الجزيرة:
2026-07-24@03:58:36 GMT

خيارات قاسية تنتظر الدعم السريع

تاريخ النشر: 26th, March 2025 GMT

خيارات قاسية تنتظر الدعم السريع

مع الانهيار الدراماتيكي لقوات الدعم السريع، الذي يمكن التأريخ له بصبيحة يوم الجمعة الماضية 21 مارس/ آذار 2025، عندما استطاع الجيش السوداني والقوات المساندة له استعادة القصر الرئاسي، وفرض سيطرته الكاملة عليه وعلى محيطه، وما تلا ذلك من هروب واسع لما تبقّى من قوات الدعم السريع من جنوب غرب العاصمة الخرطوم، ميمّمين نحو كردفان، ومن ثم إلى دارفور، مع هذا الانهيار تصبح الطريق سالكة إلى حدٍّ كبير أمام الجيش السوداني لاستكمال النصر على تمرّد قوات الدعم السريع.

حيث فقدت كل الأراضي التي كانت تحت سيطرتها منذ بداية الحرب، ما عدا مدن الجنينة في غرب دارفور، ونيالا بجنوب دارفور، وأجزاء صغيرة من شمال دارفور، خاصة في محيط مدينة الفاشر التي تحاول الدعم السريع اقتحامها والسيطرة عليها منذ أشهر لكنها لم تستطع.

وهي تراهن على الاستيلاء على هذه المدينة لبسط سيطرتها الكاملة على إقليم دارفور لإعلان الحكومة الموازية فيه تمهيدًا لفصل الإقليم، أو على الأقل تعزيز قدراتها الهجومية بالإقليم لاستئناف الأعمال العدائية ضد الجيش والحكومة المركزية.

ويُشير انهيار قوات الدعم السريع، وتسارع وتيرة هذا الانهيار بعيد سيطرة الجيش السوداني على القصر، إلى أن القوة المركزية الصلبة للدعم السريع كانت متمركزة بشكل أساسي في القصر الرئاسي ومحيطه، في دائرة يُمثّل موقع القصر الرئاسي فيها المركز.

إعلان

وبانهيار هذه النقطة، انفرط العقد وتداعَت بقية القوات المنتشرة حول هذا المحيط أمام ضربات الجيش السوداني والقوات المساندة له، ونيرانها الكثيفة عليها من المسافة صفر، مما خلّف أعدادًا كبيرة من القتلى والمصابين والأسرى، والفارين خارج هذا المحيط نحو الجنوب الغربي من العاصمة.

ويُعزّز من هذه الفرضية بأن القوة الصلبة للدعم السريع كانت تتمركز في هذا المحيط، ما تم الكشف عنه بواسطة الجيش السوداني من مخازن للأسلحة الثقيلة النوعية والحديثة، وأجهزة التشويش المتقدّمة التي تم العثور عليها في مقارّ مختلفة داخل محيط القصر الرئاسي، حيث يقول خبراء عسكريون إنها كانت كفيلة بتمكين قوات الدعم السريع من صدّ أي هجوم عليها مهما كان حجمه، واستمرار بقائها في هذه المنطقة لوقت أطول.

لكن ذلك لم يحدث، بل جاء الانهيار سريعًا ومفاجئًا للجميع، بالنظر إلى تأكيدات قائد الدعم السريع حميدتي قبل أيام قلائل من سقوط القصر في أيدي الجيش، أن قواته لن تخرج من القصر الرئاسي، وأن الجيش لن ينتصر في معركة القصر، وأن هناك مفاجأة قد أعدّتها قواته للجيش.

وهو ما يثير التساؤلات حول السبب وراء ذلك الانهيار السريع: هل هو انعدام أو ضعف كفاءة عناصر الدعم السريع في استخدام هذه الأسلحة النوعية المتقدمة؟ أم الحصار الذي ضربه الجيش السوداني على هذه القوات قبل الهجوم على القصر بأسابيع كان له الأثر الحاسم بانقطاع الإمدادات من المؤن الغذائية؟ أم كل تلك الأسباب مجتمعة أدّت إلى الانهيار الكبير، وأن وعيد قائد الدعم السريع كان مجرد حديث لرفع الروح المعنوية لقواته وهي تتأهب لصدّ هجوم الجيش؟

أيًا كان الأمر، فالواقع على الأرض يقول إن قوات الدعم السريع قد تلقّت هزيمة نكراء، وفقدت موقعًا مهمًا كان يمنحها وجودًا نوعيًّا في موضع القلب من السودان، وقد وصفت الخارجية الأميركية استعادة الجيش السوداني للقصر الرئاسي بالحدث المهم في مسار الحرب في السودان.

إعلان

وبهذا، يكون قد انطوى فصلٌ مهم من فصول الحرب التي امتدت لعامين، ويتبقى الفصل الأخير منها، والذي سيكون مسرحه إقليم دارفور.

