الحريديم.. من تحدي السلطة إلى طاعة الجبهة الداخلية والاعتراف بـرجال الحرب
تاريخ النشر: 19th, June 2025 GMT
في تطور لافت وغير مسبوق في العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والتيار الحريدي الأرثوذكسي المتشدد، أصدرت القيادة الروحية للحريديم، وعلى رأسها الحاخام دوف لاندو، توجيهات علنية بضرورة الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية، بما في ذلك إخلاء الملاجئ التي تحولت إلى مساكن، وتعليق الأنشطة التعليمية عند الضرورة.
وقد نُشر هذا التوجيه في صحيفة "ياتيد نئمان"، لسان حال الحريديم الليتوانيين، في موقع بارز عادة ما يُخصص لمعارضة تجنيد طلاب المعاهد الدينية أو الدفاع عن قدسية السبت، ما يعكس حجم التحول في الخطاب الديني الحريدي.
واعتبر الكاتب الإسرائيلي ناتي توكر، في مقال نشرته صحيفة "ذا ماركر" الإسرائيلية المختصة بالشؤون الاقتصادية، أن هذا الموقف لا يمكن اعتباره مجرد استجابة بديهية للظروف الأمنية، بل يمثل نقطة تحول دينية واجتماعية عميقة. فالحريديم، الذين طالما تعاملوا مع الدولة ومؤسساتها ككيانات علمانية لا شرعية دينية لها، باتوا الآن يعترفون -ولو ضمنيا- بسلطة الدولة، بل ويبررون طاعتها من منطلق ديني.
التحول لم يقتصر على الالتزام بالتعليمات الأمنية، بل امتد إلى الخطاب اللاهوتي ذاته، فقد ظهر في بيانات "مجلس حكماء التوراة" -الهيئة الروحية العليا للحريديم- مصطلح جديد هو "رجال الحرب"، في إشارة إلى جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي. وهو مصطلح لطالما تجنبت القيادات الدينية استخدامه، إذ كانت ترى أن "رجال الجيش" يمثلون مؤسسة علمانية تتناقض مع المنظومة العقائدية الحريدية التي تعزو الحماية الإلهية إلى دراسة التوراة حصرا.
لكن في البيان الأخير للمجلس، وردت عبارة لافتة "قوة التوراة تحمي أيضا رجال الحرب"، وهي صيغة جديدة تُدخل الجنود ضمن سردية الحماية الإلهية، وتربطهم بمقاتلي المعارك التوراتية مثل معركة الملك حزقيا ضد سنحاريب ملك آشور، كما ورد في سفر الملوك الثاني وسفر أشعيا. في تلك الرواية، لم ينتصر حزقيا بقوة السلاح، بل بالدعاء، واستجاب الرب بإرسال ملاك قتل 185 ألفا من الجنود الآشوريين في ليلة واحدة، وفقا لنصوصهم.
هذه المقارنة، حسب توكر، تُضفي بُعدا دينيا على الدولة الحديثة، وتُقارب في مضمونها فكر الحاخام إبراهيم يتسحاق كوك، أحد أبرز منظّري الصهيونية الدينية.
إعلانهذا التحول اللاهوتي لا يعكس فقط تغيرا في الخطاب، بل أيضا في الوعي الجمعي، فالشباب الحريدي، الذي نشأ على فكرة الانفصال التام عن مؤسسات الدولة، بدأ يدرك أن الانخراط الجزئي في الواقع الإسرائيلي بات ضرورة، خاصة في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة، مثل القصف الإيراني الأخير.
يرى توكر أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة مباشرة للضغوط السياسية والمالية التي مارستها الحكومة، فقد تم تقليص تمويل المعاهد الدينية، ووقف مخصصات دور الحضانة، وفرض قيود على سفر المتخلفين عن الخدمة العسكرية، وتسليم أوامر تجنيد فعلية لكل شاب حريدي في سن الخدمة، ورغم أن هذه الأوامر لم تُنفذ بعد بشكل جماعي، فإنها خلقت شعورا عاما لدى الشبان الحريديم بأن الحصانة الدينية لم تعد كافية.
ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام داخل المجتمع الحريدي، ولا يزال تيار واسع داخله يرفض هذا التحول، ويواصل النضال من أجل "قانون تهرّب" يضمن إعفاءهم من التجنيد فبعض الطوائف، مثل طائفة بيلز الحسيدية، (أحد طوائف حزب أغودات يسرائيل الذي يشكّل مع ديغل هتوراه تحالف يهودية التوراة الموحدة في الكنيست) ترفض الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية، وتواصل تنظيم مناسبات زواج في ظل القصف، رغم تدخل الشرطة في بعضها.
كما تستمر بعض المعاهد الدينية في التدريس كالمعتاد، رغم عدم توفر ملاجئ كافية للطلاب، وقد شهدت مناطق مثل بني براك وغفعات شموئيل احتجاجات ضد قرارات المحكمة العليا بشأن التجنيد الإجباري، ما يدل على أن التغيير لا يزال جزئيا، وأن الانقسام داخل الشارع الحريدي لا يزال قائما بين الواقعية الجديدة والنهج الانعزالي التقليدي.
لكن اللافت أن هذه الاحتجاجات لم تترافق مع تصعيد مباشر ضد مراكز التجنيد أو السلطة القضائية، ما يشير إلى قبول ضمني بالقواعد الجديدة. ويبدو أن القيادة الدينية، التي طالما حاولت التوفيق بين رفض التجنيد والحفاظ على التمويل الحكومي، باتت تدرك أن الحفاظ على الامتيازات يتطلب تقديم تنازلات رمزية على الأقل.
وفي ختام مقاله، يؤكد توكر أن العقوبات الحكومية أثبتت فعاليتها، وأن الحاخامات لا يغيرون مواقفهم في الفراغ، بل استجابة للضغوط السياسية والمالية، ورغم أن التحول لا يزال هشا وجزئيا، فإنه يمثل فرصة إستراتيجية لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والحريديم، ودمجهم في منظومة الحقوق والواجبات الإسرائيلية، لأول مرة منذ قيام الدولة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رجال الحرب لا یزال
إقرأ أيضاً:
بطولة تحدي الحبتور للتنس تستقطب 80 لاعبة
دبي (وام)
أخبار ذات صلة
تنطلق، يوم الاثنين، منافسات الدور الرئيسي لبطولة تحدي الحبتور الدولية لتنس السيدات في نسختها الـ 28، والتي يستضيفها مجمع التنس في منتجع الحبتور جراند بمنطقة جميرا في دبي، بمشاركة 80 لاعبة من أبرز المواهب الصاعدة، وبجوائز تبلغ 100 ألف دولار.
وعقدت اللجنة المنظمة مؤتمراً صحفياً في مقر البطولة، بحضور خلف أحمد الحبتور، رئيس اللجنة المنظمة العليا، وناصر المرزوقي، الأمين العام لاتحاد التنس، ونورا بدوي، مديرة البطولة، وليث العاني، مدير العمليات ومسؤول الحكام، ومندوبة الاتحاد الدولي شيتال لايار، الحكم العام للبطولة، إضافة إلى عدد من اللاعبات المشاركات، وفي مقدمتهن المجرية دالما جالفي المصنفة الأولى.
وأسفرت قرعة الدور الرئيسي، الذي يضم 32 لاعبة، عن مواجهات متوازنة، حيث تلتقي المصنفة الأولى دالما جالفي مع لاعبة متأهلة من التصفيات، فيما تواجه المصنفة الثانية الروسية أنستاسيا زاخاروفا مواطنتها ماريا تريدنكينا. وتلعب المصنفة الثالثة النمساوية سينا كراوس مع إحدى المتأهلات من الدور التمهيدي، بينما تستهل المصنفة الرابعة الأوكرانية بيترا مارسينكو مشوارها بمواجهة السلوفاكية فيكتوريا هرونكوفا، المتوّجة قبل يومين بلقب بطولة الفجيرة الدولية للتنس.
وكانت منافسات الدور التمهيدي انطلقت بالفعل اليوم، لتحديد اللاعبات المتأهلات إلى الدور الرئيسي.
وأكد خلف أحمد الحبتور أن البطولة أصبحت محطة بارزة في تنس السيدات وعلى صعيد رياضة المرأة بشكل عام، عبر مساهمتها في دعم المواهب وتمكين اللاعبات.
وأوضح أن البطولة، التي تمتد مسيرتها لأكثر من ربع قرن، باتت تمثل جسراً للوصول إلى العالمية، مشيداً باستمرار تطورها ونجاحاتها المتعددة.