إلى أي عدد من أحداث الذعر السحابي تحتاج أوروبا ؟
تاريخ النشر: 6th, November 2025 GMT
نحن نميل إلى اعتبار البنية الأساسية التي تشكل القاعدة التي تُـدار عليها اقتصاداتنا ومجتمعاتنا من الأمور الـمُـسَـلَّـم بها ــ إلى أن يحدث خطأ ما. ما عليكم إلا أن تسألوا سكان إسبانيا والبرتغال، الذين واجهوا فجأة انقطاع التيار الكهربائي التام في أبريل الماضي، عندما أدت سلسلة من الارتفاعات المتتالية في الجهد الكهربائي إلى إغلاق شبكات الكهرباء.
من تخزين البيانات ونسخها احتياطيا إلى تشغيل ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي، تدعم «السحابة» الاقتصاد الرقمي. لكن السيطرة على هذه البنية الأساسية شديدة التركز، حيث تسيطر ثلاث شركات أمريكية فقط ــ أمازون، وجوجل، وميكروسوفت ــ على أكثر من 60% من السوق العالمية. نتيجة لهذا، فإن فشل واحدة فقط من هذه الخدمات قد يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات. وهذا ليس سيناريو بعيد الاحتمال. الواقع أن مثل هذه الإخفاقات تحدث على نحو منتظم. في الشهر الماضي فقط، أدى انقطاع خدمات أمازون (Amazon Web Services) إلى تعطيل عمل آلاف الخدمات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك تطبيقات المراسلة، ومنصات الخدمات المصرفية، وكاميرات المراقبة المنزلية. وبعد أيام، عانت شركة Microsoft Azure من انقطاع عالمي مماثل.
حتى الآن، كانت مثل هذه الأحداث عَـرَضية. لكن البنية الأساسية السحابية يمكن استخدامها كسلاح جيوسياسي. فبما أن مقدمي الخدمات الثلاثة الرئيسيين يعملون تحت الولاية القضائية الأمريكية، فإنهم يخضعون لأهواء السلطات الأمريكية، التي قد تجبرهم على تعليق الخدمات كوسيلة للعقاب أو الإكراه.
هذا أيضا ليس تصورا غير واقعي. فبعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت أواخر العام الماضي، فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عقوبات على المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان ــ وألغت شركة مايكروسوفت حسابه على البريد الإلكتروني. الحقيقة المقلقة هي أن قسما كبيرا من الاقتصاد الرقمي العالمي له مفتاح إيقاف تشغيل، وبوسع ترمب أن يديره متى شاء.
إذا كانت الخدمات السحابية التي تقدمها هذه الشركات الأمريكية العملاقة متقدمة تكنولوجيا ــ وتتطلب خبرات نادرة ومعدات معقدة وباهظة التكلفة ــ إلى الحد الذي يعجز معه آخرون عن مجاراتها بسهولة، فقد تكون المجازفة مُـسـتَـحَـقّـة. لكنها ليست كذلك: إذ تمتلك الشركات الأوروبية بالفعل القدرة على تشغيل خدمات سحابية عالية الجودة. السبب الوحيد الذي جعل هذه الشركات الأمريكية الثلاث ــ اثنتان احتكاريتان قطعا، وواحدة زعما ــ تحقق الهيمنة في المقام الأول هو أنها استحوذت على القدر الكافي من القيمة في أماكن أخرى من المكدس الرقمي لدعم استحواذها على سوق الخدمات السحابية.
مع تزايد وضوح مخاطر شِـبه الاحتكار على هذا النحو، يدرس عدد متزايد من المشترين من الشركات والعامة عن بدائل. يتماشى هذا مع هدف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الذي عَـبَّـرَت عنه لأول مرة في عام 2019، والذي يتمثل في تحقيق «السيادة التكنولوجية» الأوروبية ــ وهو جهد لا يشمل الخدمات السحابية فحسب، بل يشمل أيضا المجموعة الرقمية بأكملها.
في حين لم تحرز أوروبا تقدما يُـذكَـر حتى الآن على هذه الجبهة، فإن عمالقة الخدمات السحابية في الولايات المتحدة يعملون على إزالة الخطر الذي يهدد حصتهم في السوق: لقد بدأوا في تقديم خيارات «السحابة السيادية»، والتي يمكنها افتراضا أن تلبي «احتياجات السيادة الرقمية الفريدة» في أوروبا. الواقع أنه ادّعاء هزلي. ذلك أن السيادة تستلزم قدرة الجهة السيادية على وضع قواعدها الخاصة في نطاق اختصاصها القضائي، وهذا ليس شيئا يستطيع مزودو الخدمات السحابية في الولايات المتحدة تقديمه لأوروبا.
لتحقيق تقدم حقيقي نحو السيادة الرقمية، يتعين على أوروبا أن تتبنى استراتيجية «الهدم والبناء». يركز جزء «الهدم» على تفكيك الاحتكارات الراسخة. ولتحقيق هذه الغاية، بوسع أوروبا أن تعتمد على الأدوات القائمة لفرض المنافسة، مثل قانون الأسواق الرقمية، الذي لا يُستخدم حاليا إلى حد كبير. ولكن يتعين عليها أيضا أن تعمل على تعزيز هذه الأدوات، عن طريق زيادة عدد الموظفين المكلفين بإنفاذها. على نحو مماثل، يجب أن تفسح المفاوضات الثنائية غير الخاضعة للمساءلة بين المفوضية الأوروبية وشركات التكنولوجيا المجال لعمليات مفتوحة لوضع المعايير، والتي من شأنها أن تساعد في توسيع مجموعة الخبراء الذين يساهمون في علاجات قانون الأسواق الرقمية.
ويستلزم عنصر «البناء» في هذه الاستراتيجية تحديد أوجه القصور التي تعيب البنية الأساسية الرقمية السيادية في أوروبا ومعالجتها على أساس كل قطاع على حدة. عندما يتعلق الأمر بالخدمات السحابية، قد تتمثل الخطوة الأولى في ضمان توافق المشتريات الحكومية من الخدمات ذات الصلة مع أهداف السيادة الأوروبية.
في عموم الأمر، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يبتكر سياسة صناعية تعزز تطوير القدرات التكنولوجية الأساسية، وربما يسترشد في ذلك بمبادرة يوروستاك (Eurostack) أو اتحاد البنية الأساسية الرقمية الأوروبية للمشاع الرقمي الذي أُنشئ حديثا. ومن الممكن أن تساعد مشاريع ناشئة مثل Eurosky وStaan، إذا جرى تمويلها بالقدر الكافي، في دعم هذا الجهد. كما يستحق الدراسة اقتراح إيرباص للذكاء الاصطناعي ــ والذي بموجبه ستعمل قوى متوسطة معا لإنشاء شركة عامة للذكاء الاصطناعي، على غرار النموذج الذي أنشأ شركة إيرباص في عام 1970.
سلط انقطاع خدمات أمازون وAzure الشهر الماضي الضوء، مرة أخرى، على المخاطر التي تفرضها سيطرة شركات التكنولوجيا الأمريكية على البنية الأساسية الرقمية في أوروبا. الآن، يتعين على قادة الاتحاد الأوروبي أن يفعلوا كل ما يلزم للتخفيف من هذه المخاطر، قبل أن يفوت الأوان.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الخدمات السحابیة البنیة الأساسیة
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.