الإفتاء: التصوف جزء أصيل من الشريعة وليس خروجًا عنها
تاريخ النشر: 23rd, October 2025 GMT
أكدت دار الإفتاء المصرية أن الانتماء إلى الطرق الصوفية كـ«الرفاعية» و«الخلوتية» وأمثالهما أمر مشروع وجائز شرعًا، ما دام أصحابها متمسكين بالكتاب والسنة، ولا يخرجون عن جوهر الشريعة الإسلامية.
وقالت الدار إن السلوك على يد شيخ والانضواء في طريقة صوفية هو مسار تربوي وروحي مشروع، إذا التُزم فيه بالضوابط الشرعية، مؤكدة أن كثيرًا من أعلام هذه الطرق مشهود لهم بالفضل والعلم والتقوى، وساروا على منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
وبيّنت دار الإفتاء أن التصوف في جوهره هو منهج للتربية الروحية والسلوكية، يهدف إلى تهذيب النفس وتطهيرها من أمراضها، والارتقاء بها إلى مرتبة الإحسان التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وأضافت أن التصوف يهتم بتقويم السلوك الإنساني في علاقته بالله، وبالناس، وبنفسه، ويعمل على غرس القيم العليا من صدق، وإخلاص، وزهد، ورضا، وتسامح.
وأوضحت الإفتاء أن الطريقة الصوفية تشبه المدرسة التي يتلقى فيها المريد تربية روحية وسلوكية على يد الشيخ، الذي يقوم بدور المربّي والقَيّم على النفس، فيرشد المريد إلى ما يناسب حاله من ذكر أو عبادة أو توبة.
وأشارت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجّه الصحابة بما يناسب طبيعة كل واحد منهم، فكان يقول لأحدهم: «لا تغضب»، ولآخر: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله»، مبينة أن الطريق إلى الله يختلف باختلاف استعدادات الناس وميل قلوبهم، فمنهم من يكثر من الصيام، ومنهم من يكثر من القرآن، ومنهم من يكثر من الذكر أو الصدقة، وكلٌّ على طريق الخير.
وشددت دار الإفتاء على أن الطريقة الصوفية الصحيحة يجب أن تتصف بعدة ضوابط أساسية، أهمها:
1. التمسك بالكتاب والسنة، فكل ما يخالفهما باطل لا يُنسب إلى التصوف.
2. الارتباط بجوهر الشريعة، بحيث تكون تعاليم الطريقة جزءًا من تعاليم الإسلام لا خارجة عنها.
3. تحقيق الإخلاص والنية الصادقة في السير إلى الله، بعيدًا عن الرياء أو المظاهر الشكلية.
4. الاهتمام بالنفس ومراقبتها وتنقيتها من أمراض الكِبر والحسد والغل، مع الإكثار من ذكر الله والزهد في الدنيا.
الطرق أبواب متعددة للجنة
وبيّنت دار الإفتاء أن تعدد الطرق الصوفية لا يعني الانقسام أو الاختلاف في الدين، بل هو تنوع في وسائل التربية وطرق الوصول إلى الله، تمامًا كما تتعدد أبواب الجنة بحسب الأعمال، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
> «لكل أهل عملٍ بابٌ من أبواب الجنة يُدعون منه بذلك العمل، ولأهل الصيام باب يُقال له: الريّان».
وأضافت أن الطرق تتنوع تبعًا لاهتمام الشيخ والمريد؛ فبعضهم يركز على الذكر، وآخر على القرآن، وآخر على الجهاد أو الصدقة، لكنهم جميعًا يشتركون في المقصد وهو رضا الله والوصول إلى القرب منه.
التصوف علم من علوم الشريعة
واختتمت دار الإفتاء المصرية بيانها بتأكيد أن التصوف ليس مذهبًا دخيلًا ولا فكرًا منفصلًا، بل هو علم من علوم الشريعة الإسلامية، له أصوله ومناهجه وأهله، يُعنى بتزكية القلوب كما تُعنى سائر العلوم بعقول الناس وأبدانهم.
