بطولة العالم بسنغافورة أفضل المحطات.. وأحلم بالتواجد في أولمبياد 2028
تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT
حاوره - وليد أمبوسعيدي
يمثل السباح الشاب علي الحسني نموذجا مشرقا لجيلٍ جديد من الرياضيين العُمانيين الذين يصنعون طريقهم بإصرار وعزيمة نحو العالمية، فمنذ أن خطا أولى خطواته في عالم السباحة وهو في السابعة من عمره، لم يكن يدرك أن تلك الدروس البسيطة في المسبح ستتحول إلى بداية حلم كبير يحمل اسم عمان، ومع مرور السنوات، تدرج الحسني بهدوء وثبات، متنقلا بين المشاركات المحلية والخارجية حتى أصبح أحد أبرز الوجوه الواعدة في رياضة السباحة، ولم يكن الطريق سهلا، فبين فترات التحدي والنجاح، واجه الحسني مراحل من الصبر والعمل الجاد، حتى جاءت اللحظة التي كلل فيها جهده بالفوز بالميدالية البرونزية في دورة الألعاب الخليجية الأولى للشباب، قبل أن يكرر الإنجاز في بطولة الخليج التاسعة والعشرين، ويخوض تجربة استثنائية في بطولة العالم للسباحة في سنغافورة، حيث احتك بأفضل السباحين في العالم في مشهد لا ينسى بالنسبة له.
خلال هذا الحوار، يروي علي الحسني لـ«عُمان» تفاصيل رحلته الطويلة منذ طفولته وحتى اليوم، كاشفا عن ساعات التدريب الشاقة، وتقلبات تجربته مع المنتخب الوطني، ورؤيته لواقع السباحة العُمانية واحتياجاتها المستقبلية، كما يتحدث عن طموحاته الكبيرة في بلوغ أولمبياد لوس أنجلوس 2028 وتمثيل سلطنة عُمان في المحافل العالمية، وعن الجوانب الشخصية التي تشكل توازنه الإنساني بعيدا عن المسبح.
قصة البداية
بدأ السباح علي الحسني رحلته مع السباحة وهو في السابعة من عمره، حين كانت الفكرة مجرد وسيلة لتقوية لياقته البدنية وتحسين بنيته الجسدية، دون أن يدرك حينها أن هذه الخطوة الصغيرة ستقوده نحو طريق الاحتراف في رياضة السباحة، وقال الحسني: إن البداية لم تكن بدافع الهواية أو الطموح الرياضي، بل رغبة في تطوير نفسي جسديا، قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى شغف حقيقي ورغبة في الوصول إلى أعلى المراتب.
وكشف الحسني أن والده كان الداعم الأول له في دخول عالم السباحة، إذ شجعه منذ الصغر على ممارسة الرياضة، فكانت السباحة هي الخيار الأقرب والأسهل له في تلك المرحلة، ومنذ ذلك الوقت، ظل والده السند الأكبر والداعم الرئيسي لمسيرته الرياضية حتى اليوم، وأضاف الحسني أنه بعد خمس أو ست سنوات من الممارسة المنتظمة بدأ يدرك قيمة الالتزام ووضع أهدافا واضحة نحو الاحتراف، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الجدية والطموح، ويتذكر أولى مشاركاته الرسمية في البطولات عندما كان في التاسعة أو العاشرة من عمره، بعد عامين أو ثلاثة من دخوله عالم السباحة، مؤكدا أنها كانت تجربة مميزة شكلت نقطة انطلاق لمسيرته، إذ تمكن خلالها من تحقيق ميداليتين ذهبيتين، لتكون أولى بشائر النجاح في مشواره الرياضي.
المشاركات الخارجية
تحدث علي الحسني بفخر عن أولى محطات التتويج في مسيرته، حين نال الميدالية البرونزية في دورة الألعاب الخليجية الأولى للشباب، واصفا تلك اللحظة بأنها من أجمل اللحظات التي عاشها في حياته، إذ جاءت بعد سنوات طويلة من العمل والتحدي دون توقف، وقال الحسني: كانت أول ميدالية خليجية أحققها، ميدالية برونزية في سباق ٢٠٠ متر حرة، وكنت السباح الثاني في الفريق، شعور لا يوصف، لأنني قضيت قرابة عشر سنوات في الرياضة دون أي ميدالية دولية، لكن بفضل الله ثم الجهد والمثابرة، جاءت هذه اللحظة المنتظرة في ثالث مشاركة دولية لي، وكانت بمثابة تتويج لكل التعب الذي بذلته طوال السنوات الماضية.
