لماذا كُتبت “لا إله إلا الله” على دينار إنجليزي قبل ألف عام؟
تاريخ النشر: 8th, February 2025 GMT
شمسان بوست / متابعات:
لتاريخ الإسلام مع الغرب الأوروبي جذور قديمة وعميقة، بدأها المسلمون حين حطوا رحالهم في القارة الأوروبية بشرقيها وغربيها على السواء، في الشرق من خلال المواجهة مع البيزنطيين في القرون الأولى، وفي الغرب حين نجحوا في فتح الأندلس والتوغل شمالا والاقتراب من العاصمة الفرنسية باريس لولا معركة بلاط الشهداء التي أوقفت هذا المد.
وقد أثبت شكيب أرسلان في كتابه “تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط” أن وجود المسلمين في غرب أوروبا لم يقتصر على إسبانيا والبرتغال وفرنسا فقط، بل تعداها إلى سويسرا وإيطاليا في القرون الأولى من عمر الإسلام، وبهذا عرفت أوروبا مبكرا هذا الدين وأنصاره، وكان من الطبيعي أن تتأثر بهذا التيار الحضاري الجديد الذي يكتسح العالم.
وهذا ما يؤكده المؤرخ ويل ديورانت في موسوعته “قصة الحضارة” حين يقول: “لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة”. ولا شك أن هذا الازدهار الأخلاقي والديني والعلمي قد جعله أسوة للعالمين، يتطلعون إليه، ويسعون لتقليده والسير على خطاه.
أوفّا ريكس وعصره
وهذا ما نراه في كثير من الأدلة حتى يومنا هذا، ففي منتصف القرن التاسع عشر، اكتُشف دينار ذهبي سُكّ في بريطانيا يحمل على جانبيه عبارات التوحيد والإيمان بالله وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أن تاريخ سكّ الدينار المكتشف في روما يعود إلى ما قبل ذلك بقرون من الزمان، فإنه لم يحقق شهرة واسعة إلا بعد صدور التقرير الذي أعدَّه الباحث في علم المسكوكات أدريان لو نجبيرير، وأرسله إلى جمعية هواة جمع المسكوكات في بريطانيا عام 1841.
وإذا نظرنا إلى هذا التقرير فسنجدُ أن تاريخ ضرب هذا الدينار يعودُ إلى عصر الملك الإنجليزي أوفّا رِكس (OFFA REX)، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، أي قبل حوالي 1200 عام. كان أوفا ركس أحد أبرز الملوك الأنجلوساكسون الذين وحّدوا إمارات الجزيرة البريطانية المتنازعة تحت مملكة مِرسيا بعد صراعات وحروب دامت طويلًا، ويُعدّ من أعظم ملوك تلك الحقبة فقد تولى الحكم قرابة أربعين سنة، فكان أحد المؤسسين الكبار لتوحيد الجزيرة البريطانية، ويأتي السؤال الأبرز: لماذا سكّ أوفا هذا الدينار الذهبي بعبارات الإسلام؟ ولماذا وُجد في روما تحديدا؟!
إذا رجعنا إلى تاريخ بريطانيا بين منتصف القرن الرابع الميلادي ومنتصف القرن السادس الميلادي، فسنجد أن البلاد شهدت أولى الغزوات الجيرمانية، حيث يُشار إلى الجيرمانيين بالأنجلوساكسون أو الساكسون، وهم مجموعة تضم الساكسون والإنجليز والجوت القادمين من الدنمارك وجزيرة جوتلاند (التي تقع في السويد اليوم) وألمانيا؛ إذ قامت هذه الجماعات بالهجوم على الجزيرة البريطانية دون مواجهة قوية من السكان الأصليين، الذين فروا أمام الغزاة الأقوياء واستقروا في مناطق ويلز الجنوبية، لتصبح موطنا لهم.