وبقراءة للمشهد الحالي على الصعيد العسكري، وما لم تحدث متغيرات أو تستجد مستجدات تقلب ميزان القوة العسكري الراهن ما بين قوات الدعم السريع من جهة، والجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة أخرى، وتحركه في اتجاه غير الذي هو عليه الآن، فإن استمرار الجيش السوداني في تكبيد الدعم السريع الخسائر، وإلحاق مزيد من الهزائم بها، هو الراجح والمتوقّع لعدة أسباب:

أولًا: فقدت قوات الدعم السريع في معركة الخرطوم الكثير من عناصرها، والكثير أيضًا من عتادها العسكري، إلى جانب فقدانها مواقع إستراتيجية مهمة كانت تستخدمها كمنصات لقصف مواقع الجيش والمواقع المدنية الحيوية في العاصمة والولايات، وذلك عبر المدافع والطائرات المسيّرة. بالمقابل: غنم الجيش السوداني معدات وآليات عسكرية، وأسلحة ثقيلة وخفيفة، ومنظومات تشويش حديثة كانت تمتلكها قوات الدعم السريع، فضلًا عن ارتفاع الروح المعنوية لأفراد الجيش والقوات المساندة له، وتصميمهم على الاستمرار في المواجهة والقتال في آخر معاقل الدعم السريع.

فقدان الدعم السريع مضادات الطيران ذات الفاعلية لوقف هجمات سلاح الطيران، الذي ستكون له اليد العليا في معركة دارفور، حيث ستكون قوات الدعم السريع مكشوفة بالكامل لطيران الجيش السوداني، وهدفًا سهلًا له.

مع انتهاء معركة الخرطوم، انتهت حرب المدن التي كان للدعم السريع فيها تفوّق نسبي، بسبب الطبيعة القتالية لهذه القوات التي تقوم على تكتيك "اضرب واهرب" Hit and Run، والحركة السريعة، والاختباء في الأعيان المدنية، واتخاذ المدنيين دروعًا بشرية، واعتماد هذه القوات على ما يُعرف عندها بـ(الفزع).
وهذا النوع من القتال يُعيق حركة الجيوش النظامية المحترفة، التي تدربت على الحروب النظامية التي تكون بين الدول، وتُستخدم فيها كافة الأسلحة والقوى المميتة. وبخروج المواجهات خارج العاصمة، فقدت الدعم السريع هذه الميزة تمامًا. قوات الكفاح المسلح في دارفور، أو ما تُعرف حاليًا بـ (القوات المشتركة)، التي تقاتل تحت إمرة الجيش السوداني، لها خبرة واسعة وكبيرة في حرب الصحراء، بحكم تمرّسها الطويل لأكثر من عشرين عامًا في خوض هذا النوع من الحروب، وهي الخصم الأكبر لقوات الدعم السريع.
هذه القوات، المسنودة بقيادة الجيش، تستطيع حسم المعركة في وقت وجيز، فهي تعرف جيدًا طريقة الدعم السريع في القتال، فضلًا عن إحاطتها بجغرافيا وتضاريس دارفور.
وقد حاولت قيادات رفيعة في قوات الدعم السريع في وقت سابق استمالة هذه القوات إلى صفّها أو تحييدها بوعود مغرية بشأن السلطة والثروة، تفاديًا لمواجهتها، ولكن لم يُجْدِ ذلك نفعًا. بالنسبة للجيش السوداني، فإن المرحلة الأصعب قد انقضت بانتصاره فيها، وأن ما تبقّى له هو الأسهل، بينما العكس صحيح بالنسبة لقوات الدعم السريع، فإن المرحلة الأسهل انتهت بهزيمتها، وما تبقّى لها هو الأصعب. هذه هي المعادلة الراهنة. إعلان

وهكذا، أصبحت كل الخيارات أمام قوات الدعم السريع، وهي تتأهب لخوض آخر المعارك، صعبة؛ فإما أن تخوضها بوضعها الراهن الضعيف، والنتيجة الراجحة هي الهزيمة، وإما أن تستسلم، وإما أن تعبر الحدود الغربية إلى خارج السودان.
وكل هذه الخيارات عنوانها العريض هو: (الهزيمة).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات رمضان قوات الدعم السریع الدعم السریع فی الجیش السودانی القصر الرئاسی هذه القوات

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • وول ستريت جورنال: ترامب لا يرى خيارات جيدة سوى مواصلة الضربات ضد إيران
  • الجنائية الدولية تسقط الدعوى ضد زعيم إحدى الميليشيات في دارفور
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • كبار السن في أمان القانون.. عقوبات تنتظر من يهمل أو يستغل المسن
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • كيف غيرت ثورة 23 يوليو وجه مصر: من القصر إلى الجمهورية؟
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية