المنظمات الحقوقية، ماذا بقي منها؟
تاريخ النشر: 10th, September 2024 GMT
الحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني وهي تقترب من إكمال عامها الأول تضع تساؤلات جوهرية حول دور منظمات حقوق الإنسان العالمية وكيف تتعامل قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا مع جرائم الكيان الصهيوني التي تعد إبادة جماعية ترتكب يوميا علاوة على دور محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية.
لقد كشفت الحرب العدوانية التي يشنها الكيان الصهيوني على المدنيين في قطاع غزة عن خلل كبير على صعيد تلك المنظمات الدولية الحقوقية، والتي تمارس الضغوط الكبيرة على الدول لأهداف سياسية خاصة ضد الدول العربية وتفرض ضغوطا من خلال سن القوانين والتي تعد منافية للشريعة الإسلامية وضد الهوية الوطنية والعادات والتقاليد الأصيلة.
إن صوت تلك المنظمات الحقوقية خافت، رغم المجازر البشعة التي يشهدها العالم يوميا من خلال وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي. وعلى ضوء ذلك لم تتحرك تلك المنظمات الحقوقية بالمستوى الذي يعبر عن فداحة وخطورة الجرائم الإنسانية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني رئيس محكمة الجنايات الدولية يقول بأن هناك تهديدات تصل إليه من الكيان الصهيوني حول مسألة إصدار مذكرة اعتقال دولية ضد أحد أكبر مجرمي الحرب في العصر الحديث نتانياهو وحكومته المتطرفة. ومن هنا فإن هناك مؤشرات بأن المحاكم الدولية تتعرض لضغط شديد من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي وهو نفس الحالة مع المنظمات الحقوقية التي تتبع الأمم المتحدة كمجلس حقوق الإنسان أو المنظمات المستقلة.
إن المجتمع الدولي بكل مؤسساته القانونية والأخلاقية والإنسانية أصبح عاجزا وهشًّا أمام الضغوطات الكبيرة التي تمارسها الصهيونية العالمية من خلال أدواتها السرية في الغرب ولم يتبق لتلك المنظمات الحقوقية سواء البيانات التي لا تعبر عن حجم المأساة في قطاع غزه وعموم فلسطين.
إن الكيان الصهيوني لم يعد يعير تلك المنظمات الحقوقية أي اهتمام بل إن المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة قام بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة أمام كل مندوبي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وأمام شاشات التلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي من خلال سلوك يعبر عن قلة الاحترام وعدم المسؤولية، وبأن الكيان الصهيوني كيان لا يلتزم بالقانون الدولي ولا معايير الأمم المتحدة وهذا يعطي مؤشرا بأن الكيان الصهيوني أصبح كيانا فوق كل الاعتبارات ويقوم بعمل الإبادة اليومية دون أن يخشى قادته أي مساءلة قانونية؟
لقد كشفت الحرب العدوانية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني هشاشة المنظمات الحقوقية وعجزها الواضح عن القيام بدورها المنوط بها. ليس لدي شك أن عددا من تلك المنظمات مسيسة وفق أجندات خفية تقودها الدول الكبرى، بل إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قال إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترف بتلك المنظمات إذا عملت ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها والكيان الصهيوني هو في مقدمة هؤلاء الحلفاء. وإذا كانت محكمة الجنايات الدولية تعجز حتى الآن عن إصدار مذكرة اعتقال ضد المجرم نتانياهو بل وتهدد إسرائيل رئيس المحكمة كما أشار هو شخصيا في تصريحات أخيرة فإن القواعد الدولية المنظمة لحالة الأمن والاستقرار في العالم قد سقطت وإن شريعة الغاب والقوة العسكرية والهيمنة هي التي يجب أن تسود، وإن مسألة حقوق الإنسان تعتمد على أجندات وضغوط ضد الدول النامية.
