د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في عالمٍ مُضطربٍ يتسارع فيه كل شيء، تظل الصحة النفسية واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، لكنها غالبًا ما تُهمَل خلف ستار الأولويات الأخرى، ووفقًا لتقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية، يُعاني أكثر من مليار شخص حول العالم من اضطرابات نفسية مختلفة؛ أبرزها: القلق والاكتئاب والوسواس القهري؛ مما يجعلها في المرتبة الثانية كمسببات للإعاقة طويلة الأمد عالميًا.

هذه الاضطرابات لا يقتصر تأثيرها على المعاناة الفردية؛ بل تمتد لتشكل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن الاكتئاب والقلق وغيرها من الأمراض النفسية الأخرى تُكلف الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار أمريكي (أي 385 مليار ريال عُماني) تقريبًا سنويًا نتيجة انخفاض الإنتاجية وتزايد حالات التغيب عن العمل.

وتكشف الأرقام المعلنة حجم الأزمة وحدتها؛ حيث يُعاني حوالي 5.7% من البالغين حول العالم من مشاكل تتعلق بالاكتئاب والقلق والوسواس القهري وغيرها من الأمراض النفسية، مع ارتفاع هذه النسبة بين النساء مقارنة بالرجال؛ إذ تصل إلى 6.9% لدى النساء مقابل 4.6% لدى الرجال. أما القلق؛ مرض العصر، فيُعد من أكثر الاضطرابات شيوعًا في عالم اليوم، ويؤثر على جميع الفئات العمرية بلا استثناء. ورغم وجود علاجات وعقاقير فعّالة ومجربة، فإنَّ أكثر من 75% من المصابين في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لا يحصلون على أي دعم ورعاية نفسية، بسبب نقص الاستثمار في مجال تقديم خدمات الصحة النفسية وبسبب النظرة الاجتماعية السلبية للمريض النفسي (الوصمة الاجتماعية) وهو ما يدفعهم للتردد في الكشف عن معاناتهم أو اللجوء إلى المتخصصين طلبًا للعلاج والمساعدة. الأمر الذي يُودي إلى تعمق وتطور حالاتهم ومشاكلهم النفسية.

تأثير هذه الاضطرابات يتجاوز الصحة الفردية ليصل إلى بيئات العمل والإنتاج؛ حيث أكدت الكثير من الدراسات العلمية المنشورة أن الموظفين الذين يعانون من مشاكل نفسية يتغيبون عن العمل بمعدل يزيد بـ 3.5 مرات عن زملائهم الأصحاء، مما ينعكس سلبًا على الأداء والإنتاج المؤسسي. في هذا السياق، أظهرت تقارير دولية متخصصة أن كثير من الموظفين يعانون من أعراض نفسية تتراوح بين البسيطة والحرجة، في حين أنه أقل من 50% منهم يشعرون بأن مؤسساتهم تتعامل معهم بجدية أو تقدم لهم الدعم النفسي والعلاجي الكافي.

والدراسات العلمية في المجال الطبي أكدت أن الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب والوسواس القهري تؤدي إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر؛ مما يرفع احتمالية الإصابة بأمراض جسدية مثل الضغط والسكري والصداع النصفي وأمراض القلب والقولون العصبي. وتشير الأدلة الطبية إلى أن إهمال وتجاهل العلاج النفسي يُضعف المناعة ويزيد من الألم المزمن ويؤثر مباشرة في جودة الصحة البدنية.

وفي الواقع المشاهد، كم من مريض نفسي أنهى حياته بالانتحار، أو أثر سلبًا على حياة الآخرين من حوله بسبب حالته النفسية المعقدة، في وقت كان العلاج النفسي كفيلًا بمعالجة المشكلة من جذورها أو التخفيف من حدتها على أقل تقدير. فكثير من حالات الطلاق والعنف والتفكك الأسري تعود أسبابها إلى أمراض نفسية ووساوس قهرية ليست بالمستعصية في حقيقتها، لو تم الالتفات إليها في بداياتها والتعامل معها على يد خبراء وأطباء ومستشارين نفسيين وسلوكيين. وفي هذا السياق، تُشير الإحصائيات إلى أن حوالي 727 ألف شخص حول العالم يفقدون حياتهم سنويًا بسبب اللجوء للانتحار. وتؤكد المنظمات الصحية الدولية أن العديد من هذه الحالات كان يمكن إنقاذها واحتوائها لو تم تشخيص أعراضها في وقت مبكر وتلقت الرعاية والعناية اللازمة من الشخص المناسب وفي الوقت المناسب وفي المكان المناسب.

هذه الحقائق تفرض سؤالًا جوهريًا ومباشرًا: هل يمكننا الاستمرار في تجاهل الصحة النفسية؟ الإجابة واضحة؛ الاستثمار في الصحة النفسية وكسر وصمة المرض الاجتماعية ليس رفاهية، بل ضرورة وأولوية استراتيجية. إنه استثمار في الإنسان، في المجتمعات، وفي الاقتصادات، وفي المستقبل. ومع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالقلق والاكتئاب والوسواس القهري والأمراض النفسية الأخرى، يُصبح التحرك العاجل والمدروس لتوسيع نطاق خدمات الصحة النفسية، وتعزيز جهودها، وتبني سياسات وقائية وتوعوية أمرًا لا يحتمل التأجيل ولا المساومة. لذا، فليكن شعارنا جميعًا "نحو صحة نفسية مُستدامة للجميع".