ولكن وبسرعة لافتة بدأ صراع قوي بين قادة هذه المجموعات، واستطاع كل منهم تأسيس مملكة خاصة؛ مما أدى إلى ظهور سبع ممالك في الجزيرة، هي: ويسكس وساسكس وإسيكس وإيست أنغليا ومِرسيا ونورثَمبريا وكينت. وفي نهاية المطاف هيمنت على تلك الممالك وتزعمتها جميعا مملكة مِرسيا بعد حروب وصراعات عنيفة، وذلك بفضل قوة وبأس ملكها أوفا ركس الذي حكم بين عامي 757 و796م، واستطاع أن يحوز ألقاب ملك إنجلترا وملك كل بلاد الإنجليز وملك مِرسيا العظيم.
ومن اللافت أن أوفا لم يستطع تحقيق هذا الإنجاز المذهل بتوحيد الجزيرة تحت سلطته إلا بفضل قوته العسكرية، التي استندت إلى موارد مالية قوية مستمدة من التجارة والثروات، وقد نُقل عنه قوله: “أي ملك يسعى لتحسين مستوى معيشة شعبه وتحقيق أمجاده، ينبغي له دعم التجارة وتشجيعها”.
وهي الإستراتيجية التي تعكس اهتمام أوفا بالتجارة وتركيزه على الاقتصاد ورغبته في بناء علاقات دبلوماسية وتجارية مع القوى الأوروبية المحيطة به، وكذلك مع العالم الإسلامي الذي كان في ذروة حضارته وقوته العسكرية تحت حكم الخلفاء العباسيين الأوائل.
وكما سنجد في الموسوعة البريطانية فإن الملك أوفا كان حريصا على إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع أقوى الممالك الأوروبية في ذلك الوقت، مثل مملكة الفرنجة (فرنسا) والإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة الملك شارلمان، ولهذا السبب عمل أوفا على تحديث العملات المعدنية الفضية والذهبية للإنجليز لتسهيل التجارة بين إنجلترا وجيرانها، إضافة إلى العالم الإسلامي الذي كان له وجود قوي في أوروبا نتيجة انتصارات المسلمين في الأندلس وجنوب فرنسا.
دينار أوفّا ريكس والجدل الكبير
ومع ذلك، كان أوفا مترددا في الاعتراف بسلطة الكنيسة الكاثوليكية في روما، التي كان يدعمها أقوى أباطرة أوروبا وقتئذ شارلمان، حيث كان يعد نفسه الحامي لها والخادم لأهدافها وأفكارها في آن واحد؛ وبسبب ذلك قرر شارلمان معاقبة أوفا على تردده وعدم اعترافه بالكنيسة الكاثوليكية، وذلك بمنع التجار الإنجليز من دخول فرنسا؛ مما اضطر أوفا إلى قبول النفوذ البابوي وزيادة سلطته على الكنيسة الإنجليزية.
وبحسب المؤرخ مصطفى الكناني في كتابه “عصر أوفا ملك إنجلترا” فقد لاحظ المؤرخون أن العملات التي تم سكها في بداية فترة حكم أوفا كانت تحمل شارة الصليب المسيحي وصورة الملك، لكن الوضع تغير في نهاية عهده، حيث اختفت علامة الصليب وصورة الملك، وظهر الدينار الذهبي الذي نقش عليه عبارة التوحيد والإسلام مؤرخا بعام 157هـ/ 774م.
فعلى وجه الدينار، سنجدُ في الهامش “محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله”، وفي المركز نُقشت “لا إله إلا الله وحده لا شريك له”، أما في الظهر فتظهر في الهامش “بسم الله ضُرب هذا الدينار سنة سبع وخمسين ومئة”، وفي المركز “محمد رسول الله مع اسم الملك OFFA REX””.
وقد عُرض هذا الدينار لأول مرة في صالة بيع في روما، ومن المحتمل أنه كان جزءا من هدية أو جزية سنوية للبابا أدريان الأول، حيث تعهد أوفا بإرسال 365 قطعة ذهبية سنويا، وهذا النمط من النقش والضرب كان يشبه إلى حد كبير الدينار العباسي المعاصر له في عصر الخليفة أبي جعفر المنصور.
