الأحزاب السياسية بين الأمانة الوطنية وامتحان المصداقية
تاريخ النشر: 3rd, August 2025 GMT
في الزمن السياسي الراهن، لم يعد بالإمكان الحديث عن الفعل الحزبي بنفس المفردات القديمة، ولا بنفس الإيقاع التقليدي الذي طبع الحياة السياسية لعقود. لقد مرّت البلاد بتجارب حزبية وسياسية متعددة، كشفت الكثير من الأعطاب والاختلالات، ووضعت الأحزاب أمام مرآة حقيقية لا مجاملة فيها. واليوم، لم تعد شرعية الوجود كافية، بل أصبح المطلوب هو شرعية الأداء والنجاعة والمصداقية.
من الخطاب الملكي إلى مسؤولية الفعل
في أكثر من خطاب، شدد جلالة الملك محمد السادس على أن الأحزاب السياسية مدعوة إلى التجديد والتفاعل الواقعي مع قضايا المواطنين، ليس فقط عبر الشعارات، بل من خلال الالتصاق الحقيقي باليومي، بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بفئات واسعة من الشعب، وبخاصة الشباب والنساء. وقد عبّر الملك في خطابه بمناسبة افتتاح البرلمان (أكتوبر 2022) عن ضرورة أن ترتقي المؤسسات الحزبية إلى مستوى التحديات، داعياً إلى « تعزيز الثقة، وترسيخ روح المسؤولية، والرفع من نجاعة السياسات العمومية ».
إنها رسالة واضحة لا لبس فيها: المرحلة تتطلب أحزاباً جديدة في الروح، لا بالضرورة في الأسماء؛ أحزاباً تمتلك مشروعاً مجتمعياً لا يُفصّل فقط في البرامج، بل يُترجم في أسلوب العمل، في سلوك القادة، وفي القرب من المواطن الذي أنهكته الوعود.
شباب تائه ونساء مهمشات: لمن يرفع الحزبيون صوتهم؟
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه المشهد الحزبي اليوم، هو عجزه عن مخاطبة فئات عريضة من المجتمع المغربي. فالشباب، الذي يشكل أكثر من ثلث سكان المملكة، ما يزال يشعر بالاغتراب عن الحياة السياسية، ويرى في الأحزاب كيانات مغلقة تُعيد إنتاج النخب نفسها. أما النساء، ورغم التقدم التشريعي المحسوب، فما زلن محرومات من الكثير من الحقوق الفعلية، سواء في المشاركة السياسية أو في الولوج المتساوي للفرص.
وإذا لم تستطع الأحزاب أن تخاطب هؤلاء بلغتهم، أن تلامس آمالهم وآلامهم، وأن تقنعهم بجدوى الفعل السياسي، فإنها ستبقى مجرد ديكور انتخابي لا أكثر. الأحزاب اليوم مطالبة بخطاب واقعي لا تجميلي، عميق لا مناسباتي، يعبّر عن أزمة أمة تبحث عن أمل، لا عن كراسي ومناصب.
نحو « أحزاب القرب والصدق والنزاهة »
المرحلة تتطلب أحزاباً تشبه المواطنين، لا تترفّع عنهم؛ أحزاباً يشتغل فيها رجال ونساء يؤمنون بقدسية العمل السياسي، لا بمنفعيته. علينا أن نعيد تعريف الحزب، ليس كمقر ومطبعة وملصقات، بل كفضاء تعبئة جماعية، وتكوين سياسي، ومشروع وطني مستدام. الأحزاب التي لا تمتلك مصداقية، ولا تقدر على الإقناع، هي أحزاب فاقدة للشرعية المعنوية مهما كانت قوتها الانتخابية.
لقد تعب المواطن من الخطابات الباردة، من الوعود الجوفاء، من السياسة التي لا تُغيّر شيئاً في واقعه. وإذا لم تنتبه الأحزاب إلى هذا المزاج الشعبي، فإنها ستكون أولى ضحايا اللامبالاة السياسية التي تتفشى بصمت، ولكن بخطورة.
السياسة بوصفها رسالة نبيلة لا مهنة
ليس المطلوب اليوم أحزاباً كثيرة، بل أحزاباً وازنة؛ ليس مطلوباً وجوهاً لامعة، بل ضمائر يقظة. إن الوطن اليوم في حاجة إلى سياسيين لا يخافون من الحقيقة، ولا يهربون من المسؤولية، ولا يستهلكون الوطن من أجل الحزب، بل يذوبون في خدمة الوطن من خلال الحزب.
المصدر
المصدر: اليوم 24
إقرأ أيضاً:
تجمع الأشراف يرفض «المتاجرة السياسية» بإقليم فزان وأهله
أكد رئيس “تجمع الأشراف للاستقرار والسلام” والناشط السياسي والمجتمعي بإقليم فزان، المهدي الشريف، أن الإقليم التاريخي وأهله الشرفاء لن يكونوا يوماً مطيةً للمشاريع الفردية أو التلميع السياسي، مشدداً على رفض أي محاولات لاستغلال اسم فزان في صفقات أو اصطفافات سياسية ضيقة.
وأوضح الشريف، في تصريح خاص لشبكة “عين ليبيا”، تعليقاً على البيانات الأخيرة الصادرة بشأن المشهد السياسي في الجنوب، أن البيان الصادر مؤخراً، والذي يزعم دعم جهات أو شخصيات بعينها، لا يعبر إطلاقاً عن إقليم فزان ولا يمثل إلا أصحابه والموقعين عليه فقط، وأن فزان ولاّد بالنخب الوطنية والكفاءات القادرة على تمثيله سياسياً بكل نزاهة واقتدار، بعيداً عن الارتهان والمتاجرة.
تاريخ مشرف وإرادة غير قابلة للمساومة
وأضاف المهدي الشريف أن إقليم فزان – الذي ساهم أجداده المجاهدون ورجاله الصادقون في تأسيس وتوحيد الدولة الليبية دون طمع أو ارتشاء – يمتلك إرادة أصلية ملكاً لأبنائه وبسطائه فقط، وهم الأقدر على إدارة شؤونهم وتمثيل أنفسهم، رفضا لأي وصاية أو محاولة لتسقيف تطلعاتهم.
التمييز بين حماية الوطن واستغلال التضحيات
وفي سياق متصل، ثَمَّنَ الشريف الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية وأبناء الجيش الوطني في فرض الأمن وتأمين الجنوب الليبي، واصفاً ذلك بالواجب الوطني الذي لا ينكره إلا جاحد.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة الفصل التام بين أداء الواجب الأمني والمتاجرة السياسية، قائلاً: “إن تضحيات أبنائنا في القوات المسلحة لحفظ أمن ليبيا وشعبها هي مسؤولية وطنية جليلة، وليست كرتًا للتجيير أو الاصطفافات الفردية أو المتاجرة بمواقف الإقليم”.
واختتم رئيس تجمع الأشراف للاستقرار والسلام تصريحه لـ”عين ليبيا” بالترحم على أرواح شهداء الوطن والمجاهدين الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض والأهل، مؤكداً على ثوابت أهل الجنوب في الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها.
آخر تحديث: 23 يوليو 2026 - 17:34