تمثل الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 نقطة تحول كاشفة في مسار الهدنة المعلنة، إذ جاءت مباشرة بعد انقضاء المهلة البالغة 48 ساعة التي حددها الرئيس الأمريكي ترامب لتسليم رفات الأسرى الإسرائيليين. هذا التزامن لم يكن مصادفة، فالمعطيات السياسية والميدانية تظهر أن العملية العسكرية جاءت ضمن سياق منسق سياسيا بين واشنطن وتل أبيب، لا كنتيجة لمبادرة ميدانية منفردة.

فقد استخدمت الإدارة الأمريكية المهلة كأداة ضغط دبلوماسية، بينما استخدمتها إسرائيل كإشارة تنفيذ عسكرية، ما يعكس تداخلا عميقا بين القرارين السياسي والعسكري في إدارة ملف غزة.

ورغم أن تزامن انتهاء مهلة ترامب مع بدء القصف الإسرائيلي قد يوحي بوجود علاقة سببية مباشرة، إلا أن هذا التفسير لا يستقيم مع طبيعة اتخاذ القرار في تل أبيب. فالمؤشرات السياسية والعسكرية لا تؤكد أن الضربة نُفذت بأمر أمريكي مباشر، كما لا يمكن الركون إلى مغالطة "بعده إذا بسببه". غير أن القراءة المتأنية للمشهد تظهر أن نتنياهو لا يقدم على أي تصعيد ميداني بهذا الحجم إلا في ظل غطاء سياسي أمريكي يضمن له تفادي أي مساءلة دولية، وبالتالي فإن التزامن بين المهلة والضربة لا يدل على تبعية آلية، بل على تواز في الإرادة بين الطرفين: واشنطن التي توفر الغطاء، وتل أبيب التي تنفذ ما تعتبره ضرورة أمنية ضمن الهامش الممنوح لها.

إلى جانب هذا الغموض الميداني، تبرز الاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل بوصفها أحد المحركات الأساسية للتصعيد. فمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي بات مرهونا بالحفاظ على تماسك ائتلاف حكومي يميني متطرف يضع أمن المستوطنات والسيطرة على غزة في صدارة أجندته
ادعت إسرائيل أن الغارات جاءت ردا على هجوم من عناصر حماس على جنود في رفح، غير أن المعطيات الميدانية والأمنية تضعف هذه الرواية، فرفح تقع ضمن نطاق سيطرة إسرائيلية مباشرة من حيث الممرات الأمنية والمراقبة الجوية، ما يجعل احتمال وقوع هجوم مفاجئ فيها ضعيفا للغاية. كما نفت حركة حماس تماما حدوث هذا الهجوم، مؤكدة التزامها بوقف إطلاق النار، وهو ما يدعم التقدير القائل إن الضربة كانت مقررة مسبقا في حال فشل المفاوضات حول تبادل الأسرى.

كما أن تصريحات ترامب التي برر فيها الغارات بالقول إن "الجنود الإسرائيليين تعرضوا لهجوم ودافعوا عن أنفسهم"؛ اعتمدت بالكامل على الرواية الإسرائيلية دون أي تحقق مستقل. فلا توجد مصادر ميدانية أو تقارير أممية تدعم هذا الادعاء، في حين منعت إسرائيل دخول وسائل الإعلام الدولية، ما يجعل نقل الوقائع مقتصرا على البيانات العسكرية الإسرائيلية. هذا التعتيم الإعلامي المتعمد أتاح لتل أبيب صياغة روايتها دون منافس، وجعل الموقف الأمريكي يبدو وكأنه تبن تلقائي لرواية غير قابلة للتحقق، الأمر الذي أضعف صدقية الخطاب الأمريكي بشأن التزامه بالحياد أو الرقابة.

