور صلاح هاشم رئيس المنتدى الاستراتيجى للسياسات العامة ودراسات التنمية "دراية" إنه على الرغم من وجود تقدم ملحوظ في العقدين الماضيين بشأن خفض عدد الأطفال المصابة بالتقزم على الصعيد العربي والإقليمي والعالمي، إلا أن هذا التقدم المُحرز لايزال غير كاف، فالجهود الرامية للحد من أمراض سوء التغذية بشكل عام، والتقزم بشكل خاص لاتزال قاصرة عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 بشأن خفض معدل الإصابة بالتقزم عند الأطفال بنحو 50%.
 
وأوضح رئيس "دراية" أن متوسط المعدل السنوي لخفض الإصابة بالتقزم منذ عام 2012 وحتى 2022 بلغ 1.65% فقط في السنة، في حين أنه من أجل الوصول للمستهدف عام 2030 وخفض أعداد الأطفال المصابين بالتقزم إلى 88.9 مليون، يتطلب الأمر أن يكون متوسط المعدل السنوى للخفض من الآن وحتى 2030 حوالي 6%، أي حوالى 4 أضعاف ما تم تحقيقه في العقد الماضي.
 
وأكد أنه إذا استمر معدل الانخفاض كما هو على النحو الحالي، فمن المتوقع أن تصل أعداد المصابين بالتقزم في عام 2030 نحو 128.5مليون طفل أي بزيادة 39.6 مليون طفل معظمهم يعيشون في غرب إفريقيا وإفريقيا الوسطى، الأمر الذى ينبيء بأن العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهداف 2030.
 
وصرح هاشم بأن إفريقيا هى القارة الوحيدة التى ارتفعت بها أعداد الأطفال المصابين بالتقزم حيث بلغت 63.1 مليون طفل عام 2022 بعدما كانت 61.3 عام 2012، موضحا أن ثلث الأطفال (64%) المصابين بالتقزم يعيشون في الدول منخفضة الدخل، بينما يعيش 8% منهم في الدول متوسطة الدخل، و2% في الدول مرتفعة الدخل.
 
وحذر هاشم من تفاقم أمراض سوء التغذية بشكل عام على مستوى العالم وتهديدها لحياة الملايين، فنحو 50% من وفيات الأطفال دون سن الخامسة ترتبط بنقص التغذية، ومعظم هذه الوفيات تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية.
 
كما أفاد أن الدول تتكبد خسائر فادحة نتيجة إصابة الأطفال بمرض التقزم، حيث ينخفض نصيب الفرد من الدخل بسبب عدم التصدي لهذا المرض في السنوات الأولى من عمر الطفل، فيتم ترجمة تداعيات انخفاض فترات الدراسة وتدني المهارات الإدراكية  إلى خسائر فى سوق العمل يتوقف حجمها على مدى تفشي التقزم عندما كان عمال اليوم فى مرحلة الطفولة، ومن ثم فإن الفاقد في الدخل بالنسبة للشخص البالغ يعانى منه الطفل المصاب بالتقزم عندما يلتحق بسوق العمل.
 
وذكر رئيس "دراية" أن متوسط الخسائر فى نصيب الفرد العامل الذي أصيب بالتقزم في طفولته من إجمالي الناتج المحلي يبلغ 7%، ويرتفع إلى ما بين 9-10% في إفريقيا وجنوب آسيا، مضيفا أن العمال المصابين بالتقزم يفقدون حوالي 20% من دخلهم السنوي، وتكلفة التقزم على القطاع الخاص تبلغ ما لايقل عن 135 مليار دولار من المبيعات سنويا بحسب دراسة تحت عنوان "التكاليف الاقتصادية لتقزم الأطفال التي يتحملها القطاع الخاص في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل".
 
