رزق تطلبه ورزق يطلبك
تاريخ النشر: 12th, March 2025 GMT
سالم البادي (أبو معن)
اختص الله سبحانه وتعالى ذاته بأمر الرزق وتيسيره، فالأرزاق كلها بيده وحده، فهو خالق الأرزاق، وموصلها إلى خلقه، وخالق أسباب التمتع بها؛ فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو مولاها وواهبها، قال تعالى: {فَابتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزقَ واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} (العنكبوت: 17).
الأرض التي نعيش عليها غنية بما فيها من أنواع العيش المختلفة ولا يزال البشر يكتشفون من المعايش التي أودعها الله فيها، وفيما يخرج من زرعها، وفي الدواب التي بثها، الثروة الحيوانية، وفي البحر الذي تستخرجون منه لحمًا طريًا، وما فيه من كائنات بحرية، وفي الجبال وما أنزل الله فيها من معادن كثيرة (حديد، ذهب،فضة، نحاس، ..الخ ) قال تعالى: {وَلَقَد مَكَّنَّاكُم فِي الأَرضِ وَجَعَلنَا لَكُم فِيهَا مَعَايِشَ}(الأعراف: 10)
إن ما يحدث في العالم من مجاعات واحتباس المطر فإنما هو بذنوب العباد، وبظلم بعضهم لبعض، وتسلط بعضهم على بعض، وإلا فإن في الأرض ما يكفيهم وزيادة للعيش فيها بعدالة وكرامة.
حكمة الله تعالى اقتضت برزق الكافر والمؤمن، يرزق جميع الناس من أهل الإيمان، وأهل الضلال، وقد يزيد أهل الضلال والجهل في الرزق، ويوسع عليهم في الدنيا، ويضيق على أهل الإيمان والصلاح، قال تعالى: {وَلَولَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلنَا لِمَن يَكفُرُ بِالرَّحمَٰنِ لِبُيُوتِهِم سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِم أَبوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا ۚ وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلمُتَّقِينَ}(الزخرف).
والسعي في طلب الرزق أمرٌ حضّ عليه الشّرع ببذل الأسباب الموصلة إليه، والتوكلّ على الله بعد ذلك، وجعل الله تعالى للرزق قوانين لا تتغير ولا تتبدل، من اتبعها نال الرزق منه سبحانه، وأول هذه القوانين أن الرزق يحتاج إلى سعي وطلب، قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرضِ وَابتَغُوا مِن فَضلِ اللَّهِ وَاذكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} (الجمعة: 10).
ولقد عمل الأنبياء ولم ينتظروا مجيء الرزق إليهم، وإنما أكلوا من عمل أيديهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"، قال تعالى: {وَما أَرسَلنَا قَبلَكَ مِنَ المُرسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُم لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمشُونَ فِي الأَسوَاقِ}(الفرقان: 20).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان آدم عليه السلام حراثًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرًا، وداود حدادا، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة".
ويقول سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه: "الرزق نوعان، رزق تطلبه ورزق يطلبك. فأما الذي يطلبك فسوف يأتيك ولو على ضعفك، وأما الذي تطلبه فلن يأتيك إلا بسعيك، وهو أيضًا من رزقك، فالأول فضل من الله والثاني عدل من الله".
قد يخرق الله العادة، ويرزق عبدًا من عباده، بلا سبب ولا سعي، معجزة لنبي، أو كرامة لولي؛ فهذه الدنيا الفانية يعطيها الله لمن يحب، ومن لا يحب: أعطاها لقارون وهو لا يحبه، وأعطاها لعبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل وهو يحبه.. أعطاها لفرعون وهو لا يحبه، وأعطاها لسيدنا سليمان وهو يحبه.. فهذه الدنيا لا يمكن أن تكون مقياس لمحبة الله، أو عدم محبته. فقد تكفّل اللهُ بالرزق لعباده سواءً بذلك من آمن منهم أو من كفر به، إلّا أنّ رزق الله لعباده المؤمنين يختلف عن ذلك الرزق الذي يأتي لأيّ إنسان.
قال الله تعالى: {أَيَحسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُم فِي الخَيرَاتِ بَل لاَّ يَشعُرُونَ} (المؤمنون: 55).
الله سبحانه يرزق الجميع، ولكنه قد يزيد أهل الضلال والجهل في الرزق، ويوسع عليهم في الدنيا، وقد يقتر على أهل الإيمان، فلا يظن أن العطاء والزيادة دليل المحبة والاصطفاء، فكثرة الرزق ليست دليلًا على محبة الله؛ لأنّ الإنسان يرى أحيانًا رزقًا كثيرًا بيد أهل الضلال والجهل، ورزقًا قليلًا مع أهل الإيمان،
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحنَا عَلَيهِم أَبوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذنَاهُم بَغتَةً فَإِذَا هُم مُبلِسُونَ} (الأنعام: 44).