مراقبو حقوق الإنسان يسافرون إلى الدول العربية والإسلامية وينددون في تقاريرهم بالانتهاكات وبعدم وجود حرية التعبير والتمييز ضد النساء وغير ذلك من الأمور السلبية في حين أن الحرب العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كشفت جرائم يندى لها جبين الإنسانية والسؤال: هل قامت تلك المنظمات الحقوقية بزيارة فلسطين المحتلة خاصة قطاع غزة؟ وهل تم اتخاذ إجراءات قانونية واقتصادية ضد الكيان الإسرائيلي المحتل؟ وهل بدأت حملة قانونية وحقوقية منظمة ضد مجرمي الحرب في حكومة نتانياهو المتطرفة؟.
في ظل الهيمنة الأمريكية عجزت الأمم المتحدة عن القيام بواجبها القانوني وحماية المدنيين خلال الحرب، بل إن واشنطن هي التي تحمي الكيان الإسرائيلي من إي عقوبات، والأسلحة الأمريكية تتدفق على الكيان الصهيوني وهذا يعني أن واشنطن مشاركة فعليا في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. كما أن المحاكم الدولية أصبحت غير قادرة على تنفيذ قرارات الإدانة ضد الكيان الإسرائيلي.
إن المنظمات الحقوقية أصبحت في محل شك كبير والسؤال ماذا بقي لها من دور محوري في حماية حقوق الإنسان التي تتشدق بها في مؤتمراتها وبياناتها؟ إن الحرب الإسرائيلية العدوانية ضد المدنيين في قطاع غزة قد كشفت الخلل الكبير في دور منظمات حقوق الإنسان الدولية وأصبحت المحاكم الدولية تخشى من التهديدات الإسرائيلية، إذن ماهو مصير الملفات القانونية التي تقدمت بها دولة جنوب أفريقيا وعدد من الدول؟ هل تنضم تلك الملفات إلى قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بفلسطين منذ عام ١٩٤٨؟.
إن العالم يشهد ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الإنسانية ومع قضايا الحروب، حيث يفقد عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين أرواحهم كل يوم دون أن تتحرك تلك المنظمات الحقوقية والمدنية وهذا يجعل الكيان الصهيوني أكثر استهتارا بالقوانين الدولية وغير مكترث بالبيانات السياسية وهو يواصل آلة القتل اليومية دون رادع. وأصبحت المنظمات الحقوقية والمدنية في محل تساؤل كبير كما هو الحال مع الأمم المتحدة التي عجزت عن إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزه بالشكل الصحيح علاوة على نقص الأدوات الطبية. وعلى ضوء ذلك فإن المقاومة الفلسطينية تبقى هي الرهان الوحيد مع خروج الملايين من الشعوب الحرة في الشرق والغرب التي تحركت وهي تشاهد تلك الجرائم البشعة التي يرتكبها مجرمو الحرب في الكيان الإسرائيلي، والذين يجب أن يقدموا إلى محكمة الجنايات الدولية. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تظل هي حامية تلك الجريمة الكبرى والإبادة الجماعية والتي تضاف إلى سلسلة سجلها التاريخي في الحروب والغزو العسكري للدول النامية طوال العقود الماضية.
عوض بن سعيد باقوير صحفي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الأمریکیة محکمة الجنایات الدولیة الکیان الإسرائیلی الحرب العدوانیة الشعب الفلسطینی الکیان الصهیونی الأمم المتحدة حقوق الإنسان قطاع غزة فی قطاع من خلال
إقرأ أيضاً:
NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا لمراسلتها رجا عبد الرحيم من العاصمة الأردنية عمّان، قالت فيه إن الأردن شكّل، على مدى ثلاثة عقود تقريبًا، قاعدة مهمة للعمليات العسكرية الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط.
والآن، يدفع الأردن الثمن؛ فقد كثفت إيران في الأيام الأخيرة ضرباتها الجوية ضد المملكة، مستهدفة القوات العسكرية الأمريكية الموجودة هناك.
ومع ذلك، ورغم دوي صافرات الإنذار في الأجواء الأردنية، فقد أحجمت المملكة عن تقييد الوجود الأمريكي. ويقول محللون إن اعتماد البلاد الاستثنائي على الولايات المتحدة حال دون تقليص تلك الأنشطة العسكرية.
