انطلقت عجلة الحياة تدريجيًا في سوريا الجديدة مع شيوع حالة من الأمن الداخلي، والبدء بالترتيبات الأمنية والاقتصادية والاتصالات السياسية داخليًا وخارجيًا؛ فاستقبلت دمشق وفودًا عربية وإسلامية وأوروبية ووفدًا أميركيًا في ظلال التأكيد على أهمية استقرار سوريا ووحدة أراضيها، واتخاذ واشنطن قرارًا بتعليق العقوبات جزئيًا على سوريا ولستة أشهر، وتوجّه الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات أيضًا بالتوازي مع مراقبة سلوك الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
إيجابية المواقف الإقليمية والدولية في عمومها، وفرحة الشعب السوري بحريّته، وتطلعه نحو الأفضل، لا تكفي لبسط الثقة بالمستقبل، فكل دولة في الإقليم والعالم لها أطماعها ومصالحها التي ربّما تتقاطع أو تتعارض مع مصالح الشعب السوري، هذا في الوقت الذي تولد فيه سوريا الجديدة على صفيح ساخن، وفي منطقة مضطربة وقلقة ومتحرّكة بعنف، ما يحمل في طياته تحديات جمّة أمام دمشق والإدارة الجديدة، ومن أهمها:
أولًا: انسجام المجتمع السوري وحفظ أمنهنجحت الثورة في الوصول إلى دمشق والسيطرة على كافة الأراضي السورية دون إراقة دماء المدنيين في المدن والأرياف، كما استطاعت المزاوجة بين تسوية أوضاع منتسبي الأجهزة الأمنية والجيش، وتقويض نشاط المتمرّدين إلى اللحظة، ومع ذلك فإن ضبط الأمن يحتاج إلى جهود أمنية واستخباراتية متواصلة ومكثّفة لقطع كافة المحاولات المخلّة بالأمن الداخلي، والتي قد تنبت في المستقبل بدعم خارجي ولحسابات سياسية لا تلتقي بالضرورة مع حسابات دمشق.
إعلانوفي هذا الإطار، فإن سوريا ما زالت تحتاج لدمج قوات "قَسَد" الكردية في الجيش الوطني الجديد، ومن الخطورة أن تبقى قوات سوريا الديمقراطية (الكردية)، رافضة للاندماج ومتمسّكة باستقلال قرارها وقواتها ومتحكّمة بالموارد النفطية والمناطق الزراعية شرق الفرات، متّكئة في ذلك على الدعم الأميركي، الذي لو استمر فإنه سيخلق أزمة سياسية أمنية اقتصادية لدمشق، وأزمة سياسية أمنية لأنقرة التي تتطلع لدمج قوات "قسد" في الجيش السوري الجديد؛ لتجنب الصدام العسكري معها، فأنقرة حذّرت على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان (10 يناير/كانون الثاني) بأنها ستتحرك عسكريًا ضد المقاتلين الأكراد إذا لزم الأمر، مؤكّدةً أن الأمر سيتم مناقشته مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي قت سابق قال هاكان فيدان (7يناير/ كانون الثاني)؛ إن "الولايات المتحدة موجودة في شمال سوريا لذرائع معيّنة، لكن 80% من هذه الذرائع لم تعد موجودة"، ومن الأسلم لعلاقات أخوية مع المكوّن السوري الكردي أن يتم التفاهم داخليًا بدون تدخلات أو رهانات خارجية.
فهل تنجح التفاهمات الداخلية مع قوات "قسد"؟ وهل تنجح التفاهمات التركية الأميركية بضم تلك القوات إلى الجيش السوري، وتجنيب البلاد قتالًا متجددًا، لتدور عجلة الاستقرار والبناء؟
في ذات السياق، يحتاج المجتمع السوري أيضًا إلى استعادة الثقة بين شرائحه المختلفة؛ بين من انتصر للثورة ومن انتصر للنظام سابقًا، بين من تضرّر من النظام وفقد بيته وهجّر (12 مليون لاجئ ونازح)، ومن لم يتضرّر ممّن كان مع النظام، وحاجة المجتمع المكلوم والمتضرر إلى القصاص عدلًا من رموز ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن الفساد والجرائم التي طالت ملايين السوريين.
فالمجتمع يحتاج إلى دولة مهيبة وعادلة، ويحتاج سوريا وطنًا حرًا موحّدًا للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق. وهذا يحتاج إلى حِكمة ورُشد، وحرية وعدالة، ومنظومة قيمية وثقافية تساهم فيها المدارس والجامعات، والإعلام، والمساجد والكنائس، والجمعيات والأطر الأهلية.