الإكثار من الرزق والمال ليس حرامًا، وما العيب في ذلك؟! ومن كمال الدعاء: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة: 201).
وهناك عدد من الطاعات جاءت الأدلة بأنها تستجلب الرزق وتكون سببا في نزول البركة، ومنها:
الاستغفار: قال تعالى: {فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِّدرَارًا وَيُمدِدكُم بِأَموَالٍ وَبَنِينَ وَيَجعَل لَّكُم جَنَّاتٍ وَيَجعَل لَّكُم أَنهَارًا} (نوح: 10-12)، فالاستغفار، والذكر، سببٌ في سعة الرزق، ونزول الغيث، وكثرة المال، والزرع.
وفي الحديث عنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "مَن أكثَر الاستغفار جعَل الله له مِن كل همٍّ فرَجًا، ومِن كل ضِيق مخرجًا، ورزقه مِن حيث لا يحتسب".
كذلك من الطاعات التي تجلب الرزق هو الإكثار من الصدقة، قال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} (سبأ: 39).
ولما أمر سبحانه بالصدقة حذرنا من مكر الشيطان الذي ينهانا عن الصدقة فقال جل شأنه: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغفِرَةً مِنهُ وَفَضلًا} (البقرة: 268).
والتبكير في الخروج لطلب الرزق كذلك من اسباب استجلاب الرزق، فقد كان رسول الله إذا أراد أن يُخرج جيشًا أو سريّةً، يخرجهم في أوّل النهار، روي عن عبد الله بن عمر أنّ النبي -صلّى الله عليه وآله وسلّم- قال: "بُورِكَ لأُمَّتِي في بُكورِها".
كما إن صلة الرحم سبب آخر لاستجلاب الرزق، روى البخاري ومسلم عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ: "مَن سَرَّهُ أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ أَو يُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحِمَهُ".
والزواج الحلال يجلب الرزق، فربُّ العزة وعد بإغناء الفقير بتزويجه، فقال عز من قائل: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور: 32)، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "رغَّبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعَدهم عليه الغنى".
بلا شك أن تقوى الله- عز وجل - في السر والعلن من أسباب جلب الرزق قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ} (الطلاق: 2- 3).
أيضًا الحفاظ على أداء الصلوات تجلب الرزق، حيث يقول الله تبارك وتعالى: {وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصطَبِر عَلَيهَا لا نَسأَلُكَ رِزقًا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى} (طه: 132).
والتوكل على الله كذلك يصب عليك الرزق صبا، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ} (الطلاق: 3).
ولو أجريتَ معادلة بين الناس لوجدتَ مجموع كل إنسان يساوي مجموع كُلِّ إنسان، بمعنى أنك لو أخذتَ مثلًا: الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة والجاه والمنزلة ... الخ لوجدت نصيب كُلٍّ منّا في نهاية المعادلة يساوي نصيب الآخر، فشخص يزيد في القوة، وأخر يزيد في العلم، وهكذا ...
لأننا جميعًا عبيدٌ لله، والله عادل في تقسيم الأرزاق.
فكيف تخاف الفقر والله رازقًا
فقد رزق الطير والحوت في البحر
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوةٍ
ما أكل العصفور شيئًا مع النسر
سماع كلمات المحبطين، والمثبطين والفاشلين والحاقدين والحاسدين لا تغني ولا تسمن من جوع، بل السعي نحو طلب الرزق والتوكل على الله وعدم انتظار الفرص هو مفتاح السعادة وتحقيق الطموحات وهو طريق النجاة من الفشل والألم النفسي وضياع العمر.
والفرق بين الناجح والفاشل هو السعي.
يقول الشاعر:
لا تعجلنَّ فليس الرزق بالعجل
الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا
لكنه خُلق الإنسان من عجل.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني
أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون أول زيارة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب منذ 17 عاما، وهنا يجب أن نشير إلى أن ركيزة السياسة الأمريكية تسند للمصلحة، وهي ركيزة ينبغي للجميع إدراكها تماما، وأحسب أن أكثر من يعيها هم حلفاء أمريكا على امتداد هذه المنطقة، وقد نوه إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عندما قال:"المتغطي بالأمريكان عريان".
فكل ما تبتغيه أمريكا في هذه المنطقة هو مصالحها، تليها بالتبعية مصلحة إسرائيل، ومن يظن خلاف ذلك فهو مخطئ تماما. فالمسألة هنا لا تقف عند حدود الشعار، ولا تنطلق من أبعاد أيديولوجية أو قومية معينة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالقراءات التاريخية لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة.
