سودانايل:
2026-07-24@06:42:20 GMT

سياحة من المتعة في زمن العفن والخراب!

تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT

بقلم: حسن أبو زينب عمر

لن أضيف جديدا اذا قلت أن سياحة هادئة في تأريخ الشعر الغنائي في السودان تقودك الى عالم من الجمال والمتعة معجون بالعذوبة .. الكلمات مهذبة والمعاني عفيفة يكسوها الحياء والطهارة .. كان الشعراء رجالا من أندر الفحول .. لازالوا قامات مضيئة سامقة لم تنال من عطائهم الثر رياح التغيير. تزداد الكلمات شموخا وتألقا مع تصاريف الزمان وهل هناك أجمل مما سطره وجدان عبد الرحمن الريح في رائعته (ما رأيت في الكون يا حبيبي أجمل منك)
تعتبر هذه الأغنية باكورة الأشعار الغنائية للشاعر وكانت في منتصف الثلاثينات
ما رأيت في الكون يا حبيبي أجمل منك
فـي دلالك وتيهك وفي جهالة سنك
من كمالك وظرفك ومن جمالك اظنك
يا حـبيبي نـساء الدنـيا ما ولدنك
راجي عطفك ولطفك وراجي حلمك وحنك
ديما يا مريودي تجدني سائل عنك
يا جميل المنظر كيف وكيف اذمك
سيبني في آلامي وبالعلي ما يهمك
خالي عقلك وقلبك وفاضي فكرك وهمك
المدام المسكر والعسل في فمك
يا حـبيـب الانفـس مـا بتوب مـن حـبك
ان صـليتني بنـارك بـرضي برضي بحبك
مـرة تـيه فـي دلالك ومـرة ارعي محبك
ومـرة خـليك جـاير ومرة خاف من ربك
قلبي ذاب من نارك وصبري ضاع من صدك
هـــل اداري حـــياتي ام اعـالج ودك
نســمة الاســحار مــزاجا نفـحة ندك
وزهـرة الازهـار بسـتانا صفحـة خـدك
السـرور اوقـاتك والمـحـاسن خـمـرك
والزمان خـدامـك وممـتثل لـي امـرك
ان امـرتني بقـبل بالوقـوف فـي جمرك
نحـن والايـام اعـمـارنا يفـدن عمرك

(2)
يعود مكان قصيدة (جارو أهلك وجورهم امر) الى حي العرب (أم درمان) وتحديدا زريبة العيش التي كان سوقها يتبرج ويتزين بسرب من الحسان جاء لشراء الذرة وكان السوق مرتع للشعراء وكان المتنفس الوحيد لحي العرضة وهناك تعلق قلب الشاعر الفذ سيد عبد العزيز (أبو السيد) بصبية تحاشى أهلها عيون الشعراء فسرق منها نظرة خلدها الزمان فنا عبقريا فكتب فيها يقول
جاروا أهلك وجورهم أمر بالبعاد والأمِر الأمَر
في ديارهم حجبوا القمر
حسنو يرمي الزول في وكر شوفتو تسكَر من دون سَكَر
للقلوب يا صاحي أحتكر شيء يخلف خالد الذكر
مفخر الأجيال والدهر حسنه أعجز على ما ظهر
في خدوده الحياء ازدهر والطبيعة تناجي الزهر
تدي منظر جذاب بهر زي نجوم السما في النهر
نوره للبدرين أحتقر البهيج النضر الأغر

(3)
تقول الرواية ان الشاعر محمد بشيرعتيق افتتن بحسناء (أبو السيد) التي اختلفت الروايات عن مكان سكنها فمنهم من يقول انها المسالمة ومنهم من يقول حي العرب ولكنه صمم على رؤيتها وتربص بها حتى حفظ عنوان منزل الموصوفة وذهب يترصد بها وبعد ثلاثون يوما بالتمام والكمال من الصبر والانتظار لمحها تخرج كي ترمي بالنفايات خارج المنزل ورغم انه لم يشبع عينيه من الرؤية (غير الشرعية) سوي نصف دقيقة فقد كان ذلك كافيا لميلاد أحد أعذب الدرر (الاوصفوك) نظما وغناء.


كوكب منزه في علوك
سحرك قريب شخصك بعيد
او كان قريب انواره آخذه بدون سلوك
يبرق ثناك في غيهب الليل الحلوك
أظرف شمايلك زاملوك
وهم اكملوك .. ادبك هبة
فيك موهبة ..شكل الظبا
وطبع الملوك يا جميل
لو أنصفوك

(4)
لكن الأمر يختلف هنا بين محمد بشير وعتيق وبين إبراهيم العبادي فاذا تلصص عتيق لرؤية التي افتتن بها فان العبادي ذهب الى مكان التي سلبت عقله عن ثقة وهي ربوع عزة حيث توجد هنده فيأمر زميله الفنان سائق السيارة الكبير عميد الفن السوداني الحاج محمد أحمد سرور والذي كان يعمل وقتها لدى شركة الفيات سرور بضرب كبد السيارة الى المكان المراد
يا سايق الفيات عج بي وخد سنده
بالدرب التحت تجاه ربوع هنده

(5)
الروايات تختلف حول سبب الرحلة ولكن الكل أجمع على إن أحداثها وقعت بين سنجة وسنار ولكن المؤكد ان الذي استوقفه الجمال الفطري الطبيعي لحسناوات البادية والذي لم تطمسه لوثة المدنية ولا صرعات الموضة وتكنولوجيا الميكأب.
انزل يا سرور وشوف يد القدرة
وشوف حسن البداوة الما لمس بدره
وراد النهر خلوني ما بدرا
كاتلني الصفار ام نضرة الخدرة
وحينما كان موقفه يختلف من موقف بشير عاتق فأقترب من سرب من الفتيات وردن النهر لجلب الماء … وكانت من بينهن هنده. فقال لهن (عطشان ويريد أن يشرب) وربما كان يتصنع ولكن رغم ذلك وقفن ورحبن به الا انهن اعتذرن بعدم وجود اناء ليسقوه به الماء فقالت هنده وكانت اكثرهن جمالا وجرأة. (ما في مشكلة نسقيك بي كفوفنا لا من تروى)
ما نفرن تقول سابق الكلام إلفة
عطشان قلنا ليهن وصحت البلفه
ما فيش كاس قريب قالن بدون كلفه
تشرب بي كفوفنا لما تتكفي ….

(6)
الذي يستوقف هنا أيضا ذلك الغزل الصادق البريء من شعراء سودانيون ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بقصائد لا زالت تحتفظ بجمالها ورونقها وبريقها رغم مرور عشرات السنين عليها في زمن كانت الكلمة المموسقة المدوزنة سيدة الموقف أيا كانت وجهتها .. يؤكد هذا المعنى الواعي الكبير ذلك الاحتشاد غير المسبوق علي حسناء اسمها عزيزة ادم منديل نعاها الناعي قبل أسبوعين حينما غادرت الفانية في القاهرة من كوكبة من شعراء السودان .. فقد كانت من بنات ام درمان (حي المسالمة) وكانت تحمل لقب ملكة جمال السودان في مسابقة جرت عام 1958. اختلفت الروايات حول ديانتها من قائل انها قبطية ومن زاعم انها تنحدر من أصول يهودية ولكن هذا لم يمنع سيلا من المعجبين نظموا فيها القصيد .في حوار لها اعترفت عزيزة ان عائلتها يهودية وأنها دخلت الإسلام وساهمت في بناء الخلاوي بعد أن تحولت لناشطة في أعمال الخير. وكان جدها داؤود تاجرا أتي الى السودان من المغرب والجزائر حاملا معه الحرير والالماس وكان صديقا شخصيا للأمام عبد الرحمن المهدي الذي كان وراء اسلامه وتزويجه من أحد بنات الاشراف.

