بقدرة قادر، وبشكل مفاجئ إلى حد الصدمة، تعالت الأصوات من داخل "برلمان سعيد" من قبل نواب، كانوا بالأمس القريب أشد الناس ابتهاجا بـ "انقلاب 25 يوليو/تموز 2021 "، ودفاعا عن الرئيس الذي قلب الطاولة على الجميع، أحزابا ومعارضة ونقابات وقضاة وإعلاميين ومدونين، ومجتمع مدني ورجال أعمال وأمنيين، وغيرهم من النشطاء السياسيين والحقوقيين، واتهم الجميع إما بالضلوع في الفساد، أو الإرهاب، أو التآمر على الدولة، أو محاولة اغتيال رئيس الجمهورية.
انبرى هؤلاء منذ الانقلاب، لمواجهة كل من تخوّل له نفسه نقد رئيس الجمهورية، أو خياراته أو سياساته، خصوصا في مجال الحريات وحقوق الإنسان، بالشتم والتقريع والاتهام بالخيانة والتآمر مع الخارج، والارتباط بلوبيات ومخابرات أجنبية معادية لتونس، وفي أحسن الأحوال، اتهامهم بالتنسيق مع حركة النهضة، ومحاولة العودة للسلطة، واستعادة ما يسمونه بـ"العشرية السوداء"، مدافعين عما يعتبرونه "تصحيحا" و"إصلاحا ثوريا" لمسار ما بعد الثورة التونسية..
وفي لمح بالبصر، ومن دون أي مقدمات، بات هؤلاء أكثر الناقدين للرئيس التونسي، ولطريقته في الحكم، التي أصبحوا يصفونها بـ"الفوضى والدمار الشامل"، ناعتين أداء حكومته "بالفشل الذريع"، محملين رئيس الجمهورية، مسؤولية تعيين رئيسة الحكومة واختيار وزرائها.
اللافت في هذا التحول المفاجئ، هو مضي هؤلاء بإصرار كبير في الحديث تحت قبة البرلمان بالذات، عن "ضرورة التغيير"، وأن الرئيس لم يعد لديه ما يقدمه، وأن منظومة الرئاسة غير واضحة، ولا يُعرف من يديرها، وكيف يجري التحكم في المعلومات التي تصل رئيس الدولة. متسائلين بكامل الوضوح، عن أسباب العطل التي أصاب منظومة الحكم، بحيث باتت غير منتجة، فاسحة المجال لما يسمونه بـ"العبث" في جميع المستويات.
فالبلاد لم تتقدم، والفقر قد ازداد واتسعت دائرته، والموازنة الجديدة للحكومة لسنة 2026، تكرس "تفقير المفقر"، معتمدة على الضرائب بشكل أساسي، بما حوّلها موازنة، "دفع الجزية" كما وصفها أحدهم..
إعلانلقد ترجم عدد من نواب "برلمان سعيّد" هذه الوضعية، من خلال مداخلات، هي الأكثر شجاعة ووضوح منذ "انقلاب يوليو/تموز 2021".
نواب رفعوا سقف النقد لنظام الحكمفالنائب، أحمد السعيداني، الذي يوصف بـ "عرّاب الانقلاب"، رفع صوته بأعلى ما يمكن من داخل منظومة الحكم بالذات، ليقول ما لم يقله آخرون: "النظام فاقد لرشده وصوابه، ورئيس الجمهورية، رجل منفصل عن الواقع، تاريخيا وجغرافيا، وهو يعيش في كوكب آخر"..
ويضيف منتقدا تصريحات الرئيس التونسي: "لدى رئيس الجمهورية جميع تشكيلات القوات الحاملة للسلاح، من جيش وأمن وفرق استعلامات وأمن رئاسي وديوانة ومؤسسة سجون، وغيرها، وهو ما يزال يتهم الأشباح التي تتآمر عليه، والخونة والعملاء الذين يكيدون له في كل آن وحين"..
وتابع السعيداني، قائلا: "النظام يفقد عقله.. ومؤسسة رئاسة الجمهورية في حالة شلل تام، مطلق ومطبق.. إننا في مرحلة فوضى الدولة، والدمار الشامل، الذي تعيش البلاد على وقعه منذ عامين على الأقل"..
وتساءل عضو مجلس النوّاب، النوري الجريدي في خطاب نقدي ساخر، خلال مناقشة موازنة وزارة العدل لسنة 2026، "كم سيتواصل وجود رئيس الجمهورية على كرسي الرئاسة؟ عهدة أخرى، اثنتان، ثلاثة، أربعة، عشرون سنة أخرى، يعني إلى حدود 2045 كحدّ أقصى؟".. مضيفا "لا أحد من الذين عاصَروا بوعي ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول، و14 يناير/كانون الثاني، واعتقد لثانية واحدة، أن النظام البوليسي لبن علي سوف ينهار، وأن بن علي سيترك وراءه كل شيء ويغادر إلى بلد آخر"، في إشارة مبطنة إلى ما يمكن أن يكون عليه مصير الرئيس التونسي الحالي..