وأضاف الحسني أن هذه الميدالية منحته دفعة معنوية كبيرة، وأكدت له أن طريق النجاح يبدأ بالصبر، وأن كل تعب في الرياضة له ثمرة مهما طال الزمن، ويرى أن الإنجازات لا تقاس فقط بالميداليات، بل بالتطور الشخصي والذهني الذي يكتسبه الرياضي من كل مشاركة. واستحضر الحسني مشاركته في بطولة الخليج التاسعة والعشرين للسباحة التي أقيمت في منتصف العام الجاري، معتبرا إياها محطة مهمة في مسيرته، خاصة وأنها كانت أول بطولة يشارك فيها ضمن فئة العمر المفتوح، ما يعني أنه تنافس مع سباحين من مختلف الأعمار والخبرات، بعضهم يمتلك خبرة سنوات طويلة في المنافسات الدولية، وقال: كانت البطولة قوية جدا، والمنافسة فيها عالية من حيث المستوى الفني والبدني، لأنك تواجه سباحين كبارا في السن وأكثر خبرة، لكن الحمد لله استطعت أن أحقق فيها برونزية سباق ١٠٠ متر حرة، وهذا الإنجاز كان له طعم خاص لأن المنافسة كانت قوية جدا حتى اللحظة الأخيرة، وأكد الحسني أن هذه البطولة عززت ثقته بنفسه، وبينت له أن الفارق بين الأسماء الكبيرة والناشئة ليس مستحيلا تجاوزه، بل يحتاج إلى العمل المتواصل والإصرار.
أما عن مشاركته الأبرز حتى الآن، فتحدث الحسني بحماس كبير عن تجربته في بطولة العالم للسباحة التي أُقيمت في سنغافورة، والتي وصفها بأنها أكبر وأجمل محطة في مشواره الرياضي، وقال: بطولة العالم كانت من العيار الثقيل فعلا، فيها نخبة السباحين في العالم، وشهدت أرقاما قياسية جديدة كثيرة. أن تكون هناك بينهم، في نفس المسبح، وتعيش نفس الأجواء، وتتنافس معهم عن قرب، شعور لا يمكن وصفه، كنا نأكل في نفس الفندق وننتقل معهم في نفس الحافلات، وتتعلم من قرب كيف يعيش الأبطال الكبار تفاصيل يومهم وكيف يتعاملون مع البطولات.
ويرى الحسني أن هذه التجربة غيرت الكثير في شخصيته، سواء من ناحية الفكر الرياضي أو الانضباط، معتبرا أن الاحتكاك بالسباحين العالميين كان بمثابة مدرسة حقيقية. وأشار قائلا: من خلال السفر والمشاركات الخارجية، تتعرف على ثقافات جديدة وأساليب تدريب مختلفة، وتكتسب مهارات لم تكن تعرفها من قبل، المنافسة في المحافل الدولية تختلف كثيرا عن المحلية، لأنها تفتح لك آفاقا أوسع وتمنحك ثقة أكبر بنفسك.
وحول المقارنة بين البطولات الخليجية والعالمية، يرى الحسني أن الفارق الأساسي يكمن في عدد الدول المشاركة ونوعية السباحين، أما من حيث التنظيم فيرى أن البطولات الخليجية والعربية شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لتقترب من المعايير العالمية في التنظيم والإدارة.
وأضاف: أرى أن التنظيم في بطولاتنا أصبح متقاربا جدا مع البطولات الدولية، والفارق فقط في حجم المشاركة والمستوى الفني العالي لبعض السباحين، أما البنية الأساسية والاهتمام التنظيمي، فالحمد لله في تطور مستمر. وأكد الحسني على أن هذه المشاركات جعلته أكثر نضجا وثقة، وزادت من طموحه لمواصلة طريق الإنجازات، مؤكدا أن القادم سيكون أجمل بفضل الإصرار والتخطيط، وأن حلمه الأكبر هو رفع علم عُمان في بطولات العالم والأولمبياد مستقبلا.
