سياسة ترامب الخارجية ستُسرِّع مساعي الصين لقيادة العالم
تاريخ النشر: 24th, November 2024 GMT
ترجمة: قاسم مكي
لم يُخْفِ الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب نِيَّته في تَبنِّي موقف متشدد تجاه الصين بدءا بتهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 60% على الواردات الصينية ثم حشده صقورا متشددين ضدها في إدارته. وسيتبَّين أن ذلك سيشكل صداعا لبكين فيما يتعلق بعلاقتها الثنائية مع واشنطن.
لكن إدارة ترامب الجديدة ستقدِّم للصين فرصة كبرى لتوسيع نفوذها أيضا.
رؤية الرئيس الصيني شي جينبينج تنطوي على بسط نظام عالمي وليس الفوضى. لكن هذا النظام سيتحاشى الأعراف وأنظمة التحالف التي ترتكز على القيم العامة لصالح شراكات غير ملزِمة ترتكز على المصالح المشتركة. عمليا، من شأن ذلك أن يمنح الصين نفوذا مُهمِّا بسبب حجم اقتصادها وقيادتها التقنيَّة وقوتها العسكرية المتنامية.
تسعى الصين إلى تحقيق هذه الرؤية بإعادة تشكيل الأمم المتحدة والدفع بالمبادرات العالمية الخاصة بها وتحديد الشروط والظروف المادية التي تحكم سلاسل الإمداد والتقنيات الصاعدة.
منذ عام 2021 كشفت بكين عن ثلاث مبادرات عالمية مرتبطة بنفوذها في الأمم المتحدة وهي مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية.
يُستَشهَد في ورقة مفهوم الأمن العالمي بميثاق الأمم المتحدة باعتباره «جوهر» النظام العالمي. والمبادرات المرتبطة بمبادرة الحضارة العالمية التي تروِّج للحوار بين الحضارات أجيزت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونيسكو (التي سحب ترامب الولايات المتحدة منها.)
أصبحت الأمم المتحدة أداة رئيسية حاولت الصين وتحاول من خلالها بناء دورها كوسيط دولي بما في ذلك ترويجها لخطة سلام لأوكرانيا إلى جانب البرازيل.
مبادرة التنمية العالمية تمثل تطويرا لمقاربة التنمية العالمية عبر مبادرة الحزام والطريق والتي أرست دور الصين كشريك تنمية أساسي لبلدان جنوب العالم. والمبادرتان اللتان يجب متابعتهما ستكونان مبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية.
تقدم مبادرة الأمن العالمي إطارا للتعاون الأمني الدولي في معارضة للتحالفات العسكرية الأمريكية. وفي حين لا تقترب الصين بأي حال من مضاهاة الانتشار العسكري للولايات المتحدة إلا أن المبادرة يتم تفصيلها وفقا لعناصر قوتها مع التركيز على التعاون في مجالات تشمل الأمن الداخلي وأمن البيانات. تقليص تعهدات الولايات المتحدة يمكن أن يساعد بكين على توظيف المبادرة لنشر المعايير الأمنية الصينية وفي ذات الوقت حماية المصالح الاقتصادية الصينية.
أثبتت الصين أنها شريك أمني جذاب لشركاء الولايات المتحدة في مجال الدفاع. فباكستان وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة خارج الناتو تعزز التعاون العسكري مع الصين لحماية المواطنين الصينيين الذي يعملون في مشروعات مبادرة الحزام والطريق. ويشاع أن مصر لديها خطط لإحلال طائرات إف-16 الأمريكية بطائرات جيه -20 الصينية.
بالمقارنة يتم إعداد مبادرة الحضارة العالمية لتقديم بديل لقيم حقوق الإنسان العالمية التي يدفع بها الغرب. فبدلا عنها تروِّج المبادرة لنظام عالمي يرتكز على حضارات متميزة لكل منها قيمها الخاصة وأنظمتها السياسية التي يجب احترام سيادتها وسلطتها.
