القدس المحتلةـ كشف تقرير جديد صدر هذا الأسبوع عن دور مركزي ومتنامٍ لمليشيات المستوطنين منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في نهب الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، وذلك بدعم مباشر وتمويل رسمي من الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو.

ويسلط التقرير، الذي أعدّته منظمة "كرم نابوت" بالتعاون مع حركة "السلام الآن"، وحمل عنوان "السامري الشرير"، الضوء على العلاقة الوثيقة بين الحكومة الإسرائيلية وهذه المليشيات، التي تمارس العنف والتهجير بحق الفلسطينيين وتستولي على أراضيهم تحت غطاء "الرعي"، وبحماية رسمية من جيش الاحتلال.

وحسب التقرير، فإن الحكومة الإسرائيلية لا تكتفي بغض الطرف عن انتهاكات المستوطنين، بل تقدم لهم دعما ماليا وسياسيا، حيث تُقدّر ميزانيات تمويل هذه المليشيات والمزارع الاستيطانية بعشرات ملايين الشواكل سنويا.

وتشير حركة "السلام الآن"، التي تتابع ملف التوسع الاستيطاني والتهجير القسري للفلسطينيين، إلى أن هذه المليشيات -وغالبيتها تنتمي إلى تيارات دينية متطرفة ومسيحانية– باتت تعمل بشكل ممنهج في تنفيذ عمليات التهجير، من خلال التهديد بالسلاح والاعتداءات المتكررة.

إعلان

وحذر معدّو التقرير من أن الحكومة الإسرائيلية لا تكتفي بتوسيع المشروع الاستيطاني، بل تُطلق العنان لمليشيات مسلحة لتنفيذ ما وصفوه بـ"الضم الميداني الزاحف"، الذي يفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على أراضي الضفة عبر العنف والترهيب، وبدعم مباشر من مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

عدوان المستوطنين

من أبرز ما ورد في التقرير أن المستوطنين، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفوا من أنشطتهم العدوانية، حيث أسفرت تلك الحملة عن الاستيلاء على مئات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة (الدونم يساوي ألف متر مربع)، إلى جانب إنشاء عشرات المزارع الاستيطانية الرعوية في مناطق مختلفة من الضفة، لاسيما الأغوار والمناطق المصنفة "ج".

وقد أدت هذه الممارسات إلى تهجير أكثر من 60 تجمّعا فلسطينيا خلال العامين والنصف الماضيين، في واحدة من أوسع موجات التهجير القسري التي شهدتها الضفة في السنوات الأخيرة.

وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، فإن الأراضي التي استولى عليها المستوطنون لأغراض الرعي فقط خلال هذه الفترة، باتت تشكل نحو 14% من مساحة الضفة الغربية.

بؤر استيطانية رعوية

تولت حكومة اليمين بقيادة نتنياهو، وبدعم من الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، زمام الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2022، وعزّزت السياسات الاستيطانية، وقدّمت دعما غير مسبوق لإقامة البؤر الاستيطانية الرعوية، مما أدى إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة إنشائها، لا سيما بعد عملية "طوفان الأقصى"، التي أعقبتها موجة استيطان متسارعة في الضفة.

وتشير المعطيات المحدثة الواردة في التقرير إلى أنه منذ يونيو/حزيران 2022 وحتى مارس/آذار 2025، تم إنشاء أكثر من 70 بؤرة رعوية جديدة، لترتفع المساحة التي يسيطر عليها المستوطنون عبر هذه البؤر إلى نحو 786 ألف دونم، أي ما يعادل 14% من مساحة الضفة.

إعلان

ويظهر التقرير أن المستوطنين، خلال أقل من 3 سنوات، استولوا على نحو 70% من مجمل الأراضي التي يسيطرون عليها حاليا لأغراض الرعي، وترافق هذا التمدد مع تصاعد كبير في أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون بحق الفلسطينيين، خاصة الرعاة وسكان التجمعات البدوية، مما أدى إلى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية من أراضيها، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة لفرض واقع استيطاني جديد على الأرض تحت غطاء "الرعي".

مخطط السيطرة

يعتمد المستوطنون، بدعم مباشر من الحكومة والجيش الإسرائيلي، على إستراتيجية ممنهجة لبسط السيطرة على أراضي الضفة الغربية، تبدأ بإنشاء بؤر رعوية استيطانية في مناطق إستراتيجية، وتستكمل بتهجير السكان الفلسطينيين، وتنتهي بالاستيلاء الكامل على الأرض.

المرحلة الأولى من هذا المخطط تبدأ بإقامة بؤر رعوية استيطانية، غالبا ما تُنشأ في أراضٍ زراعية أو رعوية فلسطينية، مما يؤدي إلى إبعاد المزارعين والرعاة الفلسطينيين قسرا عنها.

وتلي ذلك سلسلة من المضايقات والاعتداءات المنظمة التي يمارسها المستوطنون ضد التجمعات الفلسطينية المجاورة، وتشمل أعمال عنف جسدي، وتدمير ممتلكات، وتهديدات مستمرة، وتهدف جميعها إلى دفع السكان الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم قسرا.

وبعد نجاح عملية التهجير، يستولي المستوطنون على الأراضي المهجورة، ليتم لاحقا إنشاء بؤر استيطانية جديدة عليها أو في محيطها.

وبهذه الطريقة، تمكن المستوطنون خلال العامين والنصف الماضيين من تهجير أكثر من 60 تجمعا فلسطينيا، بما في ذلك مجموعات رعوية، كما أقاموا ما لا يقل عن 14 بؤرة رعوية جديدة على أنقاض هذه التجمعات أو في جوارها.

استيلاء غير قانوني

يكشف فحص شامل للمناطق التي تمت السيطرة عليها أن غالبية هذه الأراضي لا تُصنَّف ضمن "أراضي دولة"، حتى وفق التصنيفات الرسمية لسلطات الاحتلال ذاتها، في الواقع، لا تتعدى "أراضي الدولة" 40% فقط من المساحات المصادرة، مما يعني أن النسبة الأكبر هي أراضٍ بملكية فلسطينية خاصة، أو مناطق يحظر استخدامها لأغراض مدنية.

إعلان

وتُظهر البيانات أن نحو 41% من الأراضي المصادرة صنّفها جيش الاحتلال كمناطق إطلاق نار، وهي مناطق يُفترض أن تكون محظورة على دخول المدنيين، بمن فيهم المستوطنون أنفسهم، بموجب القانون العسكري الإسرائيلي.

كما أن نحو 4.4% من هذه الأراضي تقع ضمن مناطق (أ) و(ب) الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية، وهو ما يشكل خرقا فاضحا للاتفاقيات الموقعة وللقانون الدولي.

وتعكس هذه السياسة الممنهجة -التي تجمع بين الاستيطان والتهجير والعنف- مشروع ضمّ زاحف تديره الحكومة الإسرائيلية عبر وكلائها على الأرض، وتعيد رسم الخريطة الديمغرافية والجغرافية للضفة بما يخدم الأجندة الاستيطانية المتطرفة.

عقود تخصيص للمراعي

منحت "دائرة الاستيطان" التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، والمخوّلة من الحكومة الإسرائيلية بإدارة أراضٍ في الضفة، عشرات المستوطنين "عقود تخصيص للمراعي" دون رقابة أو إشراف عام.

ووفقا لبيانات النيابة العامة الإسرائيلية، تم تخصيص نحو 80 ألف دونم للمستوطنين بموجب هذه العقود، مما أتاح لهم السيطرة فعليا على مساحات أوسع من الأراضي دون سند قانوني.

ورغم أن العقود تنص على أن الغرض منها هو الرعي، فإن الغالبية الساحقة من المستوطنين استخدموها لإنشاء بؤر استيطانية غير قانونية، دون تصاريح بناء، وبما يتعارض مع شروط العقود، يُرجّح أن ذلك تم عمدا لتسهيل السيطرة على أراضٍ لم تُخصص لهم أصلا.

وتكشف العقود التي تم الحصول عليها عن عدة مخالفات صارخة، منها:

عدم تطابق المساحات الواردة في العقود مع تلك المبيّنة في الخرائط. تخصيص أراض سبق تخصيصها لمستوطنين آخرين. شمول بعض العقود لأراضٍ بملكية فلسطينية خاصة تُقدّر بنحو 9 آلاف دونم.

وتتضمن التجاوزات أيضا تخصيص أراضٍ معلنة لم تخضع للمراجعة القانونية اللازمة، وإدراج أراضٍ تقع ضمن مناطق إطلاق نار، وتخصيص أراضٍ داخل المنطقة (ب) التابعة للسلطة الفلسطينية.

إعلان

وتُظهر هذه المعطيات حجم التجاوزات والانتهاكات التي تتم تحت غطاء قانوني زائف، وبدعم رسمي، يهدف إلى توسيع الاستيطان وتكريس واقع جديد على الأرض، وتحويل البؤر الاستيطانية الرعوية إلى أداة فعالة لنهب الأراضي الفلسطينية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الحکومة الإسرائیلیة على الأرض على أراض

إقرأ أيضاً:

برفقة بن غفير.. مئات المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون «المسجد الأقصى»

قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اليوم الخميس، اقتحاماً واسعاً لباحات المسجد الأقصى، بمشاركة مئات المستوطنين، تزامناً مع إحياء ما يعرف بـ”ذكرى خراب الهيكل” وفق التقويم اليهودي، في خطوة أثارت إدانات أردنية وتحذيرات من تصعيد جديد في القدس.

وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن بن غفير دخل باحات المسجد الأقصى برفقة مئات المستوطنين الذين اصطفوا منذ ساعات الصباح الأولى للدخول إلى الموقع، فيما أدى عدد منهم صلوات وطقوساً داخل الحرم.

ونقلت الوكالة عن بن غفير قوله، في مقطع فيديو نشره عبر قناته على “تلغرام”: “انظروا إلى ما يحدث هنا. اليهود يُصلّون ويشعرون بأنهم أصحاب الحق هنا”.

وأضاف: “في كل مكان، يدرك الناس أن دولة إسرائيل هي صاحبة السيادة. ما زال هناك مزيد مما يجب القيام به، وبعون الله سنواصل المُضي قُدماً”.

وتأتي الزيارة بالتزامن مع مناسبة “تيشا بآف”، يوم الصيام اليهودي الذي يحيي ذكرى تدمير الهيكلين الأول والثاني وفق المعتقد اليهودي.

وفي المقابل، أدانت وزارة الخارجية الأردنية اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى، وما رافقه من اعتداءات على المصلين، ورفع للأعلام الإسرائيلية، ودعوات وصفتها بالتحريضية صادرة عن جماعات متطرفة.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما جرى يمثل “انتهاكاً صارخاً للوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف، وتدنيساً لحرمة المسجد الأقصى، وتصعيداً مُداناً وتصرفاً همجياً واستفزازاً غير مقبول”.

وجدد الأردن تأكيده أن إسرائيل لا تملك سيادة على مدينة القدس المحتلة ولا على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، داعياً إلى الالتزام بالقوانين الدولية ووقف الانتهاكات التي تستهدف المقدسات.

وتعترف إسرائيل، بموجب معاهدة السلام الموقعة مع الأردن عام 1994، بالدور الأردني في الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس، فيما تتولى دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن إدارة شؤون المسجد الأقصى.

وبموجب ترتيبات “الوضع القائم” المعمول بها منذ عقود، يُسمح لليهود بزيارة الموقع دون أداء الصلوات فيه، مقابل استمرار شعائر العبادة الإسلامية، إلا أن بن غفير وعدداً من المستوطنين خرقوا هذه الترتيبات مراراً خلال السنوات الأخيرة عبر أداء صلوات علنية داخل الحرم.

ويأتي الاقتحام في ظل تصاعد التوتر في القدس، مع تكرار الدعوات الإسرائيلية لتوسيع الوجود الاستيطاني داخل المسجد الأقصى، وهو ما يثير اعتراضات فلسطينية وعربية ودولية متواصلة.

هذا ويُعد المسجد الأقصى من أكثر المواقع حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتديره دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن بموجب ترتيبات “الوضع القائم”، بينما تتولى الشرطة الإسرائيلية السيطرة على مداخل المسجد، في وقت تتكرر فيه اقتحامات المستوطنين التي تثير إدانات عربية وإسلامية ودولية.

Israel’s Minister of National Security, Itamar Ben-Gvir, prays during the mourning ritual of Tisha B’Av at the Western Wall, Judaism’s holiest site, in Jerusalem’s Old City, Wednesday, July 22, 2026. (AP Photo/Ohad Zwigenberg) Israel’s National Security Minister Itamar Ben-Gvir visits the Al-Aqsa Mosque compound, during the holy day Tisha B’Av, a day of fasting and lament, that commemorates the date in the Jewish calendar on which it is believed the First and Second Temples were destroyed, in Jerusalem’s Old City, July 23, 2026 in this still image obtained from handout video. Itamar Ben Gvir via Telegram/via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. MANDATORY CREDIT. NO RESALES. NO ARCHIVES. VERIFICATION: – Mosque dome, trees and stairs matched satellite and archive imagery of the area. – Date confirmed from Ben-Gvir’s speech confirming his presence on “Tisha B’Av” (annual Jewish day of mourning) which falls on July 23, 2026.

بن غفير يقود اقتحامات المستوطنين والصلوات التلمودية خلال استباحة المسجد الأقصى المبارك صباح اليوم pic.twitter.com/qxxNDm3jwy

— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) July 23, 2026

مقالات مشابهة

  • الخارجية الفلسطينية تدين المجزرة التي ارتكبها المستوطنون بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي غرب نابلس
  • سموتريتش يطالب جيش الاحتلال بتنفيذ اجراءات قاسية ضد الفلسطينيين بعد اعتداءات المستوطنين في الضفة
  • قفزة النفط تدعم الدولار وتضغط على الذهب
  • أميركا تفرض عقوبات على قيادي في الإخوان وأفراد وكيانات تدعم حماس
  • قيادات الكنائس الأرثوذكسية الشرقية بأمريكا تستقبل كاثوليكوس الهند في أول زيارة رعوية لواشنطن
  • تراجع أسعار الدواجن والبيض في الأسواق.. وزيادة الإنتاج تدعم الاستقرار
  • 20 شهيدا فلسطينيا على يد المستوطنين منذ مطلع العام الجاري
  • رابطة البيسبول الأمريكية تدعم أنديتها بـ40 مليون دولار
  • مستوطنون يحرقون أراضٍ زراعية ويثيرون اعتداءات واسعة بالضفة
  • برفقة بن غفير.. مئات المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون «المسجد الأقصى»