وقد تباينت تفسيرات المؤرخين والباحثين حول الأسباب التي دفعت الملك أوفَّا إلى سكِّ هذه العملة؛ إذ أشار فريق منهم إلى أن هيمنة الدينار في العالم الإسلامي، من المشرق إلى المغرب، بما في ذلك الأندلس وجنوب فرنسا خلال عصر عبد الرحمن الداخل الأموي وأحفاده، جعلت القوى اللاتينية والأوروبية تسعى لاتباع هذا النموذج وسك دينار يحمل طابعا إسلاميا.
يدعم هذا الرأي أن شارلمان، ملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومركزها فرنسا، كان من أوائل من بادر بتقوية العلاقات مع العباسيين في عصر الخليفة هارون الرشيد، حيث كانا يتبادلان الهدايا الثمينة. ومن هنا، سعى أوفَّا رِكس، ملك إنجلترا، للحصول على بعض من هذه المزايا من خلال تعزيز العلاقات مع أقوى الإمبراطوريات في ذلك الوقت عبر سك هذه العملة، بهدف تنشيط التجارة معه ومع المسلمين، وفتح الطريق لقبولها في العالم الإسلامي الذي كان يرفض قبول العملات التي تحمل صور الصلبان، وهذا الرأي كان من بين أبرز ما طرحه المؤرخ البريطاني بلنت.
ووفقا للدراسة التي أعدها الباحثان جير باخاراش وشريف أنور بعنوان “هيبة العُملات الإسلامية، تقليد إنجليزي من القرن الثامن للدينار الإسلامي”، فإن المفتاح لفهم قرار الملك أوفا بتقليد دينار الخليفة العباسي المنصور يتمثل في مفهوم “التقليد المرموق”؛ وسنلاحظ أن العُملات الذهبية الإسلامية ظهرت فجأة واستُخدم المصطلح الإسلامي “Mancus” وهي الكلمة العربية “مَنقوش” في أجزاء من شمال إيطاليا وأحيانا في أماكن أخرى، مثل إنجلترا الأنجلوساكسونية والإمبراطورية الكارولنجية.
واستنادا إلى المصادر التي تعود إلى العصور الوسطى، فقد ظهر مصطلح “Mancus” أكثر من 100 مرة في القرنين الثامن والتاسع في الوثائق اللاتينية بإيطاليا، بما في ذلك البندقية وروما وميلانو، وكل هذا يُظهِر أن العُملات الذهبية العربية كانت معروفة في إيطاليا، وأنها استُخدمت في أنواع معينة من المعاملات.
وقد وفرت هذه العُملات أو الدنانير الذهبية التي سارت على النمط الإسلامي معيارا معترَفا به للقيمة، وكانت من نوع العملات الاحتياطية التي يحتفظ بها الأفراد الأثرياء بأعداد قليلة نسبيا، وكانت مألوفة بما يكفي لتوفير معيار معترف به، يُردَع من يخل به بعقوبة صارمة.
لهذا السبب كانت العملة الذهبية الأكثر شهرة في عالم البحر الأبيض المتوسط الأوسط في أواخر القرن الثامن هي الدينار الإسلامي أو “المانكوس” كما كان يُعرف باللاتينية، ومن ثم سار الجميع على نمطها، وأصبحت جزءا من المعاملات الرسمية الدولية، وهو الأمر الذي جعل أوفا يسير على نمط الدينار الإسلامي في إرسال ما يجب عليه من هدية سنوية للبابوية في روما.
