تحل علينا اليوم /الأربعاء/ ذكرى وفاة المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي، أحد أبرز أعلام الفكر الوطني في مصر وصاحب الموسوعة الأشهر في تاريخ الحركة القومية، فقد كرّس حياته لحفظ ذاكرة الوطن وتوثيق نضاله السياسي والاقتصادي والاجتماعي عبر أكثر من نصف قرن من الكتابة والبحث.


وُلد عبد الرحمن عبد اللطيف الرافعي بالقاهرة عام 1889 لأسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المصرية التي حملت على عاتقها مقاومة الاحتلال البريطاني، وتستمسك بالدين والخلق والعمل الوطني، تلقّى تعليمه المدني حتى حصل على ليسانس الحقوق عام 1908، غير أن مساره الفكري بدأ قبل ذلك عندما تتلمذ على الزعيم الوطني مصطفى كامل منذ عام 1906، ليكرّس بعدها حياته للكفاح ضد الاستعمار وضد استبداد الأسرة المالكة، مخلصًا لمبدأ الجلاء ووحدة وادي النيل.


عمل بالمحاماة منذ عام 1909، ومارسها في المنصورة حتى 1932 ثم في القاهرة، وفي الوقت ذاته شارك في المؤتمر الوطني ببروكسل عام 1910، وأسهم في المؤتمرات الوطنية اللاحقة، كما اعتُقل خلال الحرب العالمية الأولى بسبب مواقفه الوطنية، وشارك في ثورة 1919 وكان على رأس المطلوب إعدامهم عقب المظاهرات.


دخل الرافعي البرلمان نائبًا عامي 1924 و1925، ثم عاد إلى العمل التشريعي عضوًا بمجلس الشيوخ من 1939 إلى 1951، وتولى وزارة التموين عام 1949، ثم انتُخب نقيبًا للمحامين عام 1954، وفي عهده صدر قانون المحاماة رقم 96 لسنة 1957 الذي منح المحامين مزايا غير مسبوقة، كما شارك في المؤتمرات العربية المهنية بالقاهرة ودمشق، وأسهم في إعداد دستور 1953 عقب ثورة يوليو.


وبعد خبرة تراكمت في «جريدة اللواء»، أصدر عام 1912 كتابه «حقوق الشعب» الذي تناول فيه المبادئ الدستورية والفارق بين الحرية في الأنظمة الدستورية والمستبدة، وبدعم من محمد فريد، اتجه إلى دراسة الحركة الاقتصادية والتعاونية، فأصدر كتاب «التعاون» وأسهم في تأسيس النقابات الزراعية.


ومع تطور اهتمامه بالتاريخ، انتقل من التأريخ لمصطفى كامل إلى وضع مخطط شامل لتاريخ الحركة القومية في مصر منذ أواخر القرن الثامن عشر، وهو المشروع الذي تحقق عبر موسوعة ضخمة استغرق إعدادها عشرات السنين، وقد أسهم إبعاده عن الحياة النيابية بين 1926 و1939 في منحه وقتًا أوسع للبحث والتأليف، فأنجز أجزاء موسوعته التي تُعد من أهم ما كُتب في تاريخ مصر الحديث بعد حوليات الجبرتي.


بدأت الموسوعة بكتاب «تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر» الذي صدر عام 1929، وتناول نظام الحكم في عهد المماليك والحملة الفرنسية ومقاومة الشعب لها، وتتابعت مؤلفاته: «عصر محمد علي» (1930)، «عصر إسماعيل» (1932)، «الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي» (1937)، «مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية» (1939)، و«محمد فريد رمز الإخلاص والوطنية» (1941)، و«مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال» (1942).


وفي عام 1946 أصدر كتاب «ثورة 1919» في جزءين، وبعده أجزاء «في أعقاب الثورة المصرية» التي تؤرخ للفترة من 1921 إلى 1951، ثم جاء كتاب «مقدمات ثورة 23 يوليو 1952» عام 1957، قبل أن يختم موسوعته بكتاب «ثورة 23 يوليو 1952 – تاريخنا القومي في سبع سنوات» (1952–1959) الذي اعتبر فيه الثورة تتويجًا لجهود مصر القومية.


منحته الدولة جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية عام 1960 تقديرًا لجهوده العلمية، ولأنه المؤرخ الأول للحركة القومية في الإقليم الجنوبي، فقد عكف على جمع الوثائق والمراجع لأكثر من ثلاثين عامًا ليصدر موسوعته ذات الستة عشر جزءًا، التي اعتمدت على الاستقصاء الدقيق والجرأة في الحكم وصدق العرض، وارتكزت على اعتزازه بقوميته وغيرته على كرامتها.


وترتبط أعماله بتاريخ مصر الحديث منذ ميلاده عام 1889 حتى ثورة يوليو، وتعكس مثاليته الفكرية والقومية والأخلاقية، وتبرز رؤيته التي احترمت تضحيات الشعب وفضحت محاولات الحكم لتزوير التاريخ، وينتمي الرافعي إلى أسرة جاءت من سوريا واستقرت في مصر وعملت في القضاء والصحافة، وتعود أصولها إلى الصحابي الجليل عمر بن الخطاب.


ترك الرافعي عشرات الكتب الأخرى، منها «نقابات التعاون الزراعية» (1914)، «الجمعيات الوطنية» (1922)، «شعراء الوطنية»، «مذكراتي»، و«أربعة عشر عامًا في البرلمان». كما قدم كتبًا في تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة، وتراجم تاريخية مثل «الزعيم الثائر أحمد عرابي».