التدريب والانضباط
يعيش السباح علي الحسني حياة يومية منضبطة ومنظمة بدقة عالية بين الدراسة والتدريبات، حيث يؤمن أن النجاح في رياضة السباحة لا يتحقق إلا من خلال الالتزام الكامل والتوازن بين الجهد البدني والتحضير الذهني، وقال الحسني إن أيامه مقسمة بعناية بين المدرسة والتمارين، موضحا أن في الأيام التي لا تكون لديه فيها التزامات دراسية، يبدأ تدريباته الصباحية من الساعة السابعة وحتى التاسعة أو الثامنة وحتى العاشرة صباحا، ويقطع خلالها من ٤ إلى ٧ كيلومترات في الماء، وهي حصة تركز على التحمل واللياقة، وأضاف أنه بعد التمرين الصباحي ينتقل في بعض الأيام إلى تدريبات الصالة الرياضية، التي تمتد من ساعة إلى ساعة ونصف في المساء، وتتنوع تدريباته بين سباقات المسافات الطويلة والمتوسطة، أو بين تدريبات السرعة لمسافات قصيرة تتراوح من ٣ إلى ٤ كيلومترات.
وأشار الحسني إلى أن أصعب مرحلة في مشواره التدريبي ليست فترة الإعداد قبل البطولات، بل فترة التوقف النسبي، حين يغيب هدف المنافسة المباشر، فترتفع فيها شدة التمارين وتزداد الضغوط البدنية والنفسية، وقال: في التوقف النسبي تكون الرغبة بالراحة عالية جدا، والإرهاق يتضاعف، وكثير من السباحين لا يستطيعون المواصلة أو يبدأون بالتراجع تدريجيا، لكن الفارق الحقيقي بين لاعب وآخر هو في الإرادة والرغبة، هل يريد تحقيق نتيجة أم لا؟، مؤكدا أنه تعلم من هذه المراحل كيف يتغلب على التعب الذهني والجسدي، ويواصل التزامه بثبات.
ويولي الحسني أهمية كبيرة لدور المدرب في مسيرته، معتبرا إياه العنصر الأساسي في صناعة أي نجاح، قائلا: السباحة من الرياضات التي لا يمكن أن تنافس فيها من دون مدرب، وجوده ضروري ليس فقط في الجانب البدني بل أيضا في الجانب الذهني قبل السباق وبعده، المدرب هو من يصنع الفرق، وهو من يوجهك لتفاصيل صغيرة تُحدث أثرا كبيرا داخل الماء.
وأكد الحسني أن استعداده للبطولات تغير كثيرا عن السابق، موضحا أن الخبرة جعلته أكثر وعيا بأهمية التخطيط المسبق، وقال: سابقا كنت أبدأ أستعد قبل البطولة بيومين أو ثلاثة فقط، لكن اليوم أصبح لدي وعي مختلف، أبدأ التحضير بالأسابيع، لأن البطولة لن تصبح حدثا عابرا، بل محطة تحتاج إلى خطة كاملة من تدريب وغذاء وراحة ذهنية. واستطرد: التدريب اليومي، رغم قسوته، أصبح جزءا من حياته وشخصيته، وأن الانضباط هو السلاح الذي يعول عليه في طريقه نحو المزيد من الإنجازات، مضيفا: الالتزام هو الذي يصنع الفرق بين من يحلم بالنجاح، ومن يعيش النجاح فعلا.
المشاركة مع المنتخب
وتحدث السباح علي الحسني بصراحة وشفافية عن تجربته مع المنتخب الوطني للسباحة، واصفا إياها بأنها تجربة مليئة بالتقلبات، شهدت لحظات جميلة وأخرى صعبة، لكنها شكلت في مجملها مدرسة مهمة في مسيرته الرياضية، وقال الحسني: تجربتي داخل المنتخب كانت فيها أيام جميلة وأيام سيئة، مررنا بتجارب ممتازة وأخرى كانت صعبة جدا، في جوانب نشكر المنتخب والاتحاد العُماني للرياضات المائية عليها كثير، وقفوا معنا وساعدونا، لكن في أحيان كثيرة تصادف مواقف غريبة تستغرب حدوثها، خصوصا في اتحاداتنا داخل عُمان وهناك أشياء محبطة، لكننا نتمنى دائما الأفضل.
ورغم تلك التحديات، أكد الحسني أن الواقع الحالي للمنتخب العُماني يشهد روحا جديدة وطموحا كبيرا، خاصة بين الجيل الصاعد من السباحين، مشيرا إلى أن هناك مواهب واعدة تحتاج فقط إلى الدعم والاهتمام لتواصل طريقها نحو النجومية.
وأشار: المنتخب حاليا يملك سباحين لديهم همة عالية وطموح كبير، والروح موجودة بينهم، نتمنى فقط أن تُمنح فرص أكبر للسباحين الشباب، خصوصا في هذه المرحلة المهمة من عمر الرياضة العُمانية، والسنوات الأخيرة شهدت تطورا في بعض الجوانب، لكن ما زالت هناك حاجة إلى رؤية أوسع تشمل كل السباحين الموهوبين.
وأثنى الحسني على مجموعة من السباحين الصغار الذين يراهم مستقبل السباحة في سلطنة عُمان، مثل عمران الريامي وخليل الحسني ومحمود أولاد ثاني وآخرين، معتبرا أنهم يمثلون الجيل القادم الذي سيحمل الراية في المحافل الخليجية والعربية، وقال عنهم: سباحون ما شاء الله لديهم مستقبل كبير في الرياضة، وإذا حصلوا على الفرص الكافية والدعم المناسب، سيحققون إنجازات ترفع اسم عُمان في المستقبل.
وفي حديثه عن التحديات، يرى الحسني أن الدعم المادي هو العامل الأهم الذي يحتاجه السباحون في المرحلة الحالية، معتبرا أن بقية أنواع الدعم المعنوي والإداري موجودة بشكل جيد، لكن لا يمكن للسباحين التطور بدون تمويل مستمر ومعسكرات خارجية منتظمة، وقال: أكبر دعم ممكن نحصل عليه كلاعبين هو الدعم المادي، السباحة تختلف عن رياضات ثانية، تحتاج لمعسكرات كثيرة، وتدريبات أكثر من أي رياضة أخرى تقريبا، نحن نتدرب ١٤ حصة في الأسبوع أو أكثر، ونقطع كيلومترات طويلة كل يوم. هذا مجهود ضخم يحتاج إلى تمويل حتى نحافظ على المستوى ونستطيع المشارك في بطولات مستمرة.
وأضاف الحسني أن غياب الدعم الكافي قد يؤثر سلبا على طموحات السباحين ويُضعف الدافع لديهم للاستمرار، مشددا على أن الاستثمار في هذا الجيل من اللاعبين هو الخطوة الأهم لضمان مستقبل اللعبة في سلطنة عُمان، موضحا: من دون بيئة احترافية ودعم متواصل، يصعب على أي رياضي أن يواصل بنفس القوة، السباحة رياضة مكلفة، لكن مردودها المعنوي والوطني كبير جدًا.
وعند سؤاله عن رؤيته لمستقبل السباحة العُمانية، أجاب الحسني بواقعية: أعتقد أن السنوات القادمة ممكن لا تكون بنفس مستوى السنوات الماضية من حيث عدد الميداليات أو الإنجازات، بسبب قلة عدد السباحين الحاليين، وأيضا لأن الدعم المادي الذي نتحدث عنه باستمرار ليس بالمستوى المطلوب، لكني متفائل أن بعد ٣ أو ٤ سنوات يمكن أن نرى نتائج أفضل، لأن الجيل الجديد واعد جدا، فقط يحتاج لوقت وخطة واضحة.
طموحات مستقبلية
يرى السباح الشاب علي الحسني أن المرحلة القادمة من مسيرته الرياضية تمثل منعطفا مهما، إذ يسعى خلالها إلى الموازنة بين التحصيل الدراسي والتطور الرياضي، مؤكدا أن طموحه لم يتراجع رغم انشغاله بالدراسة الثانوية، وقال الحسني: حاليا أنا في مرحلة الثانوية، لذلك أحاول أن أطيل فترة "الأوف سيزن" خلال هذه السنة الدراسية كاملة، من بدايتها حتى نهايتها، حتى أستطيع التركيز على الدراسة وفي الوقت نفسه أستمر في السباحة داخل سلطنة عُمان والمشاركات الداخلية.