هذا التأطير والذي أصبح روتينيا في البيانات الدبلوماسية الصينية جذاب بطبعه للقوى الصاعدة وغير الراضية عن النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.
فك الإدارة الأمريكية ارتباطها بالساحة الدولية يمكن جدا أن يسمح لخطاب بكين عن القيم الحضارية بأن يتحول إلى التأطير المفضل للدبلوماسية الدولية خصوصا مع تزايد النفوذ الصيني في الأمم المتحدة.
في نهاية المطاف سيظل النفوذ القوى للصين متجذرا في التجارة والتقنية خصوصا في المجالات التي أسس له فيها دورا قياديا. فمقاربة الصين المنهجية لتطوير التقنية الخضراء بداية من إنتاج الطاقة والى السيارات الكهربائية حققت لها الهيمنة على سلاسل التوريد هذه. وقدراتها الفنية المتقدمة إلى جانب مكانتها كشريك تنمية وتقنية رئيسي حول جنوب العالم تعني أن باقي العالم سيصبح باطراد معتمدا على الصين في سلاسل توريد التقنية الخضراء. وبالتالي مع تحول التقنية الصينية إلى التقنية المفضلة من المرجح أن تسود المعايير التي تحكم استخدامها. وإدارة ترامب التي لا ترغب في أن تكون طرفا في التعاون الدولي حول المناخ ستترك الصين اللاعب الأكبر في مجال التقنية والسلع التي يحتاجها باقي العالم للانتقال إلى الطاقة المتجددة.
يجب عدم التقليل من النفوذ العالمي الذي تحصل عليه الصين من هذا الوضع. لقد شهد منتدى هذا العام حول التعاون الصيني الإفريقي حزمة من التعهدات لزيادة التعاون في الموارد المتجددة والتقنية الخضراء. كما شهد أيضا تعهدات بمزيد من التعاون حول تقنية المعلومات والتي يمكن أن تحدث تحولا جذريا.
حرص الصين على أن تلعب دورا قياديا في الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي يشكل تحديا شبيها للولايات المتحدة حين تنطوي على نفسها. الصين حريصة على اقتسام خبرتها والتعاون مع بلدان جنوب العالم حول التطبيق المباشر لأنظمة الذكاء الاصطناعي كما في مشروعات المدينة الذكية على سبيل المثال. وفي غياب الولايات المتحدة وهي المنافس الوحيد الجاد سيكون بمقدور الصين وضع المعايير العالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتأسيس اعتمادٍ طويل الأجل على المعايير والأنظمة الصينية. وفي آخر الأمر لا يعتمد توازن النفوذ الدولي للولايات المتحدة والصين على العلاقات الثنائية الأمريكية الصينية ولكن على علاقة كل منهما مع باقي العالم.
نفوذ الصين المتزايد في الأمم المتحدة في اقترانه مع مبادراتها الدولية وقيادتها التقنية يجعلها في موضع جيد للاستفادة من ميزة الغياب المحتمل لإدارة ترامب عن المسرح الدولي وتشكيل المعايير العالمية الجديدة على نحو أوسع نطاقا. ولن يكون لدى حلفاء الولايات المتحدة الذين يسعون للتصدي لذلك الوضع خيارات تذكر في ظل ضآلة اهتمام البيت الأبيض بالقيادة الدولية.
قد تقوض الحرب التجارية أجندة ترامب الداخلية لكن يمكن القول إن أجندة «أمريكا أولا» في الخارج أكثر اتساقا مع تعددية الأطراف من النظام الذي يرتكز على قواعد.
الإستراتيجية الأفضل لحلفاء الولايات المتحدة ستكون التخطيط للتكيف مع حقائق عالمٍ يزداد فيه النفوذ الصيني في الأجل الطويل. وهذا يعني تطوير روابط فيما بين هؤلاء الحلفاء ترتكز على مصالح وقيم مشتركة ليس بهدف الحفاظ على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة (فقد فات الأوان) ولكن حماية الأعراف والمعايير الأكثر أهمية لهم ما أمكنهم ذلك.