هل أسلم أوفا ريكس؟
ولكن على الرغم من ذلك، فإن لدينا تفسيرات أخرى، إذ إن اكتشاف هذا الدينار في روما وعدم اكتشافه في بريطانيا دفع بعض المؤرخين إلى تفسيره بأنه نوع من النكاية في الباباوية، فقد كان ملك مِرسيا والجزيرة البريطانية يدفع جزية سنوية قدرها 364 دينارا ذهبيا. ويستند هذا التفسير إلى الخلافات التاريخية المعروفة بين أوفَّا ورجال الكنيسة الإنجليزية من جانب والبابا في روما، إضافة إلى نزاعاته مع شارلمان من جانب آخر، حيث كان أوفَّا يعامله معاملة النِّدّ.
وكما يذكر مصطفى الكناني في كتابه السابق تُظهر مواقف البابوية والكنيسة الرومانية المعادية لتلك العبارات بعد عصر أوفَّا، خلال فترة الحروب الصليبية، أنها لم تكن لتقبل من أتباعها، ومنهم أوفَّا، دفع الجزية السنوية بعملة تحمل عبارات إسلامية واضحة كهذا الدينار. فعلى سبيل المثال، قام الأمراء الصليبيون في طرابلس وصيدا بسك عملات تحمل اسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والتاريخ الهجري، لكن مندوب البابا المرافق لحملة لويس التاسع الصليبية رفض قبول تلك العملات، وهو ما يجعل من غير المحتمل أن تقبل البابوية في روما، في أوج قوتها، عملة قادمة من إنجلترا جزيةً من ملك مسيحي تحمل هذه العبارات، إلا إذا كان ذلك الملك يعتنق دينًا آخر.
يتشابه نمط سك دينار أوفَّا الذهبي، الذي يحمل عبارات التوحيد، بشكل كبير مع الدينار العباسي البغدادي، وليس الدينار المغربي أو الأندلسي؛ وهذا يشير إلى أن أوفَّا كانت له علاقات وثيقة مع السلطات العباسية، وأنه أتاح للتجار المسلمين دخول بريطانيا في القرن الثامن الميلادي لتبادل السلع وفقًا للعلاقات التجارية المتبادلة بين الطرفين.
ويؤكد روري نيسميث أستاذ المسكوكات الأنجلوساكسونية في جامعة كامبردج وجود عملات إسلامية مكتشفة في بريطانيا الأنجلوساكسونية، وذلك في دراسته “العملات الإسلامية من إنجلترا في العصور الوسطى المبكرة”، حيث توجد اليوم 173 عُملة معدنية فضية وذهبية إسلامية في مجموعات مختلفة تعود إلى ما قبل عام 1100م، وهي دليل على وجود علاقات إسلامية إنجليزية تجارية واقتصادية كانت قوية وراسخة.
ولعل هذا هو ما جعل الدكتور مصطفى الكناني يرى أن الدينار الذهبي الذي قرر أوفا إرساله إلى البابوية في روما خاصة، والذي يحمل كلمة التوحيد، يُعدّ دليلا واضحًا على اعتناق هذا الملك للإسلام من خلال التجار المسلمين الذين تم فتح أبواب بريطانيا أمامهم.
يقول الكناني: “إن التجار المسلمين لم يكونوا مجرد رجال أعمال، بل كانوا أيضا دعاة للإسلام، على دراية كاملة بالأمور الفقهية وأصول الدعوة والشريعة. ولما اتسموا به من حسن خلق وسلوك قويم واستقامة وأمانة، كانوا نموذجًا حقيقيًّا يُمثل المسلم المثالي. وبالتالي، فإن من الممكن وجود نوع من التواصل المباشر بين بعض هؤلاء التجار الكبار وأوفَّا، حيث ناقشوا معه مفهوم عبارات التوحيد الإسلامية المنقوشة على الدنانير العباسية بعد أن أثارت اهتمامه”.
