على خطى الفايكنغ.. رحلة سياحية عبر الدانمارك لاكتشاف ذاكرة محاربيها القدامى
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
تعد الدانمارك وجهة سياحية فريدة تمزج بين الحداثة الإسكندنافية الهادئة والتاريخ الملحمي الغني؛ كونها مهدا لمحاربي الفايكنغ الأسطوريين، الذين بسطوا نفوذهم على البحار قبل ألف عام.
وبالقيام برحلة استكشافية في مواقع الفايكنغ الدانماركية، يمكن للسياح تتبع آثار وبصمات الغزاة والمستكشفين، الذين تركوا وراءهم إرثا من الحصون الدائرية والمقابر الملكية والمتاحف، إضافة إلى تسليط الضوء على الكيفية التي حافظت بها الدانمارك على هذه الأماكن، وكيف تقدم للزائر اليوم فرصة للمشي على خطى هؤلاء المحاربين الأسطوريين وفهم حقبة تاريخية شكلت جزءا كبيرا من هوية المنطقة.
وفي القديم، عبَدَ الملك غورم الثور "أودين" أو "فريا"، وحكم عام 950 ميلاديا أرضا لم تكن تحمل اسما بعد، ولم يكن الملك مؤثرا فحسب، بل كان مبدعا وواسع الحيلة أيضا، فقد أمر بصنع حجر ليزين به مركز سلطته في يلينغ.
وقد نقش بالحروف الرونية أن "الملك غورم أقام هذا النصب التذكاري لزوجته ثيرا، فخر الدانمارك"، وبهذا النقش على حجر يلينغ الشهير، لم يقدم الملك تكريما أبديا لزوجته الملكة فحسب، ولكنه أعلن أيضا ميلاد أمة جديدة.
أهمية هذا البلد الصغير تتجلى بوضوح في تراث الفايكنغ الغني في أثناء رحلة من غوتلاند، عبر فونين، إلى زيلاند، وتتضمن هذه الجولة 5 محطات على طول الطريق.
يعتبر حجر الرونية في يلينغ، الذي يبلغ ارتفاعه 1.90 متر، جزءا من متحف تفاعلي وموقعا للتراث العالمي تابعا لمنظمة اليونسكو. ويوضح المرشد السياحي سورين مولز أهمية تلّتي الدفن والكنيسة والأحرف الرونية، قائلا "نحن نقف عند مهد أمتنا"، ويكشف عن بعض الغموض.
كان يُعتقد أن رفات الملك غورم مدفونة في أحد التلال، وفي أثناء عمليات البحث عن الماء عُثر بالفعل على غرفة دفنه بالصدفة، وكانت تحتوي على أسلحة وفضة وعديد من المقتنيات الجنائزية الأخرى، لكن لم يُعثر على رفات الملك غورم نفسه.
إعلانوأضاف المرشد السياحي أنه "لم يُعثر على رفات الملك إلا عام 1977 على بعد أمتار قليلة تحت الكنيسة". ومن المحتمل أن ابنه هارالد بلوتسان كان له يد في الأمر، وقد أمر هو أيضا بنحت حجر روني آخر، وما نقش على هذا النصب التذكاري، الذي يبلغ ارتفاعه 2.4 متر في يلينغ، قد غير نصف العالم وبدأت نهاية عصر الفايكنغ.
اشتهر الفايكنغ بوصفهم محاربين وتجارا يُخشى بأسهم والسبب الرئيس وراء ذلك هو مهارتهم البحرية، فلفترة طويلة لم تكن هناك وسيلة للتعرف على سفنهم إلا من خلال الأساطير، حتى جاء اكتشاف لادبي عام 1937 ليقدم أول دليل مادي على وجود سفينة على الأراضي الدانماركية.
ويمكن للسياح دخول "مقبرة السفن" الوحيدة في الدول الإسكندنافية، والتجول حول هيكل السفينة، التي يبلغ طولها 22 مترا، والتي ترقد بداخلها هياكل عظمية لـ11 حصانا و4 كلاب، وعلى مقدمة السفينة تزين خصلات حديدية رأس التنين بالألوان الزاهية.