إضافة إلى ذلك، لم تلتزم إسرائيل فعليا بالمرحلة الأولى من الخطة الأمريكية التي أعلن عنها ترامب والمتعلقة بإدخال المساعدات الإنسانية وفتح المعابر بشكل تدريجي تحت إشراف دولي. فبدل تنفيذ الترتيبات اللوجستية المقررة، استمرت السلطات الإسرائيلية في فرض قيود مشددة على المعابر، وعرقلت مرور قوافل الإغاثة إلى شمال القطاع بحجج أمنية متكررة. كما أن المساعدات التي سُمح بدخولها خضعت لتفتيش إسرائيلي كامل وتأخير متعمد في نقاط العبور، ما جعل المرحلة الأولى من الخطة، التي كان يفترض أن تخلق مناخا إنسانيا مهدئا، تتحول إلى أداة ضغط إضافية على السكان. وبذلك فشلت إسرائيل في الوفاء بالتزاماتها الأساسية ضمن الاتفاق، مما أفرغ الهدنة من مضمونها العملي قبل أن تبلغ مرحلتها الثانية ونزع السلاح.

إلى جانب هذا الغموض الميداني، تبرز الاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل بوصفها أحد المحركات الأساسية للتصعيد. فمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي بات مرهونا بالحفاظ على تماسك ائتلاف حكومي يميني متطرف يضع أمن المستوطنات والسيطرة على غزة في صدارة أجندته. ومع تصاعد الانتقادات الداخلية وتراجع شعبيته، أصبحت العمليات العسكرية وسيلة لتوحيد اليمين الإسرائيلي خلفه واستعادة زمام المبادرة داخل حكومته. لذلك فإن توقيت الغارات لا يمكن فصله عن منطق البقاء السياسي، إذ يسعى نتنياهو إلى امتصاص ضغوط حلفائه من خلال تصعيد محسوب يقدمه أمام جمهوره كدليل على الحزم الأمني.

وفي المقابل، وفرت واشنطن غطاء سياسيا صريحا لهذه العملية، حين صرح وزير خارجيتها بأن الضربة لا تشكل خرقا للهدنة إذا وجد تهديد وشيك، وهو تصريح أتاح لإسرائيل هامشا واسعا للتحرك دون مساءلة. فالولايات المتحدة لم تمارس وظيفة الرادع، بل اضطلعت بدور المنسق والمبرر، وصاغت الإطار القانوني والسياسي الذي يشرعن التدخل الإسرائيلي. كما عززت التعاون مع تل أبيب عبر مركز التنسيق المدني العسكري المشترك خارج غزة، الذي يتيح تبادلا مستمرا للمعلومات الميدانية، ما يجعل الفصل بين القرارين الأمريكي والإسرائيلي شبه مستحيل.

وتظهر البيانات الأممية والفلسطينية أن إسرائيل ارتكبت منذ بدء الهدنة ما لا يقل عن سبعة وأربعين خرقا، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين وإصابة المئات. في المقابل لم تسجل خروقات جوهرية من جانب الفصائل الفلسطينية، ما يكشف اختلالا بنيويا في ميزان الالتزام. بغياب إرادة دولية متوازنة قادرة على ضبط القرار الإسرائيلي ضمن حدود قانونية واضحة ومحاسبة من يخرقها، يبقى وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الصراع عند كل جولة جديدة من التصعيدوهذا التفاوت يبرهن أن آلية الضمان الدولي غير فاعلة، لأن الطرف الأكثر قدرة على خرق الهدنة هو ذاته الطرف الذي يحظى بالدعم السياسي والعسكري من القوة الضامنة.