وتوجه النائب إلى وزيرة العدل خلال مناقشة موازنة الوزارة، قائلا: "عندما تكثر نكت الوجع على شخص الحاكم والمسؤول في أي دولة، فاعلموا أن أيامه في الحكم معدودة.. فالشعب يتحدث عنكم في صمت واختناق في زوايا المقاهي، وهو يتحدث عن العائلات الحاكمة، كما تحدث منذ عقدين، عن (طرابلسية بن علي)"، أي أصهاره وعائلته المقربة.
وشدد النوري الجريدي، على أن "لا عدل والمحكمة الدستورية، غائبة"، باعتبارها المؤسسة المكفول لها حسم الصراعات السياسية على الحكم، أو تسديد الشغور على مستوى رئاسة الجمهورية..
وفي "خروج كلي عن النص"، كما يقال، عبّر عدد من النواب، عن تضامنهم مع المعتقل السياسي، جوهر بن مبارك، إثر دخوله في إضراب جوع وحشي، تدهورت بموجبه حالته الصحية، إلى مستويات خطيرة للغاية، وطالب هؤلاء النواب، على قلتهم، بإطلاق سراحه فورا من أجل العلاج، ولم يتردد آخرون في المطالبة بإنهاء موضوع المعتقلين السياسيين، إلا من ثبت تورطهم في الإرهاب والفساد ونهب المال العام..
صدق الكواكبي عندما قال: "إذا خرج المحسوبون على الحكم ناقدين، فتأكد أنّ ساعة التغيير قد حانت"..
أمنيون وعسكريون.. على الخطّبالموازاة مع هذه التصريحات الصادرة عن حزام الرئيس قيس سعيد، من داخل البرلمان، ارتفعت أصوات أخرى، كانت بالأمس القريب ضمن أجهزة النظام، الأمنية والعسكرية، كما يروجون عن أنفسهم، واضطرت للجوء إلى الخارج، هربا من المحاكمة، بعد أن أحال الرئيس قيس سعيّد ملفاتهم على القضاء، بتهم الفساد..
إعلانانقلب هؤلاء ضد نظام الحكم، وشرعوا في نشر غسيله، من حيث التعيينات الوظيفية في الوزارات، والصفقات العمومية التي تذهب إلى جهات قريبة من الحكم، ملوحين بالملف الصحي لرئيس الجمهورية، تارة، وببعض التجاوزات في مستوى حكمه، واستتباعاتها القضائية، من جهة أخرى، كما يفعل ثامر بديدة، الأمني السابق، اللاجئ حاليا في باريس، والذي لعب دورا سيئا في مرحلة الانتقال الديمقراطي، من خلال شيطنة الطبقة السياسية الحاكمة.. وبات اليوم، صوتا هو الأشدّ نقدا للرئيس قيس سعيّد، ولأسلوبه في الحكم، متحدثا عن ضرورة الانتهاء من هذه "السنوات العجاف"، كما يطلق عليها..
واعتبر بديدة، أنّ الجيش التونسي، مطالب بقيادة المرحلة الانتقالية، من خلال انتخابات سابقة لأوانها، لا تشارك فيها الطبقة السياسية الراهنة، وتفسح المجال، لكفاءات تونسية شابة، ليست من عشرية الانتقال الديمقراطي، ولا هي من مرحلة الرئيس الحالي، قيس سعيّد.
ويقدّر هذا المسؤول الأمني السابق، أن "التغيير قادم"، و"موعده قريب جدا، ولن يتجاوز بضعة أسابيع"، على أقصى تقدير، ما جعل الكثير من المتابعين للشأن التونسي في الداخل والخارج، يتساءلون عن مصدر ثقة الرجل في معلوماته، وعن مدى مصداقيتها..
من ناحيته، طرح هشام المدب، المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، والعميد السابق في الجيش ووزارة الداخلية، السؤال الذي يتردد في تونس في الأوساط الشعبية والسياسية والنخب منذ فترة: إلى أين تتجه الأمور في تونس؟
ونقل المدّب عن مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، السيناريو الأميركي، لتحقيق الانتقال السياسي في تونس بصورة هادئة، تضمن عدم الفوضى والتقاتل الداخلي..