وهذا يتطلب الارتباط مع بلدان جنوب العالم كبلدان شريكة لديها مصلحة في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب وعبر الارتباط الثنائي ومتعدد الأطراف للتأثير على الاتجاه الذي يتطور فيه ذلك النظام.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: للولایات المتحدة الولایات المتحدة الأمم المتحدة الأمن العالمی جنوب العالم
إقرأ أيضاً:
الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
يشير تصاعد الحديث عن "الاستقرار الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين، في أعقاب قمة مايو/أيار بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، إلى مسعى لضبط التنافس ضمن أطر قابلة للإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالمية جديدة، إلى جانب ترقب لقاء محتمل بين الزعيمين في واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، مما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4ترمب يستعد لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولةlist 2 of 4الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟list 3 of 4الصين تصدر أكثر من مليون سيارة في شهر واحد رغم التعريفات الجمركيةlist 4 of 4حرب تجارية تتسع.. كيف تستخدم الصين سلاسل التوريد في معركتها مع الغربend of listفي هذا السياق، ركزت بعض الصحف الصينية على أبعاد متعددة للعلاقات الثنائية، من فهم الخطاب المتبادل إلى التفوق الصيني في بناء السفن ومحاولات واشنطن لموازنته، وصولا إلى القيود التجارية وتوقعات الردود المقابلة، مما يضعنا أمام السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام تصعيد جديد في الحرب التجارية أم احتكاك اقتصادي يدار ضمن قواعد هذا الاستقرار؟
لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية، فضعف برامج اللغات المدنية، يفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية اللازمة لفهم الصين
بواسطة شينغ يو وانغ
توافق لغوي واختلاف جوهريبحسب ما أوردته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ، ظهر مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي" في بيانات الجانبين عقب لقاء الرئيسين في بكين في مايو/أيار الماضي، لكن بصياغتين مختلفتين تعكسان تباينا في الدلالة والرؤية.
فقد قدم البيت الأبيض العلاقة على أنها "بناءة على أساس الإنصاف والمعاملة بالمثل"، بينما اكتفت بكين بوصفها "علاقة ثنائية بناءة للاستقرار الإستراتيجي".
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس فجوة أعمق في تفسير النوايا الإستراتيجية، إذ يرى محللون أن اللغة الصينية الرسمية "غامضة بشكل مقصود" بما يمنح القيادة مرونة سياسية، في حين تعاني واشنطن من صعوبات متزايدة في تفسير الخطاب الصيني بسبب تراجع قدراتها في الكوادر اللغوية والمعرفية.
إعلانووفقا لكايل تشان، الباحث في مركز جون إل ثورنتون الصيني في معهد بروكينغز "فإن تراجع الدعم الحكومي والاهتمام بين الطلاب الأمريكيين يترك فجوة كبيرة في القدرات اللغوية الصينية"، ويؤيده في هذا الرأي شينغ يو وانغ، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا ، الذي يشير إلى أهمية اتباع نهج أوسع لبرامج اللغة.
ويقول إنه "لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية فقط، فإذا ما ضعفت برامج اللغات المدنية، فقد تفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية الأوسع اللازمة لفهم الصين كنظام متكامل".
تصعيد أم احتكاك مدروسفي السياق ذاته، أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الولايات المتحدة تقترب من فرض إطار جديد لتعريفات جمركية عالمية، قد يشمل نحو 60 اقتصادا تمثل 99% من وارداتها، ويستند هذا التوجه إلى أدوات قانونية أكثر مرونة مثل المادة 301، بما يسمح بفرض رسوم موجهة وقابلة للتوسع.
وترى أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكس ، أن هذا الإطار يمثل "أداة إستراتيجية طويلة الأجل" وليس إجراءً مؤقتا، مشيرة إلى احتمال فرض رسوم إضافية أو قطاعية إذا استمرت اختلالات التجارة أو المخاوف الأمنية.
