نشرت صحيفة "التايمز" ومقرها في لندن، تقريرًا أعدته إيما يومانس قالت فيه إن الأطباء السوريين المتورطين بجرائم نظام بشار الأسد في سوريا يعملون الآن في أوروبا، وكشف التحقيق عن وجود وثائق عدة وصور تم الحصول عليها من فرع للمخابرات السورية حول العاصمة دمشق، عن الدور الذي لعبته المستشفيات العسكرية في عمليات الاعتقال الجماعي وقتل المدنيين.



Syrian doctors complicit in Assad’s torture now working in Europe https://t.co/Gev3njIyxk — The Times and The Sunday Times (@thetimes) December 4, 2025
واعتقل أكثر من 150,000 شخصا أو غيبوا في سجون الأسد خلال الحرب التي استمرت 14 عاما، وذلك حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وعندما انتهى عهد الإرهاب والخوف للأسد، تدافع السوريون إلى مراكز الاعتقالات بحثا عن أعزائهم ممن اختفوا، وفي الوقت الذي  قام البعض بتحرير الناجين إلا أنا الآلاف لا يزالون في عداد المفقودين.

حاول النظام إخفاء جرائمه وراء نظام بيروقراطي
 وتحتوي الوثائق على صور أكثر من 10,000 شخصا قتلوا في السجون وتكشف الضوء عن  الطريقة التي حاول فيها النظام إخفاء جرائمه وراء نظام معقد من البيروقراطية، وقام مصورون يعملون مع الشرطة العسكرية بالتقاط صور لجثث القتلى في السجن وقد حصلت وكالة "أن دي أر" الألمانية على الصور وشاركت "التايمز" البريطانية بها.


وتكشف الصور عن التعذيب الواسع، حيث تضم الجثث التي التقطت صورها، رجالا ونساء وأطفالا، وتم التقاط صور الضحايا في سيارات السجن أو مسجاة على الأرض، حيث ظهرت عليها أثار التجويع وسوء التغذية والضرب والإهمال الطبي، وهناك صور تظهر الضحايا وهي  مكدسة كالأخشاب أو مغطاة وآلاف منها مجهولة الهوية، نقلت إلى مقابر جماعية، تاركين عائلاتهم دون أي سجلات توثق كيفية أو متى قتل أحباؤهم.



ومن بين الذين التقطت صورهم، مازن الحمادة، وهو ناشط هرب إلى أوروبا واشتهر بروايته لقصة تعذيبه في أحد السجون، وعاد إلى البلاد من برلين عام 2020 بعدما هددت، على ما يبدو أجهزة المخابرات السورية عائلته، وتوفي في الاعتقال قبل بضعة أشهر من سقوط نظام الأسد.

الصور و"قانون قيصر"
وفي عام 2016 وحده، تم تصوير 3,166 ضحيةـ أي  ما يصل إلى 177 في يوم واحد،  وقد استمر التوثيق حتى الأيام الأخيرة للنظام، مما يكشف كيفية تعذيب المسؤولين للسجناء على نطاق واسع حتى بعد نشر صور "قيصر" عام 2015، وهو الاسم الرمزي لمنشق قام بتهريب أرشيف مماثل من سوريا، وأثارت هذه الصور احتجاجًا دوليًا ودفعت الرئيس ترامب إلى توقيع "قانون قيصر"، وهو حزمة من العقوبات على سوريا، خلال فترة ولايته الأولى.

وفي عام 2014، قال "قيصر"، الذي كشف في وقت سابق من هذا العام عن نفسه باسم فريد المذهان، رئيس قسم الأدلة الجنائية السابق في الشرطة العسكرية في دمشق، لفريق من المحققين الدوليين أن ضباط الجيش طلب منهم تصوير الجثث لإثبات تنفيذ أوامر القتل، وأضاف أن الصور استخدمت أيضا في شهادات الوفاة. وفي معظم الحالات، أدرجت هذه الوثائق الحكومية، زورا، أسباب وفاة السجناء على أنها سكتة قلبية مفاجئة.

The images coming out Sednaya Prison should haunt us for ages to come, thousands trapped beneath layers of structures, never seeing the light of day.

Detainees held without charge in solitary confinement, left to rot. This is the "Human Slaughterhouse" of Syria. pic.twitter.com/Q6ghSIxv49 — Rami Jarrah (@RamiJarrah) December 8, 2024
وقد أدار نظام الأسد أكثر من 100 مركز احتجاز في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك سجن صيدنايا سيئ السمعة، وكانت بعض المستشفيات العسكرية، مثل تشرين وحرستا قرب دمشق، تضم أجنحة أو طوابق احتجاز ينقل إليها المعتقلون ويوضعون تحت الحراسة، وهنا تم استدعاء الأطباء للمساعدة في إصدار شهادات الوفاة، بالإضافة إلى علاج السجناء.

إصابات وسوء تغذية لدى معظم المتوفين
 وتشير شهادات الوفاة إلى أسباب طبيعية، لكن الأدلة من الصور والسجلات الأخرى تظهر إصابات وسوء تغذية لدى معظم المتوفين. وتكشف بعض الشهادات التي اطلعت عليها صحيفة "التايمز" أن بعض الأطباء الذين يمارسون المهنة حاليًا في أوروبا ساعدوا في إصدار شهادات الوفاة.

وتظهر إحدى الوثائق، الموقعة من طبيب ممارس في ألمانيا، وفاة ستة سجناء معا نقلوا إلى المستشفى، دون ذكر اسم أي منهم. وجاء في الوثيقة: "وصل المعتقلون إلى قسم الطوارئ في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2013 إثر سكتة قلبية، ولم تكلَل محاولات الإنعاش بالنجاح"، وفي العام الماضي، نشرت الأمم المتحدة تقريرًا قالت فيه إن شهادات الوفاة التي أصدرتها سلطات السجن ووزعتها على عائلات الضحايا احتوت على معلومات كاذبة، بهدف إخفاء سبب الوفاة الحقيقي.

كما وزعم بعض المعتقلين السابقين أن أطباء شاركوا في تعذيبهم، لكن لم  يتم التحقق من ذلك، ولا يعرف ما إذا كان النظام قد أرغمهم على عمل ذلك. ولم تذكر "التايمز" أي اسم من الأطباء الذين وقعوا على شهادات الوفاة لأسباب قانونية.

إحراق السجناء وإجراء عمليات جراحية دون تخدير
وأصدرت محكمة ألمانية في حزيران/يونيو حكما بالسجن المؤبد ضد  علاء موسى، وهو طبيب سوري، بتهم تعذيب وقتل معتقلين في مستشفى عسكري ومقر للمخابرات العسكرية. واتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تشمل على إحراق السجناء وإجراء عمليات جراحية دون تخدير، وقال طبيب عمل في مستشفى حرستا، طلب عدم ذكر اسمه، إنه شهد تعذيبًا وسوء معاملة كبيرة. وكان الجنود الذين يدخلون العنابر يطفئون السجائر في أجساد السجناء ويسكبون مياها قذرة من المرحاض على جروحهم ويعتدون عليهم بالعنف.

وأضاف أن الشاحنات كانت تصل مرتين محملة بالجثث، حيث كانت تلقى في حديقة المستشفى، ولم يعرف ماذا فعلوا بها، وقال إنهم كانوا يرمونها "مثل رمي الرمال في موقع بناء"، وقال طبيب سابق آخر، أصبح شاهدا على قضية جنائية كبرى في ألمانيا، إن الجثث كانت تكدس في شاحنات تبريد بيضاء وتنقل إلى مقابر جماعية، وأفادت مصادر في سوريا أنه بعد عام 2015، نقل الطاقم الطبي إلى مستشفيات أخرى حتى تستخدم حرستا فقط لمعالجة جثث من ماتوا في المعتقلات.

العلاقة بين المستشفيات والجيش تشبه "إبادة جماعية طبية"
وقالت أنصار شحود، الباحثة المتخصصة في جرائم النظام السوري إن  العلاقة بين المستشفيات والجيش تشبه "إبادة جماعية طبية". وقالت: "لقد استخدموا المستشفيات كسجون، وكان ذلك يستخدم بشكل منهجي، وكان عدد القتلى داخل المستشفيات أكثر من عددهم في السجون، هناك مستشفيات كانت جزءًا من عمليات القتل الجماعي في سوريا"، ومع أن البيانات الجديدة تحتوي على أسماء تشاركت فيها المنظمات التي تحقق في المفقودين إلا أن غالبية السجناء رمز إليهم بأرقام، مما يجعل من مهمة تحديد هويات المفقودين مستحيلة.


ولم يمنع هذا السوريين المتلهفين لمعرفة الحقيقة عن المحاولة، فالضابط السوري السابق، الذي شغل منصب رئيس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامي 2020 و2019، هو من وفر الصور إلى مصدر، ثم إلى إذاعة "أن دي أر" الألمانية، لكشف كيفية ارتكاب النظام لجرائمه. قال الضابط السابق: "هناك أمور يجب أن يعرفها الناس" و" يجب أن تعرف العائلات مكان أبنائها وماذا حدث لهم".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية سجون الأسد أطباء سوريون سجون الأسد سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أکثر من

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • أزمة أطباء أسوان .. النقابة العامة تطالب «الصحة» بتحويل إدارة التكليف للتحقيق
  • مقرب منه: المرجع الديني الفياض يخضع للمراقبة الطبية في إحدى المستشفيات
  • نجلاء بدر تكشف تشابه حالة سهام جلال ووالدتها: إهمال الالتهاب الخلوي يؤدي إلى الوفاة
  • باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة
  • المركزي يطلق إصداراً جديداً من «شهادات الإيداع» للمصارف
  • بعد تثبيت الفائدة.. بنك مصر يطرح شهادات بعائد يصل إلى 22%
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • بعائد ثابت 18.75%.. تفاصيل شهادات الادخار في بنك نكست