إعلان ثانيًا: النهوض بالوضع الاقتصاديسوريا الآن دولة باقتصاد مدمّر، وبنك مركزي لا يملك سوى رصيد من الذهب والعملات الصعبة لا يتجاوز الـ 2.5 ملياردولار.
يكفي أن تتخيّل أن المواطن السوري يعيش براتب 20 دولارًا شهريًا، ويحظى بساعتين يوميًا بالكهرباء، ونسبة فقر تصل لنحو 90%، وحسب إحصائيات أوّلية، فإن عدد المنازل التي دمّرت أو تضرّرت بشكل جزئي بسبب القصف بلغ نحو 178 ألفًا، ناهيك عن التدمير في المدارس والمستشفيات والطرق والمناطق الصناعية.
هذا الأمر لا يخلق فقط تحديًا اقتصاديًا بيروقراطيًا، ولكنْ أيضًا تحديًا سياسيًا على مستويين:
الأوّل، يتعلق بالمواطن السوري الذي سيبدأ خلال أشهر في التساؤل عن مستوى التحسّن في القطاعات الاقتصادية والخدمية، وهذا سيشكل تحديًا لمصداقية وكفاءة الحكم الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع. الثاني، وهو الأهم والأصعب؛ أن بعض الدول الغنية والنافذة إقليميًا ودوليًا (غير الصديقة لفكر الثورة والحرية)، قد تحاول استخدام الأزمة الاقتصادية وحاجة سوريا إلى المساعدة والإسناد لتكييفها وتدجينها مع البيئة السياسية الدائرة في فلك الولايات المتحدة الأميركية، الطرف المهيمن في المنطقة، حتى تحظى بالدعم والاعتراف، وإلا فإن تلك الدول ربما تلجأ لاستخدام الأزمة الاقتصادية المستفحلة لإثارة شرائح من الجمهور، واستخدام المتضررين من سقوط النظام السابق لمواجهة الإدارة السورية الجديدة، والخروج عليها من باب المطالبة بتحسينات اقتصادية عاجلة، يُدرك الجميع أنها تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب والتضامن الدولي والإقليمي.وهذا ربما يتطلب من الإدارة السورية الجديدة، تعميق الشراكة مع تركيا وقطر، ومد جسور التعاون مع الدول العربية الشقيقة الصديقة وطمأنتها، والتوازن في العلاقات بين الشرق والغرب الذي ما زال يمارس الاستعلاء والوصاية، وفي زيارة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ووزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك إلى دمشق (3 يناير/ كانون الثاني) إشارة لذهنية الاستعمار الثقافي والاقتصادي المليئة بالشروط والإملاءات.
إعلان ثالثًا: حرية الشعوب ونجاح النموذجأخطر تحدٍ هو انعكاسات النجاح في بناء النموذج القائم على حرية الشعوب وإرادتها.
لا بد من الإشارة إلى أن النجاح ربما يجلب الحسد والنكاية من الفاشلين في حماية الحريات الشخصية والسياسية، والفاشلين في إدارة اقتصادهم، والفاشلين في إدارة بيروقراطية الدولة.
ليس ذلك فحسب، وإنما نجاح سوريا الجديدة بإدارة "إسلامية سُنيّة" قادرة على استيعاب الاختلافات الفكرية والمذهبية والعرقية، وإدارة دولة بحجم سوريا وموقعها الجيوسياسي، بكفاءة بعد سنوات عجاف، قد لا يعجب بعض الأنظمة التي ترى فيه تحديًا موضوعيًا لها، لأنها تخشى من محاكاة النموذج السوري المفترض نجاحه، ما يعزّز حضور التيارات الإسلامية في المشهد السياسي. وهو ما شكل سابقًا – وما زال – تحديًا لبعض الأنظمة في سنوات ما عرف بالربيع العربي.
هذه الخشية من ردة فعل بعض الأنظمة لا تقتصر على الشرق الأوسط الذي يعاني من تراجع الحريات وتقدّم الفقر والفساد، وإنّما تنسحب أيضًا على المنظومة الغربية التي ما زالت العديد من دولها تعيش ثقافة الاستعمار والوصاية على العالم الثالث، ولا تتورّع عن إشهار معاداتها للإسلاميين وحرية الشعوب العربية، وتجترح العراقيل والشروط أمام أي نظام ناشئ لترويضه، مستخدمة في ذلك عناوين برّاقة لأغراض سياسية؛ كالأقليات العرقية والدينية وحرية المرأة وحقوق الإنسان.
وهي ذاتها تلك الأنظمة الغربية التي تدعم إسرائيل المحتلة لأراضٍ سورية، وتدعم عدوانها المجنون على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حتى التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتدافع عن ديمقراطية إسرائيل التي تمارس العنصرية والقهر ضد الفلسطينيين لأكثر من 75 سنة.
رابعًا: إسرائيل المحتلة والمحور السنّيإسرائيل التي تدّعي التحضّر، هي دولة دينية عرقية، تمارس التطهير العرقي والإبادة الجماعية، والعنصرية والكراهية ضد الفلسطينيين والأغيار.
إعلانكيان محتل يؤمن بإسرائيل الكبرى بين النيل والفرات حتى الحدود التركية شمالًا، وأجزاء من شمال السعودية جنوبًا.
هذا الأمر لم يعد مجرد حديث ديني حبيس الكُنُس أو أساطير في عقول بعض المتطرفين اليهود، وإنما سياسة ينطق بها قادة الاحتلال الإسرائيلي أمثال وزير الاتصالات شلومو كرعي الذي قال في 29 ديسمبر/ كانون الأول من العام 2024؛ إن "أبواب القدس تنير دربنا حتى تصل أبواب دمشق" وهي ذات العبارة التي نطق بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في مقابلة أجراها مع برنامج فرنسي قبل عدة أشهر.
وفي السابع من هذا الشهر، نشر الموقع الرسمي لدولة إسرائيل على منصة إكس، خارطة يزعم أنها لدولة إسرائيل القديمة، تضم فلسطين وأراضي أردنية ولبنانية وسورية، مع تعليق يشير إلى حلم اليهود في الأرض الموعودة.
إسرائيل المحتلة تعاملت مع سقوط نظام الأسد، وخروج إيران من سوريا كإنجاز تاريخي لها، ولكنها في ذات الوقت تخشى من عواقب ثورة الشعب السوري، وتحالفات سوريا الجديدة.
هي تخشى من الحرية للشعب السوري، ولأي شعب عربي؛ لأنها تدرك أن مقتضيات الحرية هي الدفاع عن النفس والسيادة، كما تخشى من طبيعة النظام السوري الآخذ في التشكّل بخلفية إسلامية فتُعدّه خطرًا عليها ولو على المدى الطويل، لأن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هي عقيدة عند المسلمين، وهذا يتناقض مع المشروع الصهيوني الاستعماري القائم على احتلال فلسطين وتهويد القدس والأقصى، هذا ناهيك عن موقف سوريا من أراضيها المحتلة.
إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل المحتلة ترى في التقارب السوري التركي باعث قلق، رغم العلاقات التاريخية بين أنقرة وتل أبيب منذ العام 1949، ولكنها ومن منظور سياسي تاريخي ترى في حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، الذي تسلم السلطة منذ العام 2002، وريثًا للدولة العثمانية التي عارضت هجرة اليهود إلى فلسطين وقيام كيان لهم في عهد السلطان عبدالحميد.
إعلانهذا القلق دفع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى عقد اجتماع أمني خاص (8 يناير/ كانون الثاني 2025) بحضور وزير الخارجية غدعون ساعر، ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، ومسؤولين كبار من وزارتي الخارجية والدفاع؛ لمناقشة توسّع النفوذ التركي، في وقت أصدر فيه مركز موشيه ديّان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب دراسة تحذّر من النفوذ التركي، وتدعو لوضع خطة للتعامل مع طموحات تركيا "العثمانية" التي تغيّر موازين القوى في الإقليم، ما يعرّض مصالح إسرائيل للخطر.
ولذلك فإن سوريا الجديدة تقف أمام أطماع إسرائيل في الأراضي السورية وفقًا لمنظور ديني يتغذّى على أفكار الأرض الموعودة، وأمام عداوة إسرائيل لحرية الشعوب العربية، إضافة إلى قلق إسرائيل من التقارب السوري التركي بخلفية إسلامية تتناقض، في تقديرهم، مع المشروع الصهيوني الاحتلالي.
إسرائيل لا تركن لأي طمأنات من هذا الطرف أو ذاك، فرغم علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التاريخية مع أنقرة، فإنها سرعان ما تنتفض قلقًا وغضبًا لردة فعل مبرّرة من تركيا تقف فيها مع الفلسطينيين إعلاميًا وإنسانيًا.
وما يزيد التحدّي أمام سوريا الجديدة أنها جسم وليد في جوار وحش اسمه إسرائيل، يتغذّى على التفوّق القاتل للضعفاء والكاره للأغيار، ويؤمن بنظرية البقاء للأقوى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات إسرائیل المحتلة سوریا الجدیدة کانون الثانی ن السوری تخشى من تحدی ا
إقرأ أيضاً:
ما الذي نعرفه عن أحداث بلدة تل في نابلس بالضفة الغربية؟
استُشهد 4 فلسطينيين وقُتل مستوطن إسرائيلي، اليوم الجمعة، قرب بلدة تل جنوب غرب مدينة نابلس في الضفة الغربية، إثر تصدي أهالي البلدة لاقتحام نفّذه مستوطنون تخلله إطلاق نار.
وفرضت قوات الاحتلال حصارا عسكريا مشددا على البلدة الفلسطينية ومدينة نابلس، وعقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعا مع وزير الدفاع وقائد الجيش ومدير جهاز الأمن العام لبحث الموضوع.
كيف بدأت الأحداث؟أفاد مراسل الجزيرة، نقلا عن مصادر فلسطينية، بأن الحادثة بدأت على مقربة من بلدة تل جنوب غرب مدينة نابلس والبؤرة الاستيطانية "حفات جلعاد" شمال الضفة الغربية، إثر تعرض البلدة الفلسطينية لهجوم من قِبل مستوطنين.
وأظهرت مشاهد متداولة اعتداءات لمستوطنين مدججين بالسلاح على فلسطينيين في البلدة سبقت عملية إطلاق النار قرب حفات جلعاد.
وقد جرت اشتباكات بالأيدي نتيجة محاولة الفلسطينيين الدفاع عن منازلهم وأراضيهم من هجوم المستوطنين بغطاء من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتظهر فيديوهات قيام قوات الاحتلال بعد ذلك بإطلاق النار بكثافة بشكل مباشر باتجاه الفلسطينيين ما تسبب في مقتل 4 من عائلة واحدة.
وقال الاحتلال إن أحد الفلسطينيين استطاع السيطرة على سلاح أحد الإسرائيليين واستخدامه، ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن فلسطينيا انتزع سلاحا من ضابط أمن مستوطنة "زاباتز"، وأطلق النار عليه وعلى إسرائيليين آخرين.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته قتلت الفلسطيني الذي نفّذ عملية إطلاق النار ضد إسرائيليين، وجرت استعادة السلاح الذي استولى عليه.
كما ذكر الجيش أن رئيس الأركان أمر بتعزيز القوات بشكل واسع في منطقة نابلس وباعتقال كل من شارك بالحادثة، فضلا عن مواصلة العمل لإجهاض "الإرهاب" في شمال الضفة الغربية.
وفي وقت لاحق، قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن تحقيق الجيش أكد أن إطلاق النار على الإسرائيليين لم يكن مخططا له.
عَمَّ أسفرت؟
في حصيلة أولية، أسفرت الحادثة عن استشهاد 4 فلسطينيين وإصابة 4 آخرين، 3 منهم إصابتهم خطرة، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة تل، وقالت مصادر طبية إن عدد الشهداء مرشح للارتفاع.
إعلانوفي المقابل، أفاد الإسعاف الإسرائيلي بمقتل إسرائيلي وإصابة 3 آخرين، وأفادت القناة الـ12 عن مصدر بأن القتيل الإسرائيلي قرب تل هو عنصر في "فرقة الاستنفار" في مستوطنة "حفات جلعاد".
وأشار مستشفى "إيخيلوف" في تل أبيب إلى أن طواقمه تحاول جاهدة إنقاذ حياة أحد الجرحى بعدما صنفت إصابته بالحرجة، بينما ذكرت القناة الـ14 الإسرائيلية أن الجيش استخدم المروحيات لإجلاء المصابين قُرب "حفات جلعاد".
ردود الفعل
على صعيد ردود الفعل الإسرائيلية، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض حصار على مدينة نابلس وبلدة تل بالضفة الغربية، مشيرا إلى أنه أرسل جنودا إلى المنطقة القريبة من مستوطنة "حفات جلعاد".
وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن الجيش قرر الدفع بـ5 سرايا لتعزيز قواته بالضفة الغربية في أعقاب الحدث في قرية تل.
وعقد نتنياهو اجتماعا عاجلا مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس أركان الجيش إيال زامير لبحث الرد على العملية في مستوطنة "حفات جلعاد"، مؤكدا أن الحكومة ستتحرك بحزم ولن تسمح للهجمات في الضفة الغربية بالعودة إلى الظهور.
ومن جهته، طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإصدار أوامر للجيش بتدمير منازل "الإرهابيين" وأنصارهم، معتبرا أنه "مقابل كل يهودي يُقتل، على العدو أن يتحمل خسارة الأراضي والمنازل".