وأضاف: أن خطته بعد انتهاء الدراسة تتضمن العودة القوية إلى المشاركات الخارجية، مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي في المرحلة المقبلة هو بطولة العالم للمسافات القصيرة، التي يتوقع أن تُقام في روسيا، مؤكدا أنها ستكون محطة إعداد أساسية نحو تحقيق حلم أكبر هو الوصول إلى الأولمبياد. وقال الحسني بثقة: إن شاء الله من بعد هذه السنة الدراسية نحاول أن نبدأ التحضير لبطولة العالم للمسافات القصيرة، والهدف الأكبر طبعا هو التأهل إلى أولمبياد لوس أنجلوس 2028 أو التي بعدها، لأن الأولمبياد هو الحلم الأكبر لأي رياضي، وأنا بإذن الله أسعى لتمثيل سلطنة عُمان هناك ورفع علم عُمان في هذا الحدث العالمي.
وأشار الحسني إلى أن هذا الحلم لا يقتصر فقط على المشاركة، بل يطمح إلى تحقيق إنجاز يخلّد اسمه واسم بلده، موضحا أن الوصول إلى الأولمبياد يتطلب إعدادا متكاملا على مدى سنوات، من تدريب، وتغذية، ودعم نفسي، مؤكدا أن الوقت ما زال في صالحه لتحقيق هذا الطموح الكبير.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: بطولة العالم علی الحسنی فی مسیرته مؤکدا أن فی بطولة ع مان فی أن هذه إلى أن
إقرأ أيضاً:
ترامب يرى مسألة خلافته غير محسومة.. هل يعتبر فانس المرشح الأقرب للفوز بانتخابات 2028؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
مع تزايد التكهنات حول مستقبل الحزب الجمهوري بعد الرئيس دونالد ترامب، برزت التساؤلات حول طموحات جيه دي فانس لعام 2028.
وفقا لتقرير نيويورك تايمز، رغم أن نائب الرئيس جيه دي فانس يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المرشح الأبرز لخلافة ترامب في مسيرته السياسية، إلا أن تصريحاته الأخيرة ومحادثاته الخاصة تُشير إلى أن الرئيس لا يزال يرى مسألة الخلافة غير محسومة.
ووفقًا لمقابلات لنيويورك تايمز مع أشخاص مُطلعين على العلاقة بين ترامب وفانس، فقد شكك الرئيس مرارًا وتكرارًا في قدرة نائبه على امتلاك القوة السياسية والصفات القيادية والجاذبية الانتخابية اللازمة لحمل راية الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة لعام 2028.
نظرة ترامب المُترددة لخليفته السياسيبينما يُواصل ترامب تكليف فانس بمسؤوليات جسيمة داخل الإدارة، فقد أعرب، بحسب التقارير، عن شكوكه حول قدرة نائب الرئيس على تكرار النجاح السياسي الذي جعل ترامب الشخصية الأبرز في السياسة الجمهورية.
أشرك الرئيس فانس في مبادرات بارزة، واعتمد عليه في الدفاع عن سياسات الإدارة، ومنحه حضورًا إعلاميًا كبيرًا قبل حملة رئاسية محتملة.
مع ذلك، قارن ترامب، في جلسات خاصة، إنجازات فانس بإنجازاته، وتساءل عما إذا كان نائب الرئيس قد أثبت قدرته على خوض معارك سياسية صعبة بشكل مستقل.
ورد أن ترامب ذكّر حلفاءه بأن تأييده ساعد فانس على الفوز في سباق انتخابي تنافسي لمجلس الشيوخ في ولاية أوهايو. كما انتقد جوانب من صورة فانس العامة وحكمه السياسي، بما في ذلك معارضته للعمل العسكري ضد إيران، وقيادته للجهود الدبلوماسية التي لم تُسفر عن أي انفراجة في محادثات السلام مع باكستان.
بل إن الرئيس استعاد بعض المواقف الطريفة، منها سوء تعامل فانس، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، مع كأس بطولة جامعة ولاية أوهايو الوطنية خلال احتفال في البيت الأبيض.
الولاء يبقى أقوى نقاط قوة فانسعلى الرغم من انتقادات ترامب بين الحين والآخر، يؤكد المقربون من الإدارة أن فانس لا يزال أحد أكثر أعضاء الدائرة المقربة للرئيس ثقة.
نفى مدير الاتصالات في البيت الأبيض، ستيفن تشيونغ، التقارير التي تتحدث عن وجود توتر بين الرجلين، واصفًا فانس بأنه شخصية محورية في تنفيذ أجندة "أمريكا أولًا" للإدارة.
أظهر فانس باستمرار ولاءً لترامب، وهي سمة تُعتبر على نطاق واسع من أهم صفات الرئيس. حتى عندما أبدى في البداية تحفظات بشأن الصراع مع إيران، دافع نائب الرئيس في نهاية المطاف عن موقف الإدارة ودعم قرارات ترامب علنًا.
كما كان من أبرز المدافعين السياسيين عن الإدارة، حيث دأب على تحدي منتقدي الرئيس، بمن فيهم رجال الدين والمعارضون السياسيون.
ووفقًا لتوني فابريزيو، خبير استطلاعات الرأي المخضرم لترامب، تم اختيار فانس نائبًا لترامب في انتخابات 2024 نظرًا لشعبيته لدى حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) واستعداده للدفاع علنًا عن أولويات الرئيس.
ترامب يقارن بين جيه دي فانس وماركو روبيومن بين التطورات التي تحظى بمتابعة دقيقة داخل الأوساط الجمهورية، اهتمام ترامب الواضح بمقارنة فانس بوزير الخارجية ماركو روبيو.
أفادت التقارير أن الرئيس سأل حلفاءه وضيوفه في لقاءات خاصة عما إذا كانوا يفضلون فانس أم روبيو كزعيم مستقبلي للحزب الجمهوري.
خلال عشاء أقيم مؤخرًا في حديقة الورود بالبيت الأبيض، استطلع ترامب آراء الحضور علنًا حول الشخصية التي يفضلونها، مع توضيحه أنه لا يدعم أيًا من المرشحين رسميًا.
لفت النفوذ المتزايد لروبيو داخل الإدارة الأنظار. وبصفته مستشارًا للأمن القومي ووزيرًا للخارجية، يقضي روبيو وقتًا طويلًا برفقة ترامب، بما في ذلك السفر المنتظم على متن طائرة الرئاسة "إير فورس ون" واللقاءات المتكررة في ممتلكات الرئيس في فلوريدا.
أعرب ترامب في جلسات خاصة عن إعجابه بأداء روبيو، مما أثار تكهنات بأن المنافسة على خلافة ترامب سياسيًا قد تكون أشد مما توقعه كثير من المراقبين.
الاختلافات الجيلية والأسلوبيةوتعكس العلاقة بين ترامب وفانس أيضًا اختلافات ملحوظة في الشخصية والأسلوب السياسي.
ينحدر ترامب، الذي يقترب من عامه الثمانين، من عائلة ثرية، وله تاريخ في مجال التطوير العقاري، وعقود من الظهور الإعلامي. على النقيض من ذلك، بنى فانس هويته السياسية على سردية نضال الطبقة العاملة والارتقاء الاجتماعي في الغرب الأوسط الأمريكي.
وتُبرز عاداتهم الشخصية هذا التباين بشكلٍ أكبر. فانس نشطٌ على وسائل التواصل الاجتماعي، ومعروفٌ بمناظراته مع النقاد عبر الإنترنت. أما ترامب، فرغم نشاطه المكثف على منصة "تروث سوشيال"، إلا أنه يتجنب عمومًا التفاعل المباشر مع المستخدمين الأفراد.
بحسب مصادر مطلعة، شجعت سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، ومستشارون آخرون، فانس على الحد من نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، بحجة أن المشاحنات الإلكترونية المستمرة لا تتناسب مع مكانة نائب الرئيس.
الحرب الإيرانية تُشكّل تحديات سياسيةبرز الصراع مع إيران كأحد أهم الاختبارات السياسية التي واجهها فانس كنائب للرئيس.
قبل التدخل العسكري، كان فانس معروفًا بنهجه المتحفظ في السياسة الخارجية وتشكيكه في التدخلات الخارجية. إلا أنه كنائب للرئيس، أيّد قرار ترامب بدخول الصراع، مما أدى إلى توترات مع بعض شرائح قاعدته السياسية المعارضة للتدخلات العسكرية الخارجية.
أعربت شخصيات محافظة، كانت من مؤيدي صعود فانس، عن قلقها بشأن موقفه.
وصف المعلق السياسي تاكر كارلسون الوضع بأنه يضع نائب الرئيس في موقف حرج، لأنه يبدو متعارضًا مع وعوده الانتخابية بتجنب حروب خارجية جديدة.
حذرت النائبة مارجوري تايلور غرين، التي سبق أن رشحت فانس لمنصب نائب الرئيس، من أنه قد يواجه صعوبات في استعادة ثقة الناخبين الجمهوريين المعارضين للحرب إذا ترشح للرئاسة.