باحث أكاديمي

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الهاتريك في كأس العالم.. قائمة أكثر اللاعبين تسجيلًا للثلاثيات

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم 2026، تتجدد الأحاديث حول أبرز الأرقام القياسية التي صنعت تاريخ المونديال، ويظل تسجيل "الهاتريك" أحد أكثر الإنجازات الفردية ندرة وإبهارا في البطولة الأكبر والاعرق فى تاريخ الساحرة المستديرة.

فعلى مدار تاريخ كأس العالم، شهدت البطولة تسجيل 54 ثلاثية فقط، وهو رقم يعكس صعوبة هذا الإنجاز في ظل قوة المنافسات والضغوط التي تحيط بالمباريات المونديالية.

أكثر اللاعبين تسجيلًا للهاتريك في كأس العالم

يتقاسم صدارة القائمة أربعة نجوم فقط نجح كل منهم في تسجيل "هاتريك" مرتين خلال مشاركاته في كأس العالم، ليصبحوا أكثر اللاعبين تحقيقًا لهذا الإنجاز التاريخي:

 ساندور كوتشيس (المجر) – هاتريكان

 جوست فونتين (فرنسا) – هاتريكان

 غيرد مولر (ألمانيا الغربية) – هاتريكان

 جابرييل باتيستوتا (الأرجنتين) – هاتريكان

ويبقى النجم الأرجنتيني جابرييل باتيستوتا صاحب الإنجاز الفريد، بعدما أصبح اللاعب الوحيد الذي سجل ثلاثيتين في نسختين مختلفتين من كأس العالم.

باتيستوتا.. صاحب الإنجاز الاستثنائي

افتتح باتيستوتا سجله التهديفي بثلاثية في شباك اليونان خلال مونديال الولايات المتحدة 1994، قبل أن يعيد الإنجاز نفسه بعد أربع سنوات في مونديال فرنسا 1998 عندما سجل "هاتريك" أمام جامايكا.

ومنذ ذلك الوقت لم ينجح أي لاعب في معادلة هذا الرقم الفريد عبر نسختين مختلفتين من البطولة.

أسرع هاتريك في تاريخ المونديال

يحمل المجري لاسلو كيس رقمًا استثنائيًا لا يزال صامدًا حتى الآن، بعدما سجل أسرع هاتريك في تاريخ كأس العالم خلال نسخة 1982.

ودخل كيس المباراة بديلًا أمام السلفادور، قبل أن يحرز ثلاثة أهداف خلال 7 دقائق و42 ثانية فقط، ليصبح اللاعب الوحيد في تاريخ البطولة الذي يسجل هاتريك كاملًا بعد مشاركته من مقاعد البدلاء.

هاتريك النهائيات.. هيرست ومبابي

شهدت المباريات النهائية للمونديال تسجيل هاتريكين فقط عبر التاريخ.

كان الأول بواسطة الإنجليزي جيف هيرست في نهائي كأس العالم 1966 أمام ألمانيا الغربية، ليساهم في تتويج منتخب بلاده باللقب الوحيد في تاريخه.

أما الثاني فجاء عبر الفرنسي كيليان مبابي في نهائي مونديال قطر 2022 أمام الأرجنتين، بعدما سجل ثلاثة أهداف كاملة، لكنه لم يتمكن من قيادة منتخب بلاده للاحتفاظ باللقب بعد الخسارة بركلات الترجيح.

أرقام تاريخية للهاتريك في كأس العالم

54 هاتريك تم تسجيلها في تاريخ كأس العالم.

4 لاعبين فقط سجلوا هاتريك مرتين.

باتيستوتا الوحيد الذي سجل ثلاثيتين في نسختين مختلفتين.

لاسلو كيس صاحب أسرع هاتريك في تاريخ البطولة (7 دقائق و42 ثانية).

جيف هيرست وكيليان مبابي اللاعبان الوحيدان اللذان سجلا هاتريك في المباراة النهائية.

من يسجل الهاتريك رقم 55؟

مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبًا في كأس العالم 2026 وارتفاع عدد المباريات، تبدو الفرصة متاحة أمام نجوم الجيل الحالي لكتابة أسمائهم في سجل ملوك الثلاثيات، وعلى رأسهم كيليان مبابي، إيرلينغ هالاند، هاري كين، وفينيسيوس جونيور.

ويبقى السؤال مطروحًا قبل انطلاق المونديال بأيام قليلة: من سيكون صاحب الهاتريك رقم 55 في تاريخ كأس العالم؟

مقالات مشابهة

  • أزمة أطباء أسوان .. النقابة العامة تطالب «الصحة» بتحويل إدارة التكليف للتحقيق
  • الكلاب الضالة قنابل بيولوجية تهدد الإنسان والثروة الحيوانية
  • الهاتريك في كأس العالم.. قائمة أكثر اللاعبين تسجيلًا للثلاثيات
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • أزمة تأشيرة تهدد مشاركة مهاجم منتخب سويسرا في كأس العالم 2026
  • ‎وزير الصحة: الاستثمار في القطاع الصحي يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة
  • علامات في رسومات طفلك قد تكشف ما يشعر به.. رسائل صامتة يتركها على الورق
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية