لجريدة عمان:
2025-05-16@16:42:12 GMT

أسوأ الأقفاص.. هي تلك التي نصنعها بأيدينا!

تاريخ النشر: 5th, January 2025 GMT

رسم شاحب، ألوان كابية، وتناسلٌ لا نهائي للموت والفقد. هذا ما شعرتُ به عندما شاهدتُ فيلم الأنيميشن «Memoir of a snail»، بسوداويته العارمة وانحرافاته غير الآمنة لدى تطرقه لبعض الموضوعات الحساسة، الأمر الذي يجعله -على نحو ما- غير ملائم للأطفال.

«موت الأمهات والآباء»، هو موضوع الفيلم، إذ يُسلط الضوء الكثيف على ما يُكابده الأبناء من حزن، عندما يُلقي الفقد بظلاله الداكنة على حياتهم، فيورثُهم آلاما نفسية لا تضمحل بيسر.

تلك المشاعر الكئيبة التي تتملكُ الأبناء، فتجعلهم أكثر قابلية للتبلد أو تدفعهم للتلاشي وكأنّهم غير مرئيين من قِبل العالم!

يبدأ فيلم «Memoir of a snail» بقصّة ولادة توأم. لم تكن قصّة سعيدة، فقد انتهى قدومهما إلى الحياة بذهاب أمّهما إلى المقبرة. وُلدت «غريسي» قبل الأوان فكانت ضعيفة ومريضة وبحاجة لإصلاح شفتها العلوية المثقوبة، وعندما نزفت بشدة، تبرع لها توأمها «جيلبرت» بالدم الذي احتاجته، فتقوت أواصر العلاقة بينهما.

كانت الأمّ طبيبة وقد جمعتها علاقة طيبة بالحلزونات، فانتقل الهوس لابنتها «غريسي» لتعوض فقد الأمّ.

لا يمكننا تجاوز دلالة الحلزون، فقد تبدو صدفته صلبة ومتينة من الخارج، لكنها في الغالب تُخفي كائنًا رخوًا شديد الهشاشة بداخلها.

تماما كأولئك الذين يُظهرون قصّة مُغايرة لتلك التي يبطنونها تحت طبقات جلدهم.

في البيت الذي يغيب عنه دبيب الحياة، كبر الشقيقان وهما يقرآن ويشاهدان التلفاز. الخوف من فكرة الموت دفع «غريسي» لمساعدة المشردين، كما دفع «جيلبرت» لتحرير طيور الجيران من أقفاصها.

علّم الأب «غريسي» كيف تصنعُ مقطعا من الرسوم المتحركة، وعلّم «جيلبرت» بعض المهارات البهلوانية. لكن الأيام الثمينة بينهم كعائلة سرعان ما انقضت. فأدرك التوأم أنّ والدهما المشلول والمحبوس في جسده العاجز كحلزون مُسن آن أوان مغادرته الحياة أيضا.

لم يكن بحوزة التوأم المال لجنازة والدهما ولم يكن لهما أقرباء، فافترق التوأم، وذهب كل واحد منهما لحياة شديدة الغرابة مع عائلة جديدة.

وهكذا لم يعد «جيلبرت» موجودا ليكسر الأصابع التي تمتد لتؤذي شقيقته، فأخذت «غريسي» تلعبُ مع الحلزونات أو مع أصدقاء وهميين تصنعهم من الطين. فالحزن على فقدان العائلة دفعها لملء الفراغ بالمزيد من الحلزونات. كانت تجلب كل ما تراه على شكل حلزوني. ولم يملأ الفراغ الشاسع سوى ما تُرممه الرسائل بينها وبين أخيها لتجاوز المحنة وخيبة الأمل!

واصلت «غريسي» تمثل حياة الحلزونات، عبر انسحابها المستمر إلى حصن صدفتها الآمن. تفاقم الأمر عندما ظهرت لديها رغبات جديدة كالسرقة، أو الاكتناز بسبب التناول المفرط للطعام حتى غدت فتاة مثيرة للشفقة، منعزلة وغير محبوبة. فغدا العثور على رجل من أولئك الذين يُصلحون الأواني المكسورة ويحتفون بشقوقها المهترئة أمرا في غاية الصعوبة!

ثمّ جاءت الرسالة التي ستؤجل التئام العالم، فقد نما إلى علمها خبر موت الشق الآخر منها..توأمها، فدخلت «غريسي» في سبات عميق كذاك الذي تدخله الحلزونات لحظة الكمون. اعتراها الندم الشديد، على المال الذي كانت تبدده في اقتناء الأشياء التي بلا أهمية، والذي كان من الممكن أن يُوفر ثمن تذكرة للذهاب إلى «جيلبرت»!

تعرفت «غريسي» على سيدة عجوز «بينكي»، أحدثت توازنا هائلا في حياتها. امتلكت حكمة تقول: «ما يحتاجه الناس لا يتعلق بالنظر إلى الماضي وإنّما بالمضي إلى الأمام». كانت للعجوز قصّة أيضا، فلقد ولدت أثناء الحرب، فلم تُحضن ولم تجد الاهتمام أو المحبة، بينما كانت تكبر في قفص، لكنها تعلمت أنّ أسوأ الأقفاص هي تلك التي نصنعها لأنفسنا. الأقفاص المصنوعة من مخاوفنا. القواقع التي تحجب الطريق وتُعرقل المضي قدما لمواجهة الحياة بجرأة. فالأشياء التي تربطنا بالماضي، تثقل حركتنا أحيانا، تعيقُ النظر لنسيج الحياة المكتمل. ولذا بدت «بينكي» العجوز المرحة نقيض «غريسي» الشاحبة المتململة، فالطفولة الرديئة لم تكن لتُعطل عجلة الزمن أو توقفها، ولذا ينبغي على كل واحد منا أن يتحكم في الجزء المتعلق به من قصّته الشخصية.

لكن كما يبدو.. نحن لا نفهم الحياة إلا عند تدبر ما قد مضى منها، ثمّ تأتي إرادة الانفلات من قبضة الماضي الصلبة. كتلك الحلزونات التي تمضي قدما مخلفة أثرا لامعا في الطريق الذي عبرت فوقه غير مُبالية بماضي حياتها المكفهر.

هدى حمد كاتبة عمانية ومديرة تحرير مجلة نزوى

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

من أرصفة الحكمة الى ظلال الحياة

بقلم : د. مظهر محمد صالح ..

لم تفلت مني زمام الحكمة وانا اعاود المحاولة كي اتنفس اركان المعرفة التي اصطفت على بلاطات ارصفة الزقاق الرابط بين شارع مادسون ومكتبة مدينة نيويورك العامة. فجنبات الزقاق التي اضاءها الصباح تجعلك لاتبالي باناس ذلك الدرب ،فهم مجانين في مدينة المال ولايرون الا ما في رؤوسهم من حسابات ، فاستعبرت طويلاً قبل ان تلوح في عيني لمعة خاطفة تجاهلت فيها المارة والواقفين حتى وقعت عيني على قطع برونزية شديدة اللمعان ثبتت على بلاطات الرصيف وامتدت بقطع متجاورات تذكي ضياءً من جد وتوثب. وقع نظري على واحدة من تلك القطع البرونزية ولكن بلا تحدي ولا ابتسامة الظفر فوجدتها تخاطبني ،وهي تتمتع بزينتها من دون قلق ولا اعتذار ، وهي تقول : أقرأ ايها القادم من شرق المتوسط ،قبل ان ينقلب الجو عليك متخشعاً تحت سمرة المغيب. فليس ثمة اهمال او عدم مبالاة في هذه البلاد فنحن مشغولون في اعداد المستقبل دون نكران الماضي لنخوض غمارمعركة الحياة .
شعرت حالاً ان سبل الحياة في هذه الامة تقتضي الكفاح وان الكثير يشقى بعنادها وكيدها، وان الحياة بدون تلمس ابرة بوصلتها هي العدو الوحيد الذي لاتدري الامة كيف تأخذ بتلابيبه. لامست ارجلي فجأة قطعة برونزية فريدة على ذلك الرصيف وكانت تحاكي بحق وجه من اوجه شقاء الحياة ومفارقاتها ويقول نصها: الطبيعة والفن يبدوان مختلفين. فلايمكن للاشياء ان تكون نفسها، وعلى الرغم من ذلك ،فان الفن الذي يجسد فهمنا يؤكد دوماً ان الطبيعة هي واحدة ولا تختلف!. قلت في سري من هو قائل ذلك النص الذي ثُبت على تلك القطعة البرونزية اللامعة ؟ عاودت نظري ثانية محدقاً عيني لاجد ان قائلها هو الرسام التشكيلي بابلو بيكاسو. استدركت من فوري لاُعيد انتاج شيئاً رقد في مستودعات ذاكرتي لاسيما تلك الحادثة التي عاد يومها بيكاسو الى بيته بصحبة صديق له، فوجد أثاث منزله مبعثراً وان ادراجه محطمة وجميع الدلائل تشير الى ان اللصوص اقتحموا البيت في غياب صاحبه وسرقوه. وعندما عرف بيكاسو ماهي المسروقات ظهر عليه الضيق والغضب الشديد. هنا سأله صاحبه: هل سرقوا اشياءً مهمة؟أجاب بيكاسو:كلا لم يسرقوا سوى اغطية الفراش.فقال صديقه وهو يسأل بدهشة:إذن لماذا انت غاضب؟اجاب بيكاسو وهو يحس بان كبريائه قد جرح : يغضبني ان هؤلاء الاغبياء لم يسرقوا شيئاً من لوحاتي..!. هنا اخذت ارجلي تغادر نهايات الرصيف متذكراً حكمت بيكاسو بان الفن هو الذي يجسد الطبيعة الواحدة نفسها وان السراق هم تصرفوا خلاف الطبيعة. واخيرا انتهيت بآخر لوحة برونزية اصطفت في رصيف ذلك الزقاق وكانت للشاعرة الاميركية اميلي ديكنسون ، وهي تقول: تموت الكلمات عندما تقال في يوم ما، ولكنني اقول ان الكلمات بدأت لتعيش منذ يومها الاول! .ختاما،وقفت امام مكتبة نيويورك العامة وقد اعتلا مقدمتها اعلانا كبيرا يقول ان بين شهري ايلول وتشرين الاول 2015 سيقدم عدد من الكتاب والمؤلفين نبذة من اصداراتهم الجديدة والدعوة عامة للجميع. استدركت هنا ان ذلك الجمع (من الكتاب والمؤلفين والروائيين ) لم تُغيبهم ارصفة الحكمة طالما ستصطف رموز اعمالهم على ارصفة طريق مكتبة نيويورك العامة . فالطبيعة هي واحدة مهما اختلفت الاشياء.

د.مظهر محمد صالح

مقالات مشابهة

  • النفط يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 1 %.. والذهب في طريقه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 6 أشهر
  • الذهب يسجل أسوأ أداء أسبوعي منذ 6 أشهر والدولار يواصل الارتفاع – أسعار العملات والذهب ليوم الجمعة 16 مايو 2025
  • الذهب يسجل أسوأ أداء أسبوعي منذ 6 أشهر
  • الذهب يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 6 أشهر
  • خبير سياسي: ترامب أسوأ من الأسوأ.. ومواقفه تكشف نفاق السياسات الأمريكية
  • قصة: على هامش الحياة
  • الرئيس أحمد الشرع: سوريا لكل السوريين بكل طوائفها وأعراقها ولكل من يعيش على هذه الأرض المباركة، التعايش هو إرثنا عبر التاريخ وإن الانقسامات التي مزقتنا كانت دائماً بفعل التدخلات الخارجية، واليوم نرفضها جميعاً.
  • الرئيس أحمد الشرع: وخلال الستة أشهر الماضية، وضعنا أولويات العلاج للواقع المرير الذي كانت تعيشه سوريا، وواصلنا الليل بالنهار، فمن الحفاظ على الوحدة الداخلية والسلم الأهلي، وفرض الأمن وحصر السلاح، إلى تشكيل الحكومة واللجنة الانتخابية.
  • من أرصفة الحكمة الى ظلال الحياة
  • وزير الخارجية أسعد الشيباني: نشارك هذا الإنجاز شعبنا السوري الذي ضحّى لأجل إعادة سوريا إلى مكانتها التي تستحق، والآن بدأ العمل نحو سوريا العظيمة، والحمد لله رب العالمين. (تغريدة عبر X)