وفي السياق ذاته، اعتبر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن أبناء مستوطنة "حفات جلعاد" هم "حماة إسرائيل" وسوف يستمرون في دعمهم، داعيا الجيش للعمل بقوة ضد كل قرية فلسطينية تنفّذ منها عملية وما حولها من بلدات من أجل فرض السيادة.
وذهب سموتريتش إلى أبعد من ذلك بالقول إنه سيطلب من نتنياهو إقامة مستوطنة جديدة على مقربة من مكان حادثة إطلاق النار قرب تل، مشيرا إلى أن قرى تل وعراق بورين وبيت فوريك يجب أن تصبح مثل مخيمات اللاجئين في نابلس وطولكرم.
على الصعيد الفلسطيني، نعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشهداء في قرية تل بنابلس وتمنت الشفاء العاجل للجرحى.
وأكدت الحركة أن ما حدث جريمة إعدام ميداني وجريمة حرب جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الدموي بحق الشعب الفلسطيني، موجهة التحية للفدائي البطل ابن قرية تل الصامدة الذي تمكّن من اغتنام سلاح أحد المجرمين ووجه نيرانه نحو المعتدين.
كما دعت حركة حماس أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى تصعيد المواجهة مع الاحتلال في كل نقاط التماس.
بدوره، رحب الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، (أبو عبيدة) بالعملية وقال: "تحية إجلال وإكبار لأهلنا المجاهدين في ضفة العياش وشبابها الثائرين الذين سددوا الضربات للاحتلال، وتصدوا لقطعان مستوطنيه من نابلس إلى جنين والقدس انتقاماً للأقصى".
ووجه أبو عبيدة دعوة لأبناء الشعب الفلسطيني وعشائره و"شرفاء الأجهزة الأمنية" للخروج من أجل الدفاع عن المقدسات والأعراض، مشدداً على أن "معركة الشعب الحقيقية هي في الضفة المحتلة، وستكون مفتاحاً للنصر الكامل على المحتل النازي".
من جهتها، قالت حركة "فتح"، في بيان لها، إن "المجزرة الدمويّة التي ارتكبها جيش الاحتلال وعصابات المستعمرين تبرهن على مدى استفحال النزعة الإرهابيّة-الإجراميّة لدى منظومة الاحتلال الاستعماريّة التي تستبيح دماء الشعب الفلسطيني، لتنفيذ مشروعي التهجير والترحيل، مواصلة حربها الإبادية على شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية".
إعلانوأضاف البيان: "إن هذه المجزرة التي ارتُكبت عقب مجازر في قرى (دير جرير، وبيت فوريك، وجالود، والمغير) وغيرها، تضع المجتمع الدولي أمام استحقاقات حاسمة حيال صمته المطبق على عربدة منظومة الاحتلال الاستعمارية وإرهابها ودمويتها".
ودعت حركة الجهاد الإسلامي أبناء الشعب الفلسطيني وكل القوى الفاعلة في الضفة الغربية إلى توحيد الصفوف وتكثيف التصدي للمستوطنين وقوات الاحتلال في جميع نقاط التماس "حماية لأرضنا ومقدساتنا".
جاء هذا التطور غداة اقتحام أكثر من 4 آلاف مستوطن للمسجد الأقصى بمناسبة ما يُسمى "ذكرى خراب الهيكل"، بمشاركة وزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير، في الوقت الذي تتبع حكومة الاحتلال إستراتيجية متكاملة تمنح المستوطنين الضوء الأخضر للسيطرة على الأرض.
وتزايدت الاقتحامات المتكررة للبلدات بهدف طرد الفلسطينيين من أراضيهم الرعوية والزراعية وضمان تمدد البؤر الاستيطانية، وسط تسليح مئات الآلاف من المستوطنين من قِبل اليمين المتطرف، وتأمين غطاء عسكري كامل لهم من قِبل جيش الاحتلال أثناء مهاجمتهم المنازل والمساجد، مما جعل المواجهات الميدانية وتصدي الأهالي الدفاعي أمرا حتميا ومستمرا في مختلف المحافظات.
وعقب الأحداث في تل، هاجم المستوطنون مركبات فلسطينية في المنطقة بالتزامن مع استمرار انتشار الاحتلال في قرية تل، كما استهدفت الهجمات قرى جنوب نابلس، بينها جيت وعراق بورين.
كما أشار مراسل الجزيرة إلى شن المستوطنين هجمات واسعة، اليوم الجمعة، على قرى وبلدات في نابلس وطولكرم وجنين وقلقيلية.
وقد استُشهد 86 فلسطينيا، بينهم 21 برصاص مستوطنين في الضفة الغربية، منذ بداية العام الجاري، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.