وقالت غرين: "لم يعد بإمكانه الحفاظ على سمعته السابقة"، مؤكدةً في الوقت نفسه أنها لا تزال تعتبره حليفًا.
التأييد الشعبي والفرص الانتخابيةعلى الرغم من التساؤلات التي تحوم حول مستقبله، لا يزال فانس أحد أبرز الشخصيات في السياسة الجمهورية.
بصفته رئيسًا للجنة المالية في اللجنة الوطنية الجمهورية، يتمتع فانس بوصول مباشر إلى المانحين والبنية التحتية للحزب. وتشير استطلاعات الرأي أيضًا إلى أنه لا يزال يحظى بدعم كبير بين الناخبين الجمهوريين.
أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك مؤخرًا أن حوالي 73% من الناخبين الجمهوريين راضون عن أداء ترامب. في حين أفاد استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث في وقت سابق من هذا العام أن 75% من الناخبين الجمهوريين ينظرون إلى فانس بإيجابية.
مع ذلك، فإن معدلات التأييد على المستوى الوطني الأوسع تُظهر صورة أكثر تعقيدًا. بلغت نسبة تأييد فانس الإجمالية 39%، وفقًا لجامعة كوينيبياك، مما يعكس صعوبة توسيع قاعدته الشعبية لتشمل فئات أخرى غير القاعدة الجمهورية.
كما اتهمه منتقدوه بالتناقض السياسي. فقد زعم حاكم ولاية كنتاكي، آندي بيشير، المرشح الديمقراطي المحتمل للرئاسة عام 2028، أن فانس قد أساء تمثيل بعض جوانب خلفيته، وفشل في تطبيق سياسات تُفيد المجتمعات التي يدّعي تمثيلها.
الاختبارات السياسية الدولية والمحليةتولى فانس العديد من المهام الحساسة سياسيًا نيابةً عن الإدارة. على الصعيد الدولي، قام بحملة انتخابية لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قبل الانتخابات في المجر. وخسر أوربان في نهاية المطاف محاولته لإعادة انتخابه، مما حدّ من التأثير السياسي لمشاركة فانس.
على الصعيد المحلي، لعب نائب الرئيس دورًا بارزًا في الجهود المبذولة لإقناع الجمهوريين في ولاية إنديانا بدعم تغييرات الخريطة الانتخابية التي كان البيت الأبيض يُفضّلها. وقد باءت هذه الجهود بالفشل، ورفض مشرّعو الولاية تبني الاقتراح.
أشار بعض المسؤولين الجمهوريين إلى هذه النكسات كدليل على أن النفوذ السياسي لفانس قد لا يضاهي نفوذ ترامب بعد.
جادل إد كلير، ممثل ولاية إنديانا، بأن الإخفاقات في كل من إنديانا والمجر تثير تساؤلات حول قدرة ترامب على نقل حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" بنجاح إلى أي خليفة له.
يرفض مسؤولو الإدارة هذا التقييم، مؤكدين على استعداد فانس لخوض معارك سياسية صعبة بغض النظر عن الصعاب.
هل يمكن أن يصبح جيه دي فانس خليفة ترامب؟يعكس الجدل الدائر حول فرص جيه دي فانس في انتخابات 2028 في نهاية المطاف سؤالًا أوسع يواجه الحزب الجمهوري: هل يمكن لحركة ترامب السياسية أن تنتقل بنجاح إلى جيل جديد من القيادة؟
يظل فانس الجمهوري الأكثر بروزًا وقوة مؤسسيةً المؤهل لخلافة ترامب. إن ولاءه ومكانته القوية بين ناخبي حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" ودوره البارز داخل الإدارة يمنحه مزايا كبيرة.
مع ذلك، تُظهر مقارنات ترامب المتكررة، علنًا وسرًا، بين فانس وروبيو أن الرئيس لم يغلق الباب أمام خلفاء بديلين. في الوقت الراهن، يبدو أن فانس يحتل موقع المرشح الأوفر حظًا، دون أن يتمتع باليقين الذي عادةً ما يصاحب هذا الموقع.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028، قد يعتمد مستقبله السياسي بشكل أقل على كسب تأييد الجمهوريين - الذي يتمتع به إلى حد كبير اليوم - وأكثر على الحفاظ على ثقة الشخصية الوحيدة التي لا تزال تحدد مسار الحزب: دونالد ترامب.