ورغم ذلك، ترجّح الصحيفة أن التأثير الفوري سيكون محدودا، وأن المسار العام يعكس "منافسة مُدارة" أكثر من كونه قطيعة كاملة، خاصة في ظل استقرار نسبي شهدته العلاقات هذا العام بعد فترة من التصعيد الجمركي المتبادل.
الإجراءات العقابية على قطاع صناعة السفن قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية
بواسطة ماثيو فونايول
رد مقيد وقنوات مفتوحةتجمع التقديرات التي نقلتها الصحيفة على أن بكين ستتجه إلى ردود "مقيدة ومدروسة"، تشمل تعريفات مستهدفة أو قيودا غير جمركية أو ضوابط على الصادرات، مع الحفاظ على قنوات التفاوض لتجنب تداعيات اقتصادية أوسع.
ويشير شو تيان تشن من وحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن الإجراءات الأمريكية الحالية لا تستهدف الصين حصرا، وأن بكين قد "تقبل إلى حد كبير" هذه الرسوم إذا بقيت ضمن حدود معينة. ويضيف أن أي رد صيني سيكون "رمزيا في جوهره"، وقد يستخدم كورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية في ملفات أخرى.
وتظل قضية "العمل القسري" أحد محاور الخلاف المستمرة منذ الولاية الأولى لترمب، حيث تستخدمها واشنطن لتبرير القيود التجارية، وهو ما يعزز الطابع السياسي للنزاع التجاري بين البلدين.
في موازاة ذلك، تبرز صناعة بناء السفن كجبهة جديدة في التنافس، وتفيد ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الكونغرس الأمريكي يدرس فرض تعريفات ورسوم موانئ وعقوبات تستهدف هذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه كقضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه قلقا أمريكيا متزايدا من تفوق الصين، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للسفن التجارية، مقابل أقل من 1% للولايات المتحدة.
إعلانوأشار نواب أمريكيون، مثل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آمي بيرا، إلى أن واشنطن "تتخلف أكثر فأكثر عن الصين" في هذا المجال.
وتتهم الولايات المتحدة الصين بالاعتماد على دعم حكومي لتوسيع هذا القطاع، وهو ما تنفيه بكين، مؤكدة أن تفوقها يعود إلى الابتكار والكفاءة الصناعية.
كما يحذر خبراء، مثل ماثيو فونايول، من أن الإجراءات العقابية قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
من الصدمة إلى الضغط
في المقابل، تقدم تقارير صحفية أخرى قراءة مغايرة للاتهامات الغربية، معتبرة أن مفاهيم مثل "صدمة الصين" و"الفائض الإنتاجي" وصولا إلى "الضغط الصيني" تعكس جميعها "سرديات مضللة".
وترى صحيفة تشاينا ديلي أن هذه المفاهيم تخلط بين التنافسية والممارسات غير العادلة، وتتجاهل دور الصين كمحرك للنمو العالمي، ويستشهد تقرير الصحيفة بدراسة لصندوق النقد الدولي عام 2025 خلصت إلى أن الصين ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي وتأثيراته الإيجابية.
كما تؤكد تشاينا ديلي أن صعود الصين الصناعي يستند إلى عوامل هيكلية مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والابتكار، وأن اندماجها في سلاسل القيمة العالمية يخلق فرصا للدول النامية بدلا من إقصائها.
في ضوء هذه المعطيات، توحي الصحف الصينية بأن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج هجين متشكل من تصعيد محسوب ضمن إطار "استقرار إستراتيجي"، إذ بينما تطور واشنطن أدوات ضغط أكثر مرونة واتساعا، تستعد بكين لردود انتقائية تحافظ على التوازن وتتفادى الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وحيث تتوسع ساحات التنافس لتشمل قطاعات إستراتيجية كصناعة السفن والتبادلات البحثية والعلمية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا الاحتكاك دون تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما تعكسه الدلالات اللغوية التي تؤكد التنافس وتقيّده في آن واحد.