وأكد أن عوائد الاستثمار فى التغذية مرتفعة وتُؤثر على خطط التنمية بشكل مباشر، فعلى سبيل المثال كل دولار أمريكى يتم استثماره فى الحد من التقزم يُولد عائدا اقتصاديا يعادل حوالى 18 دولارا فى الدول  المثقلة بالأعباء، وأنه يُمكن تقليل الخسائر الناجمة عن هذا المرض حال وجود تدخلات تُركز على تحقيق التغذية المُثلى فى فترة الألف يوم الحرجة بداية من حمل المرأة حتى بلوغ طفلها عامه الثاني، وكلما كانت التدخلات فعالة، كلما كان العائد الاقتصادي أكبر.
 
وفيما يتعلق بجهودها فى مواجهة مرض التقزم لدى الأطفال، أكد هاشم أن الدولة المصرية أولت اهتماما كبيرا بالعناية بصحة المواطنين، ووضعت أهدافًا واضحة لتعزيز سياسات التغذية الصحية السليمة والآمنة، وسعت لمواجهة والحد من انتشار مرض التقزم، ووضعت السياسات اللازمة واتخذت عدة إجراءات فعالة للتصدى له، الأمر الذى ساهم في خفض أعداد  الأطفال دون سن الخامسة المصابين بالتقزم من 21 % في عام 2014 إلى 13% عام 2021.


وقال هاشم إن المادة 81 من دستور 2014 أعطت للمصابين بالتقزم الكثير من الحقوق وذلك للمرة الأولى وبعد سنوات طويلة من التهميش والإهمال حيث نصت على أن:"تلتزم الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة والأقزام، صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وترفيهيًا ورياضيًا وتعليميًا، وتوفير فرص العمل لهم، مع تخصيص نسبة منها لهم، وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم، وممارستهم لجميع الحقوق السياسية، ودمجهم مع غيرهم من المواطنين، إعمالاً لمبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
 
وأضاف رئيس "دراية" أن وزارة التضامن الاجتماعي أطلقت برنامج "الألف يوم الأولى في حياة الطفل" كإحدي آليات تحسين الوضع التغذوي للسيدات الحوامل والمرضعات والأطفال الرضع، بما يعمل على تعزيز النمو الإدراكي والبدني للأطفال وحمايتهم من آثار سوء التغذية والتي تشمل التقزم، كما أطلق بنك الطعام المصرى برنامج "فرصة أولى" للحد من انتشار التقزم ومعالجة هذا المشكلة بداية من الأمهات الحوامل والأمهات حديثي الولادة وأطفالهم حتى سن سنتين.، إلى جانب المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن أمراض التقزم إلى جانب أمراض الأنيميا والسمنة لدى طلاب المرحلة الابتدائية.
 
وعن مؤشرات التقزم فى مصر، أشار هاشم إلى ارتفاع نسبة قصر القامة بالنسبة للعمر في ريف الوجه القبلي لتصل إلى 16% وتنخفض في حضر الوجه البحري إلى أقل من 10%، وسجلت الفئة العمرية من 12-17 شهرًا أعلى نسبة للإصابة بـالتقزم بنسبة 18.5%، وأقلها جاء فى الفئة العمرية من 48- 59 شهرًا بنسبة 7.9%، وعلى مستوى المحافظات، سجلت محافظات: "الشرقية، وبورسعيد، والغربية" أقل نسب بـ 4%، 6.7%، 8%، على التوالي، بينما سجلت محافظات: "جنوب سيناء، وسوهاج، وأسيوط" أعلى نسب بـ 26.8%، 21.9%، 19.9% بالترتيب.
 
وقال هاشم إنه على الرغم من تحقيق الدولة لتقدم ملحوظ في خفض أعداد  الأطفال دون سن الخامسة المصابين بالتقزم، إلا أن التحدي لا يزال كبيرا على صعيد تحقيق المستهدف وفقا لرؤية مصر 2030 فيما يتعلق بأمراض سوء التغذية بشكل عام والتقزم بشكل خاص، مما يتطلب اتخاذ مزيد من الإجراءات اللازمة على وجه السرعة نظرا لما يترتب على الإصابة بالتقزم من تكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة تُقوض خطط التنمية ومستقبل الدولة.
 