حقيقة الموقف الأمريكي من السيادة اللبنانية
القول إن لقاء الرئيسين اللبناني والأمريكي يثبت ثقة واشنطن بسيادة لبنان ومساعدتها له، يجافيه الواقع؛ فواشنطن لا تثق بأحد، بل تبتغي حلفاء كالموظفين لتنفيذ إملاءاتها. وما تضخيم تصريح ترمب بأن الرئيس اللبناني: "عرف كيف يخاطبني وسأعطيه ما يشاء" إلا ادعاء باطل؛ فلو صدق، لطالب بانسحاب إسرائيل، ولما اكتفى بكلمة "لنرى" ردا على اعتداءاتها على الجيش اللبناني، متجاهلا بيانات الإدانة الرسمية.
هذا يبرهن وضوح السياسة الأمريكية؛ فالمراهن على كسب ثقتها واهم، ولو أتاها زاحفا. وتاريخهم شاهد على ذلك؛ بدءا من تصريحات "أورتاغوس" الشاكرة لإسرائيل لقتلها اللبنانيين، مرورا باعتبار "توم براك" لبنان دولة فاشلة ينبغي ضمها لسوريا، وصولا لوصف "شولتس" لبيروت بـ"مدينة الطاعون" إبان الاجتياح. تلك حقائق تؤكد استمرارية النهج الأمريكي في لبنان منذ عقود.
عقبات السيادة والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة
هل يثبت هذا اللقاء ثقة واشنطن بقدرة الدولة اللبنانية؟ الواقع أن سيادة لبنان صودرت بالاحتلال الإسرائيلي ووصايات متعددة حظيت بغطاء أمريكي تاريخي، لتغدو الوصاية الأمريكية اليوم هي الحاكمة. فإن أرادت أمريكا حقا استعادة هذه السيادة، فليكن بوقف العدوان فعليا، لا بوقف مزيف لإطلاق النار؛ فمنذ 27 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته، مرتكبا جرائم واغتيالات طالت المدنيين والمقاومين، وسط صمت مطبق من واشنطن وباريس رغم صفتهما كضامنين.
إعلانواليوم، يتكرر المشهد ذاته مع "اتفاق الإطار" -الذي تحفظت عليه المقاومة وقوى لبنانية- إذ تواصل إسرائيل غاراتها جنوبا، مختلقة ذرائع واهية كقضية "تلة علي الطاهر" لتبرير انتهاكاتها المستمرة للاتفاق.
في الواقع، لم يثمر لقاء الرئيس اللبناني بترمب عن أي مكسب حقيقي، وما تصريحات الأخير سوى وعود جوفاء لا رصيد لها من الواقع.
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة
السيادة تتجاوز مطار بيروت
هل يجسد استئناف الرحلات المباشرة اعترافا أمريكيا بكفاءة الأمن اللبناني؟ الحقيقة أن واشنطن هي المهيمنة الفعلية على المطار والمرافق الحدودية. وما يشاع عن سيطرة "حزب الله" تفنده الوقائع؛ فتفتيش حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين (كـ"لاريجاني")، خلافا للأعراف الدولية، يدحض هذه المزاعم تماما.
إن تشديد الإجراءات الأمنية في مطار بيروت لتبلغ مستويات قياسية عالميا، لا يعكس حضورا للسيادة الوطنية، بل يبرهن على خضوع المطار والمرفأ لوصاية أمنية أمريكية باتت مكشوفة للعيان.
وعليه، فإن السيادة لا تختزل في إدارة المرافق، بل تتحقق فعليا عبر دحر الاحتلال المتمثل في انسحاب العدو الإسرائيلي ووقف عدوانه بالكامل. وكذلك استقلالية القرار المتجسدة في حرية الدولة في قراراتها بمساندة دولية مجردة من الإملاءات.
ومن ينشد السيادة، الأجدر به ألا يقترف هذا الخطأ البروتوكولي، كأن يسعى رئيس الدولة لزيارة وزير خارجية البلد المضيف في مقره، بدلا من أن يقصده الوزير، وهو تجاوز تجاهله الرئيس اللبناني تماما في زيارته الأخيرة.
دور المقاومة وعقيدة الجيش اللبناني
هل يسقط انتشار الجيش مبرر المقاومة؟ إن وجود المقاومة مرهون بالاحتلال والعدوان، وبزوالهما تنتفي الحاجة إليها؛ إذ نشأت كبديل لجيش حالت الانقسامات اللبنانية دون قيامه بواجب الحماية.
تاريخيا، روج اليمين لمقولة "قوة لبنان في ضعفه" لعزله عن محيطه العربي والقضية الفلسطينية. لكن الوقائع دحضتها؛ فإسرائيل لم تحيد لبنان يوما. ورغم نأيه الرسمي عن الحروب العربية، اجتيح لبنان عام 1978، وتعرض لاعتداءات ومجازر سافرة منذ عام 1948 (مرورا بأعوام 68 و69 و73)، أي قبل توقيع "اتفاق القاهرة" ووجود المقاومة الفلسطينية، مما يؤكد أن الجيش لم يتول الدفاع عن البلاد قط.