ويبدو أن هذه النقاشات تطورت إلى دعوة الملك أوفَّا إلى الإسلام، حيث جرى الحديث في مختلف القضايا المتعلقة بالمسيحية، تماما كما نجح المسلمون المهاجرون إلى الحبشة، بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، في دعوة النجاشي، ملك الحبشة المسيحي، إلى الإسلام من قبل. ومن المحتمل أن هؤلاء التجار قد حققوا أيضًا نجاحًا مشابهًا مع الملك أوفَّا، وربما يكون قد اعتنق الإسلام بمفرده أو مع أسرته وكبار مساعديه في البداية، ثم أعلن ذلك رسميًّا وقرر سكّ هذه العملة التي أرسل بعضها جزيةً إلى البابوية في روما كما كان يفعل سابقا. ويُعدّ -كما يذكر الكناني- اختفاء الوثائق من عصر الملك أوفَّا دليلًا على ذلك، رغم وجود وثائق من فترات سابقة ولاحقة من ملوك بريطانيا.
ولا يُستغرب من التجار المسلمين القيام بهذا الدور، إذ قاموا بذلك بنجاح في بلدان وجزر جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي، فضلًا عن مناطق شرق وغرب ووسط أفريقيا. وتفيد كتب الجغرافيا الإسلامية بأن المسلمين كانوا على دراية بالجزر البريطانية، إذ أشار الجغرافي الشهير الإدريسي في موسوعته “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” إلى جزيرة إنقلطارة، وذكر أهم مدنها في ذلك الوقت، بما في ذلك لندن التي أطلق عليها اسم لندرس، على نهر نطنزة، المعروف اليوم بنهر التيمز، ولا شك أن معرفة الإدريسي بجغرافية بريطانيا، ومعلوماته عن المسافات بين المدن وطبائع أهلها، كانت نتاج خبرة المسلمين الذين سبقوه عبر القرون الخمسة الأولى من عمر الإسلام، إضافة إلى اللجنة العلمية التي أنشأها لهذا الغرض.
ومهما كانت تفسيرات المؤرخين لوجود عبارة التوحيد على دينار ذهبي بريطاني قبل 1200 عام كما رأينا بين مؤيد لتقليد المنقوش الإسلامي لقوته ومعياريته ووجوده في مناطق مختلفة من القارة الأوروبية بما فيها إيطاليا، وبين مرجح لإسلام الملك أوفّا، وأنه لم يكن يُتصور أن يرسل ملك أوروبي مسيحي جزية سنوية مقررة إلى البابا في روما وهي تحمل عبارة التوحيد إلا إذا كان مسلما بالفعل.
مهما كانت تلك التفسيرات فإن قصة هذا الدينار سواء أكان أوفا مسلما أم مقلدا للدينار الإسلامي؛ تؤكد بلا شك قوة الدولة الإسلامية على الساحة العالمية في عصرها العباسي، خاصة في زمن أبي جعفر المنصور والهادي والمهدي والرشيد والمأمون، وسنجد في القرن التالي بعض ملوك روسيا يستنجدون بالخلفاء العباسيين لإمدادهم بالدعاة والأطباء والخبراء، وهو ما يتجلى في رحلة ابن فضلان التي تناولناها من قبل.
المصدر: شمسان بوست
كلمات دلالية: الجزیرة البریطانیة العالم الإسلامی القرن الثامن فی بریطانیا هذا الدینار کان أوف هذه الع فی روما بما فی ا کانت فی ذلک
إقرأ أيضاً:
في “القولد” مع صديق عبدالرحيم “كنا السودانيين” قد إلتقينا
بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
بالأمس فاجأني شقيقي إسماعيل "الرًحال في بلد صار الإستقرار فيه المطلب المحال نتيجة حرب فرضت على كل مواطن أعزل فشردته"، بلقطة فوتوغرافية من قلب مدينة القولد، يقف وقد فقد خمسين في المائة من وزنه أمام باب منزل المغفور له صديق عبدالرحيم أيقونة أنشودة المدرسة الإبتدائية في زمننا نحن "فى القولد إلتقيت بالصديق". أخذتني ساعتها عبرة ولحظة صمت وتأمل والحزن شدد قبضته التي تحاصر كل سوداني لأننا نرى ونعيش ضياع الوطن أمام أعيننا يدمر ويفتت أشتاتا بايدي أجنبية وكذلك من أبنائه وهم مأمورون من أنظمة خارجية وحتى داخلية ذات مصالح اقتصادية وسياسية ، والخارجية في الواقع مطامعها إستعمارية. تحرر السودان من بريطانيا العظمى بهدوء وتركوه ينعم بخدمة مدنية ، أقول هنا أنها كانت جداً منظمة "تسير فيها أمر البلاد بسلاسة ، المديريات والمجالس البلدية والريفية بكل انضباط " والدكتور قلوباوي محمد صالح رحمه الله قبل أن يكون مسؤولاً كبيراً " يرأس كوفي عنان" في مجلس الأمم المتحدة في سبعينيات القرن الماضي كان أول من أسس معهد الخدمة والإصلاح الإداري المضاف إلى جامعة الخرطوم ، كان الضباط الإداريون يتخرجون من جامعة الخرطوم ويتلقون دورات تدريبية في ذات المعهد. لم ينفرط العقد في مهنية الخدمة المدنية إلا بهول تعدد الإنقلابات العسكرية ووجود تيارات دينية وفكرية وحزبية ذات توجهات سياسية "سلطوية" فكانت النتيجة المرض السرطاني " فرق تسد" الذي بدأ ينخر في جسد الوطن وأمته فصار الوطن ما هو عليه اليوم. فعندما يكون الحاكم في أي بلد هو وحده كل شيء "العقل الوحيد الراجح الحكيم المفكر"، فهو الطبيب وهو المهندس الميكانيكي وهو المهندس المعماري وهو الذي يخطط لبروتوكولات الدولة من خدمة مدنية وهو الذي يحدد حجم العلاقات الخارجية وهو الذي يعين ويفصل كما يشاء له، فهذا يعني موت وطن كامل بأمته فلا داعي إذاً لجامعات ولا مؤسسات تعليمية عليها تهدر الأموال بعد المرحلة الثانوية . هل يصدق شباب اليوم أن فى زمننا سابقاً كان لكل مدرسة ثانوية موظف يسمى أمين مخزن المدرسة " هو في درجة محاسب" من قبل المالية مسؤليته صرف رواتب وعلاوات الموظفين والعمال واستخراج تصاريح سفرهم وتمويل صيانة المدارس .. إلخ؟ أما الإنضباط في مكاتب البريد والسكك الحديدية والصحة والبنوك والأسواق ومشروعات الزراعة الكبرى فحدث ولا حرج. هل يعلم شباب اليوم أننا كنا نتلقى كل اسبوع حصة تربية وطنية؟. رحم الله أستاذنا كدودة الذي كان يدرسنا بلكنة حلفاوية! . أتعجب لمن ينتقد متنكراً فضل الخدمة المدنية أيام الإنضباط والشفافية والأمانة والخوف من الله " حتى وإن كان بعضهم فى الليل قد يحتسي الراح فذلك شأن كان يعتبر شخصياً يخصه أمام الله إن لم يكن يخذله فى إيمانه وأمانته أو أداء مهامه كما بجب"
ذكرت فى فرصة سابقة أن قريبنا " الميرفابي" عليه رحمة الله كان في شبابه يقال أنه مثل غيره يحب الطرب والعرضة. يوماً وهو على حماره مر على سيرة عرس جداً مثيرة واناسها في ثيابهم الملونة وشبابهم الغض كانوا جميلين لم ير مثلهم في البلاد فارتفع مستوى الأدرينالين في عروقه فقفز من حماره راقصاً هازاً عصاه المضببة فلم يحظ بالشبال بل تغيرت ضربات الدلوكة والغناء إلى هتاف "أضربولوا الكف أضربولوا الكف"! فجأة إختفت السيرة بكاملها ووجد نفسه يعرض على تراب هالك ! هل نحن نرقص اليوم على تراب هالك؟ هل كنت سأصدق قارئة الفنجان قبل ثلاثين سنة مضت وهي تقول "لا تحزن يا ولدي فالحزن لا يفيد
أراك سيأتيك يوم ليس ببعيد
تندب فيه وطناً كانت أركانه حديد
وكم مع غيرك كنت انت فيه سعيد!"
جالت بي خواطر وإن لم أعش تجربة قريبنا "الميرفابي" فقد هاجت بي الذكرى إلى أيام صحبتنا مع عمنا صديق عبدالرحيم أيام السودان كان وطناً غير وشعبه كان شعباً غير. هنا أعيد مقالاً نشرته قبل عشر سنوات هنا على هذا المنبر " سودانايل"، وكل شيء في محتواه إن كان يبدوا كجلسة انس فإنه يعني الكثير. لعن الله هذه الحرب وكل من تسبب فيها "سوداني كان أم غير فكلهم سواء" وكل من شارك ويشارك فيها وكل من خطط ويخط إستمرارها. وكل من يمولها ولعن الله كل من قتل وسرق ونهب واغتصب وكل من باع الوطن أو أي جزء من خيراته. يارب نستوصيك هذا الوطن فأنت الملك ومالك الملك جل شأنك وعلا قدرك.
عبدالمنعم
إعادة المقال السابق على سودانايل 2016
في القولد إلتقيت بالصديق -نفحة و رحلة مع الزمن الجميل. صار تاريخاً، ليته يعود!
بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
قد يختلف الناس في موضوع أو تعريف الزمن الجميل. لكن في نظري أن الزمن الجميل هو تجربة مرحلية في حياة أمة بكاملها أو حياة الفرد البسيط الذي قد عاشها أو يعيشها فيظل يذكرها ويشده الحنين إليها هنا وهناك متمنياً دوماً عودتها. فموضوع التجربة يختلف بإختلاف الأجيال ومستجدات السياسة والإقتصاد والثقافة والعلوم وتقدم الزمن. لا أشك مثلاً في شوق الشاعر السوداني الرقيق المشاعر حسين بازرعة إلي زمن جميل ترجمه في رائعته "كانت لنا أيام ما أحلي ذكراها" والتي أضاف إليها الرائع عثمان حسين لمساته الفنية بلحن صوتي وموسيقي بديع ينضح حنيناً وشجناً خالداً علي مر العصور
تقرع أجراس المدارس هذه الأيام إيذاناً بفتح المدارس وبداية عام دراسي جديد في السودان. وللجرس البرونزي الأصفر هرمي الشكل الذي عرفته أناملنا وشنف آذاننا أيام الطفولة برنين كانت تطرب له قلوبنا ويفرح نفوسنا. كنا نركض بسواعدنا الغضة البريئة نتسابق ليحظي أحدنا بالفوز بالإمساك به ملوحاً يمنة ويسري معلناً نهاية الحصة أو بداية فسحة الفطور. والأخيرة كان في العادة أن تستقبل قدومها معظم فصول المدارس الإبتدائية بغناء الأنشودة التاريخية الرائعة " في القولد إلتقيت بالصديق" أو أي نشيد يمجد الوطن الحبيب "أرض المليون ميل" كما كان يحلو لنا أن نصفه و ننادية من وراء البحار والأقطار البعيدة. وللوطن شجن وحنين عارم دوماً يتجدد "لترابه لأشجاره، لسهوله وجباله وأنهاره وبواديه ولأهله سمر الجباه العالية والنيات السليمة وللبيوت الصغيرة داكنة اللون فيها الحياة والنماء وخلود الأمم الواعدة رغم أنف السنين العجاف". ويتجدد شجننا كل يوم وليلة بل في كل لحظة تمر نحن ذلك الجيل الذي هاجر من السودان في زمن كانت هجرة الأوطان مجال إستغراب وتندر وكان آنذاك خريج الجامعة محترماً في وظيفته التي تنتظره علي عجل ومحترماً بعلمه وثقافته في كل الأوساط المجتمعية والثقافية.
أهداني صديق يعاني لواعج الغربة فيديو كليب من انتاج الأخ معتز أحمد " رد الله غربته وغربة كل السودانيين " ملخصاً فيه بالكلمات والصور التاريخية رحلة عزيزة حبيبة من حياة جيلنا "الموعود بالهرم" لعلها لن تتكرر أو يجود الزمان بمثلها ألا وهي رحلتنا السياحية الخيالية بل العملية وتطبيقية من القولد شرقاً وغرباً وجنوباً حتي الوصول إلي يامبيو البعيدة في قصيدة الأستاذ عبدالرحمن علي طه ( عليه رحمة الله) رائعة وطن كان قوياً ومحترماً بين الأمم متماسكاً في مجتمعة وأهله الطيبين " مساحته مليون ميل مربع "
قلت لصديقي الذي وصف الفيديو بالروعة سلام عليك وصباحكم خير وبركة . نعم صدقت يا أخي وأتفق معك لقد نقلني الفيديو إلي آفاق حلوة بعيدة المدي فسرحت ثم سافرت وتنقلت بين البلاد من بربر مهد الطفولة وشقاوتنا الأولي من القولد إلي بورتسودان ونيالا والجزيرة الخضراء في رحلة صديقة حتي وصلت يامبيو البعيدة في وطن كان متماسك الأيدي وبنيته حديدية مهابة قوية وإقتصاده يرفرف علمه أعلي قمم جبال الألب الأوربية. فكانت فرحتي وبهجتي بتلك السياحة فيالها من رحلة سعيدة ويالها من درر الكلام تجملت وتحملت بها القصيدة وصوراً من التاريخ الرائعة المجيدة تحملها طيات الفيديو فتعيد لي ذكريات جمة في مدارس كانت الدراسة فيها بالمجان لكل تلميذ مسؤلية وزارة المعارف والمعلمون كانوا رسلاً تستنير بعلمهم كل القري والبوادي حتي الرُحَّل منهم. حياتنا زمان كانت حرة طليقة وفي مهدها طفولة غضة بريئة تتنزل علي عشها الأخضر رحمة السماء وتحفظها من البلاء ملائكة لا تهاب طلقة أو قذيفة. ليتها تعود أيامنا تلك الحبيبة الجميلة إليك يا الوطن الكبير يا أرضنا يا أمنا الحنونة المعطاءة فنشد رحالنا كعهدنا إليك في الشتاء والخريف موسم الدميرة وإلي القولد الحبيبة الصديقة والجفيل وريرة وجبل مرة الذي فيه المسرة وغيرها من الربوع الحبيبة.
عزيزي القاريء الكريم إن كنت تريد نسخة من الفيديو المذكور ولم تتحصل عليه أرجوك لا تتردد أن تتصل بي لأبعثة لك. ولتدم هانئاً ومعافاً أيها الوطن الحبيب والله كريم.
رسالة للمعلم السوداني:
قرأت الأسبوع الماضي مقالاً في الديليميل عن تدهور التعليم في انجلترا وبالمقارنة لوحظ تقدم التعليم في فنلندا بعد أن كانت في أسفل قائمة الدول الأوربية . سأل الإنجليز الفنلنديين "ما ذَا فعلتم من إصلاح جعلكم الآن في القمة؟". الإجابة كانت محض الحقيقة التالية : إلغاء كل الواجبات المنزلية وترك مساحة كبيرة للتلاميذ للحرية " من لعب وممارسة هواياتهم والإبداع فيها". طبعاً بمشاركة معلميهم.
وهكذا نجح التلاميذ وتفوقوا علي أقرانهم من دول أروبا الذين يرهقون التلاميذ بالواجبات المنزلية .
drabdelmoneim@yahoo.com
الفيديو كان كليب نشيد القصيدة "في القولد إلتقيت بالصديق" من صغار تلاميذ السودان ربما يكون موجودا على اليوتيوب
دكتور قلوباوي محمد صالح من أهلي بقرية نقزو مدينة بربر ، وما ذكرته عنه صحيحا مائة في المائة