وختاما، ذكرت الورقة البحثية لـ"دراية" عددا من التوصيات التى من شأنها خفض أعداد الأطفال المصابين بالتقزم في مصر، وكان أبرزها ما يلي:
 
1- وضع استراتيجية وطنية للقضاء على مرض التقزم تتفق وأهداف التنمية المستدامة على أن تتولى أحدى الجهات المعنية مسئولية تنفيذ هذه الخطة وفق جدول زمنى محدد وخطة تنفيذية دقيقة وملزمة .
 
2- تفعيل المادة الدستورية رقم 81 من دستور 2014 التى تُلزم الدولة بتوظيف مصابي التقزم ومنح سيارات مجهزة طبياً معفاة من الضرائب والجمارك ومعاش تضمان اجتماعي، إلى جانب خدمات عدة فاعتبارهم ضمن فئات الإعاقة التى تتاح لهم نسبة 5% من عدد العاملين فى الدولة.
 
3- ضرورة زيادة أعداد الإخصائيين المدربين في وحدات صحة الأسرة، وتوافر المغذيات الدقيقة المطلوبة لتحسين صحة الأم والطفل.
 
4- بناء قدرات الرائدات الصحيات في مجالات التوعية المجتمعية ومشورة التغذية في مراكز طب الأسرة المنتشرة في كافة أنحاء مصر. 
 
5-  ضرورة إسهام منظمات المجتمع المدني فى مساعدة الأقزام على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، والعمل على تأهيلهم، والمساعدة فى رعايتهم صحيا ونفسيا واجتماعيا، ودمجهم فى المجتمع.
 
6- قيام وسائل الإعلام المختلفة بتسليط الضوء على مطالب مصابي التقزم، والتوعية بقبول هذه الفئة فى المجتمع دون تنمر وذلك بالتعاون مع المؤسسات الدينية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: دراية نصيب الفرد التقزم المصابين بالتقزم سوء التغذیة ملیون طفل فی الدول فی عام

إقرأ أيضاً:

اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب

مؤخرًا، أعاد الخبير الاقتصادي داني رودريك إحياء إحدى أكثر المناقشات دوامًا في مجال اقتصاديات التنمية، زاعمًا أن البلدان النامية ينبغي لها أن تحول اهتمامها من التصنيع إلى الخدمات المعززة للإنتاجية؛ وهو بهذا يتحدى الافتراض السائد منذ أمد بعيد بأن التحول إلى التصنيع يظل المحرك الرئيسي للتنمية.

لكن القضية الأعمق ليست ما إذا كان ينبغي للخدمات أن تحل محل التصنيع، بل ما إذا كان فهمنا للتحول البنيوي يجب أن يظل على أنه حركة الموارد بين القطاعات في المقام الأول. الواقع أن هذا الإطار، الذي وجه اقتصاديات التنمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، أصبح متعارضا على نحو متزايد مع الطريقة التي تخلق بها الاقتصادات الحديثة القيمة فعليا.

من دبليو. آرثر لويس وراؤول بريبش إلى ألبرت هيرشمان ونيكولاس كالدور، كان التحول البنيوي يُفهم على أنه إعادة توزيع العمالة ورأس المال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجية.

احتل التصنيع مركز الصدارة لأنه جمع بين اقتصاديات الإنتاج الضخم، والتعلم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية المستدام. لكن هذا الإطار عكس حقائق عصر حيث كانت المصانع في صميم التقدم التكنولوجي ونمو الدخل.

لم تتغير أهداف التنمية منذ ذلك الحين، حيث تظل الإنتاجية، والتعلم التكنولوجي، والتعقيد الاقتصادي ركائز الازدهار الطويل الأمد. ما تغير هو مكان ــ وكيفية ــ ظهور هذه القدرات.

يقود هذا التحول ثلاثة عوامل؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين العمالة والإنتاج بسرعة، في حين أعاد التشرذم الجيوسياسي السياسة الصناعية إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يعمل التحول نحو الطاقة النظيفة على إعادة تنظيم الإنتاج حول التكنولوجيات الجديدة، والمعادن الـحَرِجة، والصناعات المنخفضة الكربون. ورغم أن أيا من هذه التطورات لا يقلل من أهمية التصنيع، فإنها تشير مجتمعة إلى أنها لم تعد تحدد مسار التحول البنيوي.

ما يهم على نحو متزايد ليس القطاعات بحد ذاتها، بل القدرات الإنتاجية التي تشملها. يعتمد التصنيع الحديث على البرمجيات، واللوجستيات، والتمويل، والمنصات الرقمية، بينما تعتمد الزراعة على التكنولوجيا الحيوية، وصور الأقمار الصناعية، والهندسة الدقيقة.

وتقود الخدمات المتطورة الآن عملية التعلم التكنولوجي، والإبداع، ودينامية التصدير التي كانت ترتبط في الماضي حصريا تقريبا بالتصنيع. نتيجة لهذا، تتلاشى على نحو مضطرد الحدود التي كانت تفصل بين هذه القطاعات في الماضي.

من نواحٍ عديدة، كانت القدرات دوما المحرك الحقيقي للتحول البنيوي. ولأن الخدمات الإنتاجية تضطلع على نحو متزايد بالدور الذي لعبته الصناعة التحويلية تاريخيا، فإن السؤال الأهم هو: ما هي الأنشطة التي تعمل باستمرار على توسيع قدرة الاقتصاد الإنتاجية؟

تكمن الإجابة في النظم الإيكولوجية التي تدمج التصنيع والهندسة مع البحث، والبنية الأساسية الرقمية، والتمويل، والمؤسسات العامة.

لنتأمل هنا مثال بطاريات المركبات الكهربائية. تشجع السياسة الصناعية التقليدية دولا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية على معالجة الكوبالت محليا بدلا من تصدير الخام. لكن التصنيع المحلي وحده لم يعد يضمن حصول الدول على الأجزاء الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.

فحتى لو نجحت جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج مكونات البطاريات ــ أو حتى البطاريات ذاتها ــ فسوف يتدفق قسم كبير من القيمة إلى أماكن أخرى طالما ظل التصميم، والمعدات المتخصصة، والبرمجيات، والمعايير الفنية، وشبكات التوزيع متركزة في الخارج.

توضح الصين هذه الديناميكية؛ فعلى الرغم من براعتها التصنيعية، لا تنبع ميزة الصين التنافسية من حجم التصنيع بقدر ما تنبع من سيطرتها على التكنولوجيات، والدراية الفنية، والملكية الفكرية، والنظم البيئية الصناعية التي يعمل التصنيع في إطارها. الدرس واضح: يتطلب التحول البنيوي الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة امتلاك النظام البيئي الإنتاجي ذاته.

أما في حالة أفريقيا، فإن هذا الدرس يعزز الحجة لصالح التصنيع، حيث يظل بناء القدرات التكنولوجية والاستحواذ على مزيد من القيمة محليا من الأولويات الأساسية. بل يعمل الذكاء الاصطناعي والأهمية المتنامية التي تكتسبها الخدمات الإنتاجية على تعزيز الدور الذي يضطلع به التصنيع كمصدر قوي للتعلم، والتقدم التكنولوجي، وبناء القدرات.

بيد أن المزايا النسبية التي تتمتع بها أفريقيا تتطور هي أيضا. وعلى عكس الدول التي تأخرت في التنمية سابقا، تسعى الدول الأفريقية إلى التصنيع في عالم حيث يعمل التغير الديموغرافي، والتحول المناخي، والتكنولوجيات الرقمية على تحويل المشهد التنموي. ومع تقدم الاقتصادات المتقدمة في العمر، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على قسم كبير من النمو في عدد السكان في سن العمل والطلب الاستهلاكي على مستوى العالم.

ولأن الدول الأفريقية غير مقيدة بأنظمة الإنتاج الموروثة، فإنها تستطيع بناء أنظمة الطاقة المتجددة، والصناعات المنخفضة الكربون، والبنية الأساسية المتكاملة رقميا من الصفر، بدلا من إعادة تأهيل الأنظمة الكثيفة الكربون التي بُنيت على مدار أكثر من قرن من الزمن. لكن قدرتها على الاستفادة من هذه المزايا ستعتمد على قدرتها على بناء مؤسسات تعزز التعلم والإبداع.