على هذه الخلفية، يبرز مشروع "قوة الاستقرار الدولية" بوصفه محاولة لإضفاء طابع مؤسساتي على فكرة الردع، غير أنه يعاني من ثلاث علل رئيسة تجعل فاعليته محدودة؛ أولها، ضعف التفويض الأممي، إذ لا يملك أي سند قانوني واضح يمنحه صلاحيات الرد أو المنع، ما يجعله أقرب إلى بعثة مراقبة شكلية. وثانيها، غياب الحياد الاستراتيجي، لأن تركيبته تعتمد على مساهمات دولية مرتبطة مباشرة بالمحور الأمريكي الغربي، ما يفقده الاستقلال في القرار الميداني. أما العلة الثالثة فهي تعارض أهداف المشروع مع الواقع العسكري في الميدان، إذ تعهد إليه مهام إنسانية وإدارية بينما تحتفظ إسرائيل وحدها بحق التحرك العسكري، الأمر الذي يجعل القوة عاجزة عن التدخل أو فرض الالتزام. في ضوء هذه المعطيات، لا تمثل "قوة الاستقرار الدولية" أداة لضبط النار بقدر ما تشكل إطارا سياسيا لتجميد الأزمة دون حل جذري لها.

إن استمرار الازدواجية في الموقف الأمريكي يمثل العائق البنيوي الأبرز أمام أي جهد دولي لإرساء استقرار دائم في غزة. فواشنطن، إذ تجمع بين موقع الضامن السياسي لإسرائيل وموقع الوسيط في المفاوضات، تنزع عن نفسها شرط الحياد وتحول مفهوم الردع إلى أداة إدارة للأزمة لا لتسويتها. كما أن اعتماد ترتيبات الهدنة على قنوات ثنائية خارج الإطار الأممي يجعل "قوة الاستقرار الدولية" بلا صلاحيات فعلية، فتتحول من آلية تنفيذية إلى واجهة دبلوماسية لإدامة الوضع القائم. وبغياب إرادة دولية متوازنة قادرة على ضبط القرار الإسرائيلي ضمن حدود قانونية واضحة ومحاسبة من يخرقها، يبقى وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الصراع عند كل جولة جديدة من التصعيد.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الإسرائيلية غزة الهدنة خرق إسرائيل امريكا غزة هدنة خرق قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة صحافة مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قوة الاستقرار الدولیة ما یجعل

إقرأ أيضاً:

وعد أم لطفليها ينتهي بفاجعة.. كيف تحولت أمسية شواء المارشميلو إلى مأساة؟

كانت حلوى المارشميلو هي المفاجأة التي وعدت بها طفليها في عطلة مدرسية، جلسا ينتظران قطع الحلوى المحمصة على نار هادئة في فناء المنزل الخلفي، بينما كانت الأم تجهز حفلة شواء صغيرة لتصنع لحظة عائلية دافئة.

لكن دقائق قليلة كانت كافية لتتحول تلك الأمسية إلى مأساة انتهت بوفاتها، وتعيد طرح سؤال قد لا يخطر في بال كثيرين: هل يمكن لنشاط عائلي يبدو بريئا أن يتحول إلى خطر قاتل؟

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3من بويضة واحدة إلى 4 توائم متطابقة.. كيف حدثت هذه الولادة النادرة؟list 2 of 3بسكين مطبخ و26 يوما من الحفر.. لماذا واصلا البحث عن أمهما بعد الزلزال؟list 3 of 3لم تعلم بحملها إلا عندما فاجأها المخاض.. كيف يحدث ذلك؟end of listمن أمسية عائلية إلى مأساة

في مدينة سيدني الأسترالية، كانت شارلوت روز آن هيل (38 عاما) تعد حفلة شواء صغيرة لتحميص المارشميلو مع طفليها خلال العطلة المدرسية، حين اشتعلت النار في ملابسها فجأة أثناء إشعال الشواية، لتتحول في ثوان إلى كتلة من اللهب أمام أعينهما.

ركض الطفلان طلبا للمساعدة، بينما نُقلت الأم إلى المستشفى مصابة بحروق بالغة، قبل أن تفارق الحياة بعد أيام متأثرة بمضاعفات إصاباتها، بينما ظلت المأساة حديث وسائل الإعلام بوصفها تذكيرا قاسيا بمخاطر النيران المفتوحة حتى في أبسط الأنشطة العائلية.

المارشميلو بريئة.. أين يكمن الخطر؟

لا ترتبط المأساة بالحلوى نفسها، وإنما بطريقة إعدادها. فتحميص المارشميلو يتم عادة فوق شوايات الفحم أو مواقد الغاز أو نيران المخيمات، وهي مصادر لهب مكشوفة قد تتحول إلى مصدر خطر إذا اقتربت منها الملابس أو استُخدمت معها سوائل الاشتعال بطريقة غير آمنة، أو تُرك الأطفال بالقرب منها دون رقابة.

ولهذا تشدد هيئات السلامة من الحرائق في الولايات المتحدة وأستراليا على أن أغلب الإصابات الخطيرة في حفلات الشواء لا تنتج عن الطعام، وإنما عن النار نفسها وما يحيط بها.

لماذا تعد الملابس المشتعلة من أخطر الإصابات؟

حين تشتعل الملابس، ولا سيما المصنوعة من الأقمشة الصناعية، يمكن للنيران أن تنتشر على الجسم خلال ثوان معدودة.

وتوضح هيئات الإطفاء أن خطورة هذه الإصابات لا تقتصر على الحروق الجلدية، بل قد تؤدي إلى فقدان سريع للسوائل واضطرابات في الدورة الدموية ومضاعفات قد تهدد الحياة، وهو ما يجعل سرعة التصرف عاملا حاسما في تقليل حجم الإصابة.

إعلان

ولهذا توصي أجهزة الدفاع المدني حول العالم بقاعدة إسعاف أوّلي بسيطة قد تصنع فارقا في الدقائق الأولى من الحادث.

قاعدة قد تنقذ حياتك: توقف.. ارتمِ.. تدحرج

توصي هيئات السلامة باتباع ثلاث خطوات إذا اشتعلت الملابس:

توقف عن الجري، لأن الحركة تزيد اشتعال النار. ارتمِ أرضا مع حماية الوجه قدر الإمكان. تدحرج عدة مرات حتى ينقطع وصول الأكسجين إلى اللهب وينطفئ. قاعدة "توقف.. ارتمِ.. تدحرج" (الإدارة الأمريكية للإطفاء)

وبعد إخماد النار، ينبغي تبريد مكان الحرق بماء جارٍ فاتر لمدة لا تقل عن 20 دقيقة، ثم طلب المساعدة الطبية، خاصة إذا كانت الحروق واسعة أو أصابت الوجه أو اليدين أو المفاصل.

5 قواعد تجعل تحميص المارشميلو أكثر أمانا أبقِ الأطفال على مسافة آمنة من الشواية أو النار. تجنب الملابس الفضفاضة أو القابلة للاشتعال بسهولة. لا تضف البنزين أو الكحول أو أي سوائل قابلة للاشتعال إلى نار مشتعلة. ضع مطفأة حريق أو بطانية إطفاء بالقرب من مكان الشواء. تعلّم أنت وأطفالك قاعدة "توقف.. ارتمِ.. تدحرج" قبل إشعال النار.

تبقى حفلات الشواء وتحميص المارشميلو جزءا من ذكريات عائلية لا تُنسى في كثير من البيوت، لكن حادثة شارلوت تذكّر بأن تفصيلا صغيرا، مثل اقتراب الملابس من اللهب أو لحظة غفلة، قد يغير نهاية أمسية كان يُفترض أن تبقى مجرد ذكرى سعيدة.

مقالات مشابهة

  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • “لنقي”: الاستقرار في ليبيا قادم لا محالة
  • فايننشال تايمز : هل تستطيع واشنطن فتح مضيق هرمز بالقوة؟
  • خبير نووي يتحدث لـعربي21 عن الاتفاق السعودي الأمريكي.. لماذا تعارضه إسرائيل؟
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • من فرنسا إلى أستراليا بلا توقف.. إيرباص تختبر أطول رحلة عالميا
  • بلديات توقف الدراسة بسبب ارتفاع درجات الحرارة المتوقع
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل
  • وعد أم لطفليها ينتهي بفاجعة.. كيف تحولت أمسية شواء المارشميلو إلى مأساة؟