وقال الجنرال السابق في الجيش التونسي، إنّ الولايات المتحدة، وفرت ما وصفه بـ"باب لخروج آمن للرئيس قيس سعيّد"، تماما مثلما حصل مع الرئيس الراحل، بن علي في العام 2011، وفق تعبيره..
واعتبر أنّ السلطة السياسية، بموجب "سيناريو كوشنر"، تتوفر على فرصة كبيرة لمغادرة السلطة، دون أي تداعيات اجتماعية أو سياسية عنيفة، عبر تنظيم التداول على الحكم، تحت إشراف المؤسسة العسكرية، التي يعهد إليها إعداد البلاد في غضون 3 أشهر (تسعين يوما بتعبير فقهاء الدستور)، لإجراء انتخابات على أساس دستور العام 2014، يتم بموجبها، تسليم السلطة لمن سيختاره التونسيون بكل حرية..
تآكل "الحزام الرئاسي" بشكل واضح، إذ لم يعد ثمّة من المدافعين عنه سوى بعض الأصوات غير المؤثرة، وتلك التي تصنّف ضمن "أصوات الطابور الخامس"، فهي لا تزيد بدفاعها عن منظومة الحكم الراهنة، سوى الإمعان في غضب الناس، ومزيد احتقانهم
التغيير "المحسوب"وفي الحقيقة، تتقاطع هذه التصريحات، الصادرة عن نواب بالبرلمان، وأمنيين سابقين، مع "وجهات نظر سياسية"، يتم التعبير عنها على وسائل التواصل الاجتماعي في شكل سيناريوهات للانتقال السياسي في تونس.. ويجري الحديث عن هذه السيناريوهات بكثافة، من قبل دبلوماسيين تونسيين سابقين، وجامعيين، وبعض السياسيين الذين هربوا بجلدهم من "صقيع" المحاكمات، التي يصفها المحامون، وهيئات الدفاع عن السجناء السياسيين بـ"الجائرة"، و"المفبركة"، و"الفارغة من أي أدلّة"..
ولعلّ أبرز هذه التصريحات، تلك الصادرة عن الوزير السابق، محمد عبو، "منظّر الانقلاب"، كما يصفه خصومه، باعتباره هو من دعا الرئيس قيس سعيّد، وألح عليه بضرورة استخدام الفصل 80 من دستور 2014، لتغيير الوضع السياسي في البلاد، وهو ما اضطلع به الرئيس سعيّد، من خلال "انقلاب يوليو/تموز 2021"..
خرج عبو من قمقم الانقلاب منذ فترة، وبات يطالب بالحاجة الأكيدة، "لإحداث "التغيير على مستوى رأس السلطة بالطرق السلمية الهادئة"، على حدّ قوله.. لكنّ عبو، يصرّ على أنّ "القفز على مؤسسات الدولة، لإحداث هذا التغيير، أمر مرفوض، وسيدخل البلاد في حرب داخلية وفوضى"..
وطالب في فيديو بُثّ مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي، الطبقة السياسية والرأي العام التونسي، بـ"فتح النقاش مع أجهزة الدولة بالذات، لإنهاء حكم سعيّد، والمرور إلى مرحلة انتقالية، عبر تنظيم انتخابات في غضون 3 أشهر"، داعيا رئيس الجمهورية، إلى "الاستقالة الفورية"، لوضع حدّ لمرحلة، أدارها بطريقة مدمّرة"، وفق تعبيره..
إعلانوبنفس القدر من التطلع للتغيير في تونس، سخّر منذر الزنايدي، الوزير السباق (مرحلة بن علي)، والمرشح للرئاسية، جميع تدخلاته على "فيسبوك" و"يوتيوب"، من أجل دعوة الرئيس قيس سعيّد، إلى "التنحي الطوعي عن رئاسة الجمهورية"، إذ "لم يعد لمنظومته ما تقدمه للتونسيين"، واصفا حقبة حكمه بـ"سنوات القحط والعبث والإجرام"! على حدّ تعبيره..
كان المفكر الفرنسي بيير بورديو، يكرر في محاضراته أينما ذهب، أنّ تغيير أنظمة الهيمنة، ربما بدأ بخطاب سياسي، يدشن ديناميكية مجتمعية، من الصعب تقدير مآلاتها، لكن من السهل رؤية التغيير في الأفق"..
أحزاب بلا حول.. ولا قوةفي المقابل، لا رأي للأحزاب الصامتة منذ فترة، فيما يقال عن التغيير السياسي في تونس، إذا استثنينا الدعوة إلى الحوار مع السلطة، للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، وسط جدل حقيقي، حول أجندة الحوار، ومكوناته، وأفقه السياسي، وهل يشمل إزاحة الرئيس قيس سعيّد عن الحكم، أم يحدث التغيير مع استمراره على رأس السلطة..