رحل عبد الرحمن الرافعي عام 1966، وبقيت مؤلفاته شاهدًا حيًّا على مسيرة وطن، ومرجعًا رئيسيًا لكل من يريد فهم تاريخ الحركة الوطنية المصرية، ومثالًا للمؤرخ الذي جمع بين صدق الكلمة وأمانة البحث ونقاء الانتماء.

طباعة شارك المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي أعلام الفكر الوطني في مصر صاحب الموسوعة الأشهر في تاريخ الحركة القومية حفظ ذاكرة الوطن

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: حفظ ذاكرة الوطن فی تاریخ فی مصر

إقرأ أيضاً:

تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة

توقع تقرير أمريكي أن تؤدي وفرة البيانات المتاحة، لإتاحة المجال أمام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تحسين النماذج الاقتصادية.

وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن "الذكاء الاصطناعي سيجعل عملية صنع السياسات الاقتصادية أكثر دقة، لا سيما بالنسبة للبنوك المركزية، من خلال توفير بيانات فورية وتحسين النماذج الاقتصادية".

وأضافت "لعقود، اتخذت مؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قرارات بالغة الأهمية، رفعاً أو خفضاً لأسعار الفائدة، بناء على معلومات غير مكتملة ومتأخرة في كثير من الأحيان".

وبحسب الصحيفة "يلتزم الاحتياطي الفيدرالي بتحقيق أهداف التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، لكن قراءات التضخم تصل بعد أسابيع، وتُراجع إحصاءات التوظيف بعد أشهر، وهذا يجعل صانعي السياسات يعملون في عالم من عدم اليقين، ويفسرون إشارات غير دقيقة ويستخدمون نماذج تعاني من نقص في المعلومات الآنية، والنتيجة هي أن البنوك المركزية أحياناً تتأخر كثيراً في رفع أو خفض أسعار الفائدة في مواجهة تغيرات الأسعار في الاقتصاد".

فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟ - موقع 24نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تحليلاً اقتصادياً يحذر من أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تحمل أعباءً أكثر مما يعترف به المستثمرون، مشيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ودورة الأرباح وسردية السوق تستند جميعها إلى ركيزة ضيقة واحدة. 

وتشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على تغيير ذلك.
وقالت: "ستتمكن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من معالجة وتحديث مجموعات بيانات ضخمة باستمرار، بدءاً من أسعار المستهلكين وتسويات الأجور، وصولًا إلى المعاملات المالية ونشاط سلاسل التوريد".
وأضافت: "سيتيح ذلك لصناع السياسات مراقبة الديناميكيات الاقتصادية لحظة بلحظة بدلًا من انتظارها لفترة طويلة بعد وقوعها. عملياً، قد يُحدث هذا تحولًا جوهرياً، نحو الأفضل، في قرارات السياسة المتخذة".

وأشارت إلى أن ذلك يوفر بيانات آنية، إذ يُمكن للذكاء الاصطناعي تحسين نماذج البنوك المركزية بشكل كبير لفهم كيفية عمل الاقتصاد والعلاقات المعقدة بين المتغيرات الاقتصادية.

وقالت: "يُمكن للتحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي إظهار تأثير زيادة سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية على النمو والأسعار والتضخم، وتأثير ذلك على الاقتصاد بشكل عام، بسرعة ودقة أكبر، وقد أشار بنك إنجلترا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُدخل تغييرات جوهرية على طريقة استخدام البيانات، وقد زاد بالفعل بشكل كبير من حجم وتعقيد النماذج التي يستخدمها".

وتضيف "مع ذلك، قد تتجاوز آثار الذكاء الاصطناعي على علم الاقتصاد مجرد صنع السياسات".

وتوقعت الصيفة أن يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في علم الاقتصاد نفسه، إذ أن قدرته على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات قد تُقلل، أو حتى تُلغي في بعض الحالات، حاجة الاقتصاديين إلى وضع افتراضات حول الأفراد أو الشركات أو الأسواق عند نمذجة الاقتصاد.
600 مليار دولار استثمارات متوقعة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال 2026 - موقع 24تتجه شركات التكنولوجيا العالمية إلى ضخ أكثر من 600 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 وحده.

وأكدت أن الذكاء الاصطناعي قد يُتيح جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات حول منفعة الأفراد وعملية اتخاذ القرارات، لم تكن لتُتصور من قبل، مضيفة "بفضل توظيف الذكاء الاصطناعي، سيتمكن الاقتصاديون من محاكاة النظام الاقتصادي المعقد بدقة متناهية، بدلاً من الاعتماد على متوسطات السكان أو الفئات العمرية، أو البيانات المُستنبطة من عينات أصغر".
وتابعت: "سيمكن هذا الاقتصاديين من رصد المخاطر الناشئة بسرعة ودقة أكبر، وبدرجة لم تكن متاحة لهم من قبل".

مقالات مشابهة

  • في ذكرى رحيل سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة فنية خالدة صنعت تاريخًا من الإبداع
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • بيتكوفيتش: “هولندا اختبار حقيقي لنا.. ولا جدوى من الحديث عن المونديال الآن”
  • “حماس”: الحديث عن رفض الحركة تسليم الحكم في غزة أكاذيب مضللة والعدو الإسرائيلي وميلادينوف هما العقبة
  • أحمد سليمان : الحديث عن استبعاد الزمالك من دوري أبطال أفريقيا سراب
  • "مصر للطيران" الناقل الوطني المصري تواصل جسرها الجوي لعودة ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام
  • ثورة في أرسنال.. بطل الدوري الإنجليزي يعرض سبعة من لاعبيه للبيع
  • البابا تواضروس والأساقفة يوقعون وثيقة فيلم القدس الثانية تخليدًا لتاريخ دير المحرق | صور
  • الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة
  • بشير التابعي: ليس من حق أحد التدخل أو الحديث عن قائمة المنتخب