وتشير مواضع الترميم إلى أن السفينة كانت تستخدم في البحر، وقد جرت محاولة لإعادة تمثيل كيفية تجهيز السفينة للدفن بواسطة نموذج بالحجم الطبيعي؛ حيث كان يُوضع الملك الراحل مستلقيا على قطعة قماش فاخرة منسوجة بخيوط ذهبية في المقدمة ، وعند قدميه يتم وضع أطباق من الفضة والبرونز، وأمامه يتم وضع سلال مليئة بالتفاح والفراء والأدوات وأحد الدروع.
أما الحيوانات، التي يتم التضحية بها في سروجها والملطخة بالدماء، فقد شغلت معظم المساحة.
لم يتوقف الأمر عند اكتشاف لادبي، ففي ستينيات القرن الماضي تم انتشال بقايا 5 سفن أخرى من مضيق روسكيلد، بما في ذلك سفينتان حربيتان وسفينة مخصصة لأعالي البحار، وتم وضع أجزاء من هذا الحطام في متحف يجمعها يطل على البحر، حيث أكدت ما كانت تروج له الأغاني القديمة منذ زمن طويل بأن الفايكنغ كانوا سادة البحار، ويُخشى بأسهم ولا يُقهرون.
ويمكن استعادة جزء من أسلوب حياة الفايكنغ، ففي حوض بناء السفن بالمتحف يتم تصنيع سفن الفايكنغ باستخدام الأساليب القديمة، ويتم إطلاقها في الماء في المكان نفسه، ويتم التجديف لمسافة قصيرة في الخليج، ثم يتم رفع الأشرعة، وسرعان ما تتولى الرياح دفع السفن، وتمنح الحركة قوة كبيرة وتجعل الخشب يصدر أزيزا رائعا.
وعندما اعتلى هارالد بلوتسان العرش بعد وفاة الملك غورم، كان الفايكنغ قد أرهبوا أجزاء كبيرة من أوروبا لأكثر من 200 عام، وأخذوا ما أرادوا دون رحمة.
لم يكن محاربو الفايكنغ يعرفون الخوف من الموت على الأقل، ففي حال سقوطهم في ساحة المعارك كانت الفالكيريات تصحبهم إلى "فالهالا"، حيث يقيمون المعارك والحفلات الصاخبة إلى الأبد.
ولكن الملك هارالد بلوتسان كانت لديه خطط أكبر لحياته الدنيوية من أجل توسيع سلطاته وتقوية تحالفاته؛ إذ أعلن عام 970 ميلاديا أن جميع الدانماركيين أصبحوا مسيحيين إلى جانب نقش يمثل صورة تمثل السيد المسيح، كما قام بتعميد نفسه.
إعلانومن المحتمل أنه أخرج جثمان والده من التل الوثني وأقام فوق مكان دفنه الجديد كنيسة، وفي تلك الأثناء نجح الملك هارالد بلوتسان في توحيد شعبه أكثر من خلال إبعادهم عن التفكير القبلي وعقد تحالفات جديدة، وإعادة ربط الناس ببعضها.
وقد كانت مدينة أودنسه مخصصة لعبادة الإله "أودين" المعروف بأبو الآلهة؛ حيث يمكن تخمين أبعاد قلعة "نونيباكن" الضخمة، التي شيدها الملك هارالد بلوتسان، ويشتبه علماء الآثار بوجود مزيد من الآثار المدفونة تحت الأرض، وقد انتهى عصر الفايكنغ في العاشر من يوليو/تموز 1086، ويظهر ذلك بوضوح من خلال صليب محفور في الأرض يمثل موقع مذبح كنيسة سابقة، ففي هذا المكان تحديدا ركع آخر ملوك الفايكنغ، كنود الرابع، مصليا بينما قام رعاياه الثائرون بطعنه بالرماح.
وقد أعلنه البابا قديسا ورفاته الآن على بعد أمتار قليلة في كاتدرائية أودنسه، وهكذا كانت نهاية الفايكنغ.
لم يكن الفايكنغ بارعين في ترك النصب التذكارية، فباستثناء بعض الأحجار الرونية، لا توجد سجلات مكتوبة، ولذلك يضطر علماء الآثار إلى تجميع كثير من تاريخهم من مصادر متنوعة، ويسهل للسياح السفر عبر الزمن في أرض الأساطير بالقرب من روسكيلد.