(7)
وفاء بوفاء واعجابا بأعجاب لم تغادر عزيزة السودان حتى عمر الثمانون حيث طاب بها وأسرتها المقام وكان مواطنو ام درمان نساء ورجالا يحرصون على الترحاب بها والسلام عليها في الشارع في أخريات أيامها ويطلقون علها العمة أو الخالة عزيزة ..وقد اشتهرت بظبية المسالمة وكان الشاعر سيد عبد العزيز أحد الذين سقطوا في حبائلها فخلدها بقصيدته الذي زادها رونقا وجمالا عميد الفن أحمد المصطفى .

(8)
يا بنت النيل .. النيل
أحب النيل يا جميل
ظبية المسالمة
وفي الخمايل حالمة
وفيك يا ظالمة. يا ظالمة يا ظالمة
تجرحني ليه وأنا كل جراح
لابد يجي يوم ألقاك وارتاح
آه .. أنا من عيونو الساحرة
آه ..أنا من خدوده النايرة
آه ..أنا من ضفايره السادلة

(9)
ثم يتوقف الشاعر لحظة يسرح فيها داخل السودان شمالا وجنوبا حينما كان الوطن بطوله وعرضه لوحة تسلب العقل وبستانا يغري بالراحة والهدوء والسكينة لتكتمل جماليات الصورة
ليك من سحر الجنوب قسماتو
ومن طيب زهر الشمال الشمال نسماتو
أحبه وأحب نوناتو ..نوناتو ال في وجنتاه

(10)
لم يكتفي عبيد عبد الرحمن بظبية المسالمة بل اتبعها (يا مداعب الغصن الرطيب) ثم (أنة المجروح) اذ يقول
يا أنة المجروح يالروح حياتك روح
الحب فيك يا جميل معنى الجمال مشروح
مصرية في السودان بحبي ليك أبوح
يا عنب جنا ين النيل أتمنى منه صبوح
وأنشد فؤادي الضال بين الرياض مذبوح
وأرى الهلال في ظلال تلك الخميلة يلوح

(11)
غني لها أيضا عبيد عبد الرحمن وسرور (أه من جور زماني) ثم (أفكر فيه وأتأمل) وألف فيها عبيد أيضا
حليل زمن الصبا الماضي
وحليل زهر الحياة الزاهر
حليل زمن الحبيب راضي
وحليل زمن الهوى الطاهر
في زفاف ظبية المسالمة لم يكتف عبيد عبد الرحمن الذي تم بحضوره وحضور سيد عبد الغزيز ضمن المعازيم بتلكم الأغنيات بل دفع الى الجمهور بأغنية (أفكر فيه وأتأمل أراه اتجلى وأتجمل ..هلالي الهل وأتكمل ثم أغنية ( يا مداعب الغصن الرطيب في بنانك ازدهت الزهور زادت جمال ونضار وطيب ..
في الروضة غنى العندليب وغنى أناشيد الحبور.

(12
لم ينتهى التفاف شعراء السودان حول عزيزة فهناك رواية تذهب بأن عبد الرحمن الريح دخل الحلبة رغم انه كان من سكان حي العرب
لي في المسالمة غزال
نافر بغني عليه
جاهل وقلبي قاسي وقلبي طالع ليهو
ان جاه النسيم زي الفرع يتنيه
والثمن الرطيب كذب البقول يجنيهو
أزهار الربيع مازي زهور خديهو
وجذلات الحرير ما لينة زي أيديهو
سالبني نار هواه شال قلبي يلعب بيهو

oabuzinap@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: عبد الرحمن

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • السفير رياض منصور : قابلت الرئيس السيسي منذ 10 سنوات .. وكان لديه رؤية عميقة
  • توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مفاجآت صيف دبي تواصل زخمها بأكثر من 60 يوماً من المتعة
  • السودان تدين الهجمات على البحرين والكويت والأردن والعراق