لقد أصبح الأردن يعتمد على الولايات المتحدة في الحصول على مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية وعسكرية -وهي مساعدات قُدمت على مدار عقود من العلاقات المشتركة- فضلًا عن اعتماده عليها لتوفير الحماية في منطقة محفوفة بالمخاطر.
وعلى عكس بعض جيرانه من دول الخليج العربية التي تتمتع بوفرة النفط والموارد الطبيعية الأخرى، يُعد الأردن دولة فقيرة الموارد ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية. ففي العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة للمملكة 1.65 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية، وفقًا لمسؤولين أردنيين.
وفي حين قيّد بعض حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة قدرة واشنطن على نشر قوات على أراضيها أو تحليق الطائرات في أجوائها خلال الحرب مع إيران، يقول مسؤولون أمريكيون إن الأردن ليس في وضع يسمح له بفرض مثل هذه القيود.
يقول شون يوم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "تمبل" ومؤلف كتاب "الأردن: السياسة في بوتقة تشكلت بالصدفة": "الأردن دولة ضعيفة في الشرق الأوسط؛ فهي صغيرة نسبيًا ومحاطة بتهديدات إقليمية. وهي بحاجة إلى نوع من القوى العظمى الراعية أو الحامي الخارجي، وقد لعبت الولايات المتحدة هذا الدور على مدى عدة أجيال حتى الآن".
وأضاف يوم أن المساعدات التي يتلقاها الأردن من الولايات المتحدة، والتي تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، ضخمة للغاية لدرجة يصعب على أي طرف آخر توفيرها.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في أواخر شباط/ فبراير، ردت إيران جزئيًا من خلال شن ضربات استهدفت حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط.
وخلال الأشهر الأولى من الحرب، استهدفت إيران في المقام الأول إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، لكنها وجهت أيضًا مئات المسيّرات والصواريخ نحو الأردن.
وسرعان ما ألحق الصراع الضرر بقطاع السياحة في الأردن -الذي يساهم بما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد- وذلك بالتزامن مع بدء ذروة الموسم السياحي. ورغم اعتراض معظم الصواريخ والمسيّرات، فإن شركات الطيران ألغت رحلاتها، كما ألغى الزوار المحتملون حجوزاتهم الفندقية.
والآن، ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كثف الجانبان هجماتهما، ووسعت إيران نطاق أهدافها في الأسابيع الأخيرة. فقد أعلن الجيش الأردني أن الدفاعات الجوية أسقطت يوم الأحد ثلاثة صواريخ إيرانية، في حين سقط صاروخ رابع في منطقة غير مأهولة بالسكان.
وقال حسن المومني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية -وهو مركز أبحاث يقدم المشورة للحكومة الأردنية بشأن الأمن القومي-: "إن هذه الاستراتيجية الإيرانية القائمة على التصعيد العمودي ضد الجيران تهدف إلى ممارسة الضغط على هؤلاء الجيران، وكذلك على الولايات المتحدة".
وكانت إيران قد صرحت مؤخرًا بأن بعض ضرباتها الموجهة إلى الأردن استهدفت خزانات وقود في قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأزرق -وهي مركز عمليات للقوات الجوية الأمريكية- وحظائر طائرات في قواعد أخرى، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة أنباء "فارس"، وهي وسيلة إعلام إيرانية شبه رسمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق أنها استهدفت أنظمة رادار واتصالات تستخدمها القوات الأمريكية.
قُتل جنديان أمريكيان وفُقد أثر ثالث يوم الجمعة في هجوم إيراني استهدف قاعدة "موفق السلطي". كما أدت ثلاث هجمات أخرى استهدفت القوات الأمريكية في الأردن في وقت سابق من الأسبوع نفسه إلى إصابة العشرات من الجنود الأمريكيين وإلحاق أضرار بعدد من مروحيات "بلاك هوك".