وفي الخارج تفوح في الهواء رائحة السخام والجلد والفراء القديم، وتظهر المساكن المنخفضة المسقوفة بالقش، ومطبخ مفتوح برأس أوزة متدلي وفرن من الطين وحديقة أعشاب، وكل الأشياء هنا معدة للاستكشاف والتجربة.
وتتوهج نار صناعية في القاعة الملكية المُعاد بناؤها، والتي يبلغ طولها 60 مترا وارتفاعها 10 أمتار، ومشيدة من خشب البلوط الصلب، وتزدان الأعمدة الضخمة بمنحوتات دقيقة لذئاب أودين وأفاعي ملتفة، ويمكن للزائر أن يتخيل بسهولة كيف يمكن للملك أو الملكة أن يدخلا في أي لحظة ليأخذا مكانهما على العرش للتشاور مع المحاربين أو الاحتفال بحماس.
وتعد عالمة الآثار ناتاشا شتوفهاس، التي تنظم أيام الفايكنغ للأطفال، قائلة: "نحن نقترب جدا من حياة الفايكنغ الحقيقية"، وتشمل هذه الفعاليات عديدا من الأنشطة مثل صناعة الملابس وطحن الحبوب وإعداد الخبز، ولم يكن هناك فصل بين الجنسين في ذلك الوقت، ولكي يستمر المرء في المجتمع كان يتعين على الجميع إتقان كل شيء.
ولقد كانت نساء الفايكنغ أكثر قوة واستقلالية بكثير مما كان يُعتقد لفترة طويلة، حيث تُظهر عينات الحمض النووي أن عديدا من المحاربين المزعومين المدفونين في قبور الشرف كانوا في الواقع قائدات للمحاربين.
ويشير كثيرون أيضا إلى أن الملكة "ثيرا" كانت حاكمة ذكية وحصيفة ومحبوبة، إذ أعفت زوجها الملك غورم من معظم العمل، ومن يدري ربما كانت هي الملكة الحقيقية، التي لولاها لما كانت هناك الذاكرة الوطنية في يلينغ.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات لم یکن
إقرأ أيضاً:
سنتكوم: ناقلة النفط "ليكسي" كانت فارغة أثناء قيام قواتنا بتعطيلها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلن الجيش الأمريكي، اليوم الأربعاء، أنه عطّل ناقلة نفط فارغة كانت تحاول الإبحار نحو ميناء جزيرة خرج الإيراني في الخليج العربي يوم الثلاثاء.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، إن قواتها فرضت إجراءات حصار على الناقلة إم/تي ليكسي، التي ترفع علم بوتسوانا، أثناء عبورها المياه الدولية باتجاه جزيرة خرج الإيرانية.
وأضافت أن طاقم السفينة تجاهل تحذيرات متكررة ولم يمتثل لتعليمات القوات الأمريكية على مدى 24 ساعة.
وأوضحت القيادة أن طائرة أمريكية عطّلت الناقلة عبر إطلاق صاروخ من طراز "هيلفاير" على غرفة المحركات، ما حال دون وصولها إلى إيران.
وأضافت "سنتكوم" أنها بدأت تطبيق حصار على جميع حركة الملاحة المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها منذ 13 أبريل/نيسان الماضي، مشيرة إلى أن قواتها عطّلت ست سفن تجارية وأعادت توجيه 122 سفينة أخرى، فيما يستمر وقف إطلاق النار مع إيران.
يأتي الإعلان الأمريكي في ظل التوتر المستمر بين واشنطن وطهران بشأن حركة الملاحة في الخليج العربي وسبل تنفيذ القيود المفروضة على إيران، لا سيما بعد المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية وما أعقبها من ترتيبات لوقف إطلاق النار.
وتُعد جزيرة خرج الواقعة شمال الخليج العربي المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمر عبر منشآتها النسبة الأكبر من شحنات النفط الخام المصدرة إلى الأسواق العالمية. ولذلك تحظى حركة السفن المتجهة إلى الجزيرة أو المغادرة منها بمتابعة دقيقة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني.
ومنذ منتصف أبريل الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تشديد الرقابة البحرية والجوية على خطوط الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن جهودها لمنع أي أنشطة ترى أنها قد تسهم في دعم القدرات الاقتصادية أو العسكرية الإيرانية. في المقابل، ترفض طهران هذه الإجراءات وتعتبرها انتهاكًا لحرية الملاحة والقوانين الدولية.