ثمة إجماع، في كل الأوساط السياسية والبرلمانية والشعبية والحقوقية والنقابية أيضا، على أنّ البلاد بلغت مرحلة من الانسداد السياسي، تترجمها أوضاع الحريات العامة، والتجاوزات الحقوقية في السجون، والتنكيل بالمساجين السياسيين، وتعنيف البعض ممن دخلوا في إضراب عن الطعام منذ فترة، على غرار السياسي والجامعي، جوهر بن مبارك، و"ضرب حرية الصحافة والتعبير"، وفق ما تقوله نقابة الصحفيين التونسيين، التي شرعت في التحرك الميداني، تنديدا بأوضاع حرية الصحافة في البلاد، وصمت السلطة إزاء مطالبها المتراكمة.
ماذا تعكس هذه الانتقادات الحادّة وغير المسبوقة لأداء نظام الرئيس قيس سعيّد؟ وكيف يمكن تفسير هذه "الاستفاقة" لخلان الرئيس التونسي بالأمس، الذين باتت أصواتهم أعلى من أصوات المعارضة بأحزابها وقياداتها الكثيرة؟
ثلاث ملاحظات أساسية في هذا السياق أنّ التجربة التونسية الراهنة، قد استنفدت جميع أدواتها وقواعد لعبتها، ولم تعد قادرة على الاستمرار أكثر، لا سيما في غياب القدرة على "التغيير من الداخل"، وتعديل أوتار الحكم. تآكل "الحزام الرئاسي" بشكل واضح، إذ لم يعد ثمّة من المدافعين عنه سوى بعض الأصوات غير المؤثرة، وتلك التي تصنّف ضمن "أصوات الطابور الخامس"، فهي لا تزيد بدفاعها عن منظومة الحكم الراهنة، سوى الإمعان في غضب الناس، ومزيد احتقانهم. أن تونس تمرّ بمخاض كبير وعميق، مع ظهور "البنية الهشّة للحكم"، بشكل واضح وجليّ، والغريب أنّ هذه الهشاشة، لم تكن بمفعول ضغط المعارضة، بقدر ما كانت ترجمة لفراغ مدوّ في مستوى التصورات للحكم، والخيارات والسياسات، وعلاقات السلطة المتوترة مع أكثر من طرف في الداخل والخارج..هل من سبيل للخروج من حالة الانسداد السياسي الحالي، وتحقيق انتقال سلمي للسلطة، يجنّب البلاد ويلات الفوضى، والعنف، وهو السيناريو الذي يتحدث عنه قسم واسع من التونسيين، خلسة في المقاهي ومجالسهم الخاصة، مشيرين إلى أنّ "الثورة القادمة، لن تكون سمنا على عسل، كما كانت ثورة يناير/كانون الثاني 2011″؟، وهو ما يخيف عديد الأطراف الاجتماعية والسياسية، وما تبقى من عقلاء في هذا البلد.
اللافت، أن الاحتكام لدستور 2022، الذي خطّه الرئيس قيس سعيّد بقلمه، من الألف إلى الياء، لن يفيد، ولن يقدّم حلولا، بأي صورة من الصور؛ لأنّ هذا الدستور، لم يتضمن آليات الانتقال السياسي، في صورة حصول شغور في مستوى أعلى مؤسسة سيادية في البلاد، وهي مؤسسة الرئاسة، إذ فتح الرئيس التونسي الباب للمحكمة الدستورية، لكي تضطلع بهذا الدور، وتتكفل بانتقال سلس للسلطة، لكنّه- في ذات الوقت- أغلق هذا الباب بالأصفاد، فالمحكمة الدستورية لم تتشكل إلى الآن، ولا وجود لصيغة التوريث، كما يروج البعض.
يحتاج العقل التونسي إلى التفكير خارج كل الصناديق، عسى أن يتوصل إلى مخرج لهذه الأزمة، التي أدخِلت فيها البلاد، رُغما عنها، بلا بوصلة، أو تصور أو خيارات واضحة، وهي اليوم تجني نتيجة ذلك، مأزقا حقيقيا، يحتاج التونسيون إلى براعة في التفكير، لكي يخرجوا من هذا النفق.
في السياسة، عليك أن تدع بابا مفتوحا للخروج، فإذا ما أَغلقتَ كل الأبواب، تبدأ بالاختناق.. وتتسبب في انسداد سيشمل الجميع..
كان الله في عون تونس الحبيبة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إعلان aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الرئیس قیس سعی د الرئیس التونسی رئیس الجمهوریة منظومة الحکم السیاسی فی منذ فترة فی تونس من خلال بن علی لم یعد
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.