يجب أن تتطور السياسة الصناعية وفقا لذلك؛ فبدلا من الاكتفاء بتشجيع التصنيع أو استهداف قطاعات استراتيجية، يجب أن تعمل الحكومات على تهيئة الظروف الملائمة لتوسيع القدرات الإنتاجية. وهذا يعني رعاية أنظمة بيئية تربط الشركات بالجامعات، والمؤسسات البحثية، والنظم المالية، والبنية الأساسية الرقمية، والأسواق الإقليمية.

كان التصنيع في أفريقيا يرتبط دوما ببناء الأسس المؤسسية التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. تعتمد المجتمعات الصناعية على الأسواق الرسمية، والخدمات اللوجستية الحديثة، والوساطة المالية، والعقود القابلة للإنفاذ، والبيانات الجديرة بالثقة، وكل هذا مدعوم بمؤسسات قادرة على إدارة التفاعلات الاقتصادية المعقدة. لا تمثل المصانع سوى جزء واحد من هذه البنية الأوسع نطاقا.

هنا، تعرض علينا التكنولوجيات الناشئة فرصا جديدة لم تكن متاحة للدول التي تأخرت في التنمية سابقا. فالمدفوعات الرقمية، وأنظمة تحديد الهوية، والمنصات العامة القابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل كفيلة بتسريع عملية إضفاء الصفة الرسمية، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين إدارة الضرائب، وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الدولة.

الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، يملك القدرة على تحديث البنية المؤسسية التي تعمل الأسواق في إطارها. إذا أُدير الذكاء الاصطناعي على النحو السليم، فمن الممكن أن يساعد البلدان على تخطي مراحل من التنمية الصناعية، في حين يخلق فرصا جديدة لتطوير وحماية الملكية الفكرية.

من خلال تحدي مفهوم الاستثنائية الصناعية، قَدَّمَ رودريك خدمة قيّمة لاقتصاديات التنمية. وتتمثل الخطوة التالية في التشكيك في الاستثنائية القطاعية ذاتها وإعادة النظر في كيفية هيكلة الإنتاج.

في عالم يتمحور حول الشبكات الرقمية، والأصول غير الملموسة، والنظم البيئية الصناعية، سوف يعتمد الازدهار على قدرة الاقتصادات على تجميع وتجديد القدرات الإنتاجية. وبدلا من السير على خطى الدول التي تحولت إلى التصنيع في وقت سابق، يجب على أفريقيا أن تغتنم هذه اللحظة لصياغة نموذج جديد للتحول البنيوي.

*كارلوس لوبيس أستاذ في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون. وهو مؤلف كتاب "فخ خداع الذات: استكشاف الأبعاد الاقتصادية للاعتماد على المساعدات الخيرية في إطار العلاقات بين أفريقيا وأوروبا".

*خدمة بروجيكت سنديكيت

مقالات مشابهة

  • تحذير.. مياه حمامات السباحة تعرض الأطفال للإصابة بالعدوى
  • الجامعة العربية وتونس تبحثان التطورات الإقليمية ودعم القضية الفلسطينية
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • القومي لثقافة الطفل : ارسم حلمك مبادرة تستهدف دراسة رسومات الأطفال للوصول إلى أفكار ورؤى للمستقبل
  • لمنع تدهور التغذية.. الصدي يطالب الدولة بتسديد ديونها لكهرباء لبنان
  • حظر وسائط التواصل الاجتماعي على أساس السن لن يجعل الأطفال أكثر أمانا، لكن هذا الحل يفي بالغرض
  • اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
  • مستشفى الرنتيسي يحذّر: أمراض معدية وسوء تغذية تهدد أطفال غزة
  • قتلى وعشرات المصابين.. حرائق الجزائر تلتهم مناطق واسعة وتخلف خسائر كبيرة