وأكدت أن الانضواء في الطرق الصوفية كالرفاعية والخلوتية مشروعٌ وجائز إذا تم وفق الضوابط والمعايير الشرعية، وأن الاعتبار في النهاية بتحقق الضوابط لا بالأسماء، مشيرة إلى أن التصوف الصحيح هو السلوك إلى الله تعالى بالعلم والعمل، والالتزام بالقرآن والسنة في الظاهر والباطن.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التصوف الإفتاء الطرق الصوفية النبی صلى الله علیه الطرق الصوفیة دار الإفتاء إلى الله
إقرأ أيضاً:
أهمية الذكر في القرآن الكريم والسنة النبوية
ورد الحثُّ على الذِّكر في كتاب الله وسنَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فمن القرآن قولُه تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقولُه سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
الذكر في السنة النبوية المطهرةويقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نصيحةً عامَّة: «لا يزالُ لسانُكَ رَطْبًا من ذِكرِ الله» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه].
أهمية الذكر
ومن الواقع المحسوس أن اللسانَ لا يكون رطبًا مع كثرة الذِّكر، بل يَجِفُّ؛ ولكن هذا الجفافَ المحسوسَ الملحوظ الذي هو عند الله هو الرطوبةُ المحمودة، وهذا مثيلٌ لقولِه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله تعالى من ريحِ المسك» [متفق عليه]، وقولِه صلى الله عليه وسلم: «لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله —والله أعلمُ بمن يُكْلَمُ في سبيلِه— إلَّا جاء يومَ القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دمًا، اللونُ لونُ دمٍ، والريحُ ريحُ مسك» [أخرجه البخاري].
وكان شأنُ المسلمين في الذِّكر الاهتمامَ بما أسمَوه «الكلمات العشر المباركات»، وهي كلماتٌ علَّمها لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنواجه بها الحياةَ كلَّها، وهي: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، وهذه الخمس أسمَوها: الباقيات الصالحات و«أستغفرُ الله، ما شاء الله، حسبنا اللهُ ونِعمَ الوكيل، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، توكَّلتُ على الله».
فنواجه بـ«سبحان الله» كلَّ عجيب؛ فالدنيا مليئةٌ بالعجائب، منها عجائبُ ناجمةٌ عن قدرة الله في الكون، أو في أفعال العباد. وهي كلمةٌ نقولُها نُنزِّه اللهَ بها عن كلِّ نقصٍ، ونصفُه بكلِّ كمالٍ مطلق؛ كلُّ هذا في كلمةٍ واحدة، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17].
وكذلك بعد الانتهاء من أفضل العبادات، وهي الصلاة، شرع لنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أن نُنزِّه اللهَ سبحانه ونقول: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين مرَّة؛ فـ«سبحان الله» أحدُ مكوِّنات «الذِّكر الجامع» الذي استنبطه أهلُ الله من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مفهوم الذكر
يُعرَفُ الذِّكرُ في اللغة بأنَّه مصدرُ: ذَكَرَ الشيءَ يَذكُرُه ذِكرًا وذَكَرًا. وقال الكسائي: الذِّكرُ باللسان ضدُّ الإنصات، ذالُه مكسورة، وبالقلب ضدُّ النسيان، وذالُه مضمومة. وقال غيرُه: بل هما لغتان.
ويُستعمَل في اللغة بعدة معانٍ؛ منها: جريانُ الشيءِ على اللسان إذا نُطِقَ باسمِه وتُحُدِّثَ عنه؛ قال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15]، ومنها: استحضارُ الشيءِ في القلب؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63].
أمَّا في الاصطلاح فللذِّكر معنَيان:
الأوَّل: عامٌّ، وهو يشمل كلَّ أصناف العبادات؛ حيث إنَّها تشتمل على ذكر الله، سواءٌ كان ذلك الذكرُ بالإخبار المجرَّد عن ذاتِه، أو صفاتِه، أو أفعالِه، أو أحكامِه، أو بتلاوة كتابِه، أو بمسألتِه ودعائِه، أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسِه وتمجيدِه وتوحيدِه وحمدِه وشكرِه وتعظيمِه. وعليه فتُسمَّى الصلاةُ ذِكرًا، وتلاوةُ القرآن ذِكرًا، والحجُّ ذِكرًا، وكلُّ أصناف العبادات.
والثاني: معنًى أخصُّ، وهو إنشاءُ الثناء بما تقدَّم دون سائر المعاني الأخرى المذكورة. ويشير إلى الاستعمال بهذا المعنى الأخصِّ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]، فعلى الرغم من أنَّ الصلاةَ ذكرٌ بالمعنى الأعمِّ، إلَّا أن المراد هنا هو المعنى الأخصُّ؛ حيث فرَّق اللهُ بين الصلاة والذِّكر. وكذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّ العزة: «مَن شغله القرآنُ وذِكري عن مسألتي، أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلين» [رواه الترمذي].