لطالما عملت القوات الأمريكية انطلاقًا من القواعد الجوية الأردنية، حيث شكلت المملكة قاعدة لأنشطة عسكرية أمريكية شملت الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتدريب مقاتلي المعارضة خلال الحرب الأهلية السورية، وغزو العراق. ويوجد حاليًا ما يقرب من 4,000 عسكري أمريكي في البلاد، وفقًا لتقرير صادر عن الكونغرس.
وقد جرت تهيئة قاعدة "موفق السلطي" وغيرها من القواعد لاستيعاب وجود أمريكي دائم.
وفي هذا السياق، قال غرانت روملي، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في البنتاغون والباحث البارز حاليًا في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى": "لقد كانت البنية التحتية في الأردن قوية ومتينة للغاية من منظور أمريكي لفترة طويلة"، مشبّهًا إياها بـ"حاملة طائرات برية".
وأضاف روملي أن قاعدة "موفق السلطي" تتميز أيضًا بموقعها النائي نسبيًا، مما يتيح للقوات الأمريكية العمل دون لفت انتباه غير مرغوب فيه. ونظرًا لأن الأردن يقع على مسافة أبعد من إيران مقارنة بدول الخليج، فإن القوات الأمريكية المتمركزة فيه تحظى بوقت أطول للاستجابة للهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات.
وذكر مسؤولون أمريكيون أنه في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران وفي أيامها الأولى، نقل الجيش الأمريكي بعض قواته من عدة دول عربية خليجية إلى مواقع أكثر أمانًا نسبيًا في الأردن وإسرائيل المجاورة.
وقال المومني: "لقد كشفت الحرب مع إيران عن مدى أهمية الأردن بالنسبة للولايات المتحدة". وأشار إلى أن واشنطن زادت مساعداتها العسكرية للأردن بمقدار نصف مليار دولار خلال هذا العام.
وكثيرًا ما يشدد المسؤولون الأردنيون على الأهمية الاستراتيجية لعلاقة بلادهم بالولايات المتحدة. ففي مكالمة هاتفية مع الرئيس ترامب في شهر نيسان/ أبريل، أكد الملك عبد الله الثاني الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن في الشرق الأوسط، وتحديدًا فيما يتعلق بآفاق خفض التصعيد في الصراع مع إيران.
وناقش قائد الجيش الأردني، اللواء يوسف الحنيطي، ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي، دانيال زيمرمان، في وقت سابق من هذا الشهر، سبل توسيع التعاون العسكري بشكل أكبر، وذلك وفقًا لما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).
ونادرًا ما تتحدث الحكومة الأردنية علنًا عن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في البلاد. كما لم يوجه الأردن انتقادات علنية للولايات المتحدة بشأن الضربات الجوية التي شنتها ضد إيران أو بشأن خوض الحرب جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، رغم أن محللين يشيرون إلى أن الحكومة كانت تعارض الصراع بشدة منذ بدايته.
وقد أدان مسؤولون أردنيون مرارًا وتكرارًا الهجمات الإيرانية التي استهدفت الأراضي الأردنية؛ وفي الأسبوع الماضي، صرح وزير الخارجية أيمن الصفدي بأن المبرر الإيراني لتلك الضربات -القائل بوجود قواعد أمريكية- هو ادعاء باطل.
وقال الصفدي خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن "منتدى أسبن للأمن": "لا توجد قواعد أمريكية في الأردن. لدينا قوات أمريكية تتواجد في المملكة في إطار تعاوننا العسكري طويل الأمد، ويخضع وجودها لاتفاقية دفاعية تحترم سيادتنا بشكل كامل".
وأكد المومني أن الأردن لن يفكر في إعادة تقييم تحالفه مع الولايات المتحدة رغم تلك الهجمات، مشددًا على أنه "لا يمكن للأردن، تحت أي ظرف من الظروف، تغيير شراكته الاستراتيجية".
كما أشار يوم إلى عدم وجود أي مطالبة فعلية أو ذات شأن في الأردن تدعو إلى التخلي عن الاعتماد على الولايات المتحدة.