أما اليوم، فلا يراد للجيش أن يواجه العدو، بل يسعى للعبث بعقيدته القتالية وإخضاعه لوصاية أمريكية-إسرائيلية مبطنة عبر "اتفاق الإطار" و"المناطق التجريبية". ولأن الجيش اللبناني يرفض هذه التبعية، تتعرض قيادته وقائده لحملات استهداف ممنهجة.
موقف حزب الله وتطلعاته
وفي نقاش مع أحد قياديي حزب الله حول ما يسمى بـ"المناطق التجريبية"، استنكر الأمر متسائلا: "كيف تخضع قرية محررة لتجارب يمليها الإسرائيلي؟ وهل هذا هو الدور المراد للجيش؟". ورغم ذلك، يثق الحزب بالجيش اللبناني، ويرى أن رؤيته أوعى بكثير من السلطة السياسية؛ فالمقاومة والجيش نسيج وطني واحد، وتجمعهما رابطة الأخوة والدم.
إعلانيتبنى حزب الله حاليا إستراتيجية الترقب الحذر لمجريات الأحداث خطوة بخطوة، متجنبا الخوض في السجالات أو إطلاق المواقف الاستباقية. وهو يكتفي بثوابته المعلنة: الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع العدو، واعتبار "اتفاق الإطار" انحيازا جليا لإسرائيل. ويوقن الحزب تماما أن العدو الإسرائيلي -كما عودنا تاريخيا- سينكث بأي اتفاق، حتى وإن كان يحقق مصالحه.
تريدوننا بلا سلاح؟
لا ينتفي مبرر وجود المقاومة بمجرد انتشار الجيش، بل هو مرهون بانسحاب إسرائيلي شامل، ووقف قاطع للعدوان مع ضمانات أكيدة بعدم تكراره؛ فلبنان لا يزال تحت تهديد إسرائيلي مستمر.
لذا، يعد تسليم السلاح استنادا لوعود باتفاق مرتقب مجازفة خطيرة؛ إذ يجب أن يخضع هذا الملف لتوافقات وطنية خالصة لا لإملاءات خارجية. وهذا الموقف راسخ لدى حزب الله، ولن يزحزحه اشتداد الضغوط أو الحصار.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار
حزب الله والسلم الأهلي
سلاح المقاومة كما يؤكد حزب الله، وسيلة لغاية وليس غاية مقدسة بذاتها؛ لذا لا يمانع الحزب إقرار "إستراتيجية دفاع وطني" توافقية، تخضع بالكامل لإمرة الدولة اللبنانية سياسيا وعسكريا.
أما اختزال استعادة السيادة بانتشار الجيش وحده، واعتبار السلاح منتقصا لها، فمقاربة تجافي الواقع اللبناني. ورغم الانفتاح على مناقشة ملف السلاح ضمن حوار داخلي بحت فإن نزعه كشرط إسرائيلي للانسحاب دونه استحالة قاطعة.
إن الزعم بضعف المقاومة وتسهيل الانقضاض عليها واهم؛ فهي ليست عدوا داخليا، بل محررة الأرض وصانعة الانتصار بدماء أبنائها. لذا، من المعيب التفكير بالاستعانة بالخارج أو بالجيش لضربها. فالمقاومة ليست مجرد فصيل يستأصل، بل هي شعب راسخ وفكرة عصية على الاقتلاع.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار؛ إذ إن الكلمة الفصل تعود لأصحاب الأرض والدم والتضحيات، ولا تصادر إرادتهم بجرة قلم سياسي.
كما تكتنف "اتفاق الإطار" شبهات دستورية وقانونية تجعله فاقدا للشرعية ومحط جدل مستمر، رغم توقيعه ديبلوماسيا ونفي إبرامه نهائيا. وعليه، فإن اندفاع الرئيس لإرساء سلام مع العدو مرفوض ولن يمر، ولن تسعفه أي أكثرية نيابية هشة في تشريع ملف سيادي بهذه الخطورة.
مستقبل المقاومة
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة، مستندة إلى عقلها الإستراتيجي وتماسها الجغرافي المباشر مع الكيان الإسرائيلي في بلد صغير كلبنان.
وعليه، فإن الزعم بضعفها الوجودي يجافي المنطق والتاريخ، والمستقبل كفيل بإثبات تعاظم قوتها. وفي هذه الأثناء، تترقب المقاومة المشهد الإقليمي بيقين تام بأن ثبات إيران سيكسر المشروع الأمريكي ويجبر واشنطن على التفاوض، لتطرح طهران حينها "البند اللبناني": الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline