حين أرسل إليّ الصديق العزيز، الأستاذ صلاح شعيب، هذه النسخة الإلكترونية من كتاب "التصوف والسياسة في السودان"، وجدت نفسي مأخوذًا منذ اللحظة الأولى بموضوعه. كنا قد خضنا نقاشًا مطولًا حول التصوف في السودان ودوره في السياسة، وعندما وصلني الكتاب، شرعتُ في قراءته بشغف عجيب، مدفوعًا برغبة في الغوص في هذا التداخل المعقد بين الروحي والسياسي في تاريخ السودان.

ومنذ الصفحات الأولى، بدا لي أن الكاتب يطرح رؤى تتطلب قراءة تفكيكية تتجاوز السطح النصي إلى بنيته العميقة، محاولًا تحليل الخطاب الكامن وراءه.
يقدم الكتاب تحليلًا موسعًا للتفاعل بين التصوف والسياسة في السودان، بدءًا من دولة الفونج (1504) وحتى الفترة الانتقالية (2022). يعتمد المؤلف على سرد تاريخي يُظهر كيف شكلت الطرق الصوفية، مثل السمانية والختمية والقادرية، قوة اجتماعية وسياسية، لا سيما في مقاومة الاستعمار وبناء الهوية الإسلامية. لكن رغم شمولية الإطار الزمني، يمكن ملاحظة تركيز الكاتب على الفترات الإسلامية المبكرة دون التعمق الكافي في التحولات الحديثة، مثل دور الصوفية في مواجهة الأنظمة العسكرية، خاصة في عهد النميري وبعد انقلاب 1989. كما أن الكتاب لم يتوسع في تحليل تأثير العولمة والحركات السلفية على تراجع النفوذ الصوفي، وهي عوامل كان من شأنها أن تثري النقاش حول طبيعة التحولات الصوفية في العصر الحديث.
يُجادل الكتاب بأن الصوفية لم تكن "دمى في يد الأنظمة"، بل كانت ضمانة لحماية الدين من الاستغلال السياسي. ويستشهد المؤلف بمواقف شيوخ الصوفية الذين رفضوا الانخراط في الصراعات السياسية المباشرة، مع الحفاظ على دورهم كوسطاء اجتماعيين. لكن هنا يظهر التناقض في الطرح، حيث يناقش الكاتب أيضًا تحالف بعض الشيوخ مع الأنظمة العسكرية، مثل حكومة الإنقاذ، لكنه يفسر ذلك كـ"استثناء" ناتج عن استغلال السلطة لهم. غير أن هذا التفسير يبدو قاصرًا، إذ لم يتناول الكاتب آليات هذا الاستغلال بشكل معمق، كما لم يحلل كيف قاومت الطرق الصوفية هذا النفوذ السياسي، أو إن كانت بالفعل قد نجحت في تحييد نفسها عنه.
على مستوى المنهجية، يعتمد المؤلف على مزيج من المصادر الأولية، مثل المقابلات مع شيوخ الصوفية، والمصادر الثانوية كالأدبيات التاريخية. هذا الأسلوب يضفي طابعًا توثيقيًا على الكتاب، لكنه في ذات الوقت يطرح تساؤلات حول الحياد البحثي، إذ أن المقابلات مع الصوفيين قد تعكس تحيزًا ذاتيًا، بينما يغيب في الكتاب صوت المعارضين أو النقاد الخارجيين. كما أن غياب المراجع الأرشيفية الداعمة، مثل الوثائق الحكومية أو المراسلات التاريخية، يجعل بعض الاستنتاجات بحاجة إلى تدعيم إضافي.
يرى الكاتب أن التصوف يشجع التعددية ويرفض الإقصاء، مشيرًا إلى أن كل شيخ يمتلك طريقته الخاصة في التعبد والممارسة. ويذهب أبعد من ذلك بمقارنته مع الليبرالية، حيث يُصور المسيد أو الزاوية كنموذج مصغر لدولة المواطنة التي تذوب فيها الانقسامات القبلية. هذه المقاربة تفتح أفقًا جديدًا لفهم التصوف، لكنها قد تكون مبالغًا فيها. فبعض الطرق الصوفية تعاني من مركزية شديدة في السلطة الروحية للشيخ، وقد تكرس الانقسامات بين مريديها بدلًا من إذابتها. كما أن فكرة "التصوف الليبرالي" تتعارض مع الممارسات الصارمة لبعض الطرق، حيث لا يزال بعض الشيوخ يفرضون طقوسًا متشددة لا تترك مجالًا كبيرًا للفردانية أو التعددية الفكرية.
عند مناقشة علاقة الصوفية بالأنظمة العسكرية، يفند الكتاب الادعاء بأن الطرق الصوفية كانت دائمًا حليفة لهذه الأنظمة، مشيرًا إلى أن هذا الاستقطاب السياسي أضر بسمعتها في بعض الفترات. يوضح كيف استخدمت حكومة الإنقاذ الصوفية كأداة لتقويض الأحزاب التقليدية، مثل الأمة والاتحادي. لكن رغم أهمية هذه الإشارة، فإن التحليل يظل ناقصًا، إذ لم يناقش الكاتب الأسباب الهيكلية التي جعلت الصوفية عرضة للاستغلال، مثل ضعف التنظيم المؤسسي للطرق الصوفية واعتمادها على الزعامات الفردية، مما سهّل على الأنظمة السياسية استقطاب بعض رموزها.
على مستوى الإسهامات، يبرز الكتاب دور الصوفية في بناء السلام الاجتماعي، حيث استخدمت الطرق الصوفية كوسيط في حل النزاعات القبلية، وساهمت فيما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الشعبية" من خلال نشر الإسلام بطريقة سلمية في مناطق متعددة. لكن في المقابل، يغيب عن الكتاب تحليل الصوفية في جنوب السودان، رغم وجود ممارسات صوفية هناك قبل انفصال الجنوب. كما أن البعد الاقتصادي لم يحظَ بالاهتمام الكافي، رغم أن بعض الطرق الصوفية كانت تسيطر على شبكات اقتصادية واسعة، مما أثر على علاقتها بالسلطة والمجتمع.
إعادة قراءة النص من زاوية تفكيكية تكشف أن الكتاب ليس مجرد سجل تاريخي محايد، بل هو خطاب يحمل رؤية ضمنية عن التصوف ودوره في السودان. ثمة تردد واضح بين تقديم التصوف كفاعل مستقل عن السياسة، وبين الاعتراف بأنه كان جزءًا من اللعبة السياسية في فترات متعددة. هذا التوتر بين الرؤيتين يعكس تناقضًا لم يُحسم بالكامل داخل النص، وهو ما يجعل القراءة النقدية ضرورية لفهم مآلاته الفكرية. لكن هذا ليس بالعيب أو النقصان من قيمة هذا السفر، بل هي ملاحظات وتأملات قارئ يحاول فهم دقائق الأشياء، ويبحث عن مقاربة نقدية تضيء النص من زوايا متعددة.
يبقى الكتاب، رغم هذه الملاحظات، إضافة مهمة للمكتبة السودانية، حيث يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول علاقة الدين بالسياسة. لكنه في نهاية المطاف ليس نصًا مغلقًا، بل نص قابل لإعادة التأويل، وهو ما يجعله محفزًا لحوارات أعمق حول التصوف والسياسة، ليس فقط في السودان، بل في العالم الإسلامي عمومًا.

zuhair.osman@aol.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الطرق الصوفیة فی السودان الصوفیة فی کما أن

إقرأ أيضاً:

جَيَّاشُ بن نَجَاحٍ “أَبُوْ الطَّامِي”الْمُؤَسِّسُ الثَّانِي لِلدَّوْلَةِ النَّجَاحِيَّةِ وباني نفوذها فِيْ تَهَامَة

يُعدُّ الأمير جَيَّاش بن نَجَاح الحبشي، الملقب بـ”أبي الطامي”، من أبرز حكام اليمن في القرن الخامس الهجري، وثالث حكام الدولة النجاحيَّة، وصاحب الفضل الأكبر في إعادة إحيائها بعد أن كادت تزول، فقد نجح في استعادة مدينة زَبِيْد من الدولة الصُّلَيْحِيَّة سنة 472هـ/1080م، ثم ثبَّت أركان حكمه بانتصاره في معركة الكَظَائِم سنة 479هـ/1087م، ليصبح المؤسس الثاني الحقيقي للدولة النجاحيَّة، ويضمن استمرارها في ذريته حتى سقوطها بعد نحو ثمانية عقود.

يمانيون/ صالح مقبل فارع

◆ نُبْذَةٌ عن جَيَّاش بن نَجَاح:

وتشمل هَذِهِ النبذة: اسمه وألقابه، ومكانته السِّيَاسِيَّة، وحُكمه، ومدة حكمه، وَالْفَتْرَة الزَّمَنِيَّة الَّتِي حكم فِيْهَا، ونفوذه، ومعاركه مَعَ الدُّوَل المجاورة لَهُ، وأبرز معاصريه، وَأَخِيْرًا وَفَاته، كل هَذَا سَنُبَيِّنُهَا تِبَاعًا فِيْ العناوين والفقرات الفرعية الآتية:

 

◆ نَسَبُهُ وألقابه:

هو الأمير جَيَّاش بن نَجَاح الحبشي، المشهور بلقب أبي الطامي، وينتمي إلى الأسرة النجاحيَّة ذات الأصول الحبشية التي حكمت تهامة واليمن الغربي.

كما عُرف بلقب الملك العادل، واشتهر بالحزم والقدرة العسكرية، حتى أصبح أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ اليمن الوسيط.

◆ مكانته السِّيَاسِيَّة:

يعتبر جَيَّاش بن نَجَاح أحد أبرز الشخصيات السِّيَاسِيَّة فِيْ تَارِيْخ الْيَمَن الوسيط، فهو أحد مُلُوكِ اليَمَنِ وَحُكَّامِهَا فِيْ الْقَرْن الْخَامِس الْهِجْرِيّ، الْحَادِي عشر الْمِيْلادِي، وثالث حُكَّامِ الدَّوْلَةِ النَّجَاحِيَّةِ، والمؤسس الثاني لها، وبقي المُلك فِيْهِ وَفِي ذريته حَتَّى زوال الدَّوْلَة.

◆ العودة من الهند وإحياء الدولة النجاحيَّة:

تعرضت الدولة النجاحيَّة لانتكاسة كبيرة بعد مقتل أخيه سَعِيْد الأَحْوَلِ بن نَجَاح وسيطرة الدولة الصُّلَيْحِيَّة على مدينة زَبِيْد سنة 471هـ/1079م، فتفرقت أسرة نجاح، وكان جَيَّاش قد فَـــرَّ إلى الهند مع وزيره الأُمَوِيّ(1).

وخلال إقامته هناك تزوج امرأة هندية، ورُزق منها بابنه فَاتِكٍ الذي أصبح لاحقًا أحد ملوك الدولة النجاحيَّة.

وبعد أشهر من بقائه فِيْ الْهِنْد عاد جَيَّاش إلى اليمن متنكرًا في هيئة تاجر هندي، وَكَانَ ذَلِكَ أواخر عام 471هــ(2)، الموافق: مايو 1079م، فاستقر جَيَّاش في زَبِيْد، واستطاع في سنة 472هـ/1080م(3) أن يستعيد المدينة ويعلن عودة الدولة النجاحيَّة إلى الوجود من جديد، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر قوة واستقرارًا؛ وولد ابنه فاتك فِيْ نفس ليلة دخوله زبيدًا.

◆ تثبيت الحكم في زَبِيْد:

بعد دخوله زَبِيْد قبض جياش على والي المدينة مالك بن شهاب، الذي كان واليًا من قبل المُكَرَّم أَحْمَد بن عَلِي بن مُحَمَّد الصُّلَيْحِي، ثم أرسله إلى جِبْلَةَ معززًا مكرمًا دون أن يمسه بأذى، في موقف يعكس جانبًا من سياسته في التعامل مع خصومه.

ورغم نجاحه في استعادة العاصمة، لم تتوقف المواجهة مع الدولة الصُّلَيْحِيَّة، إذ استمرت الغارات والحروب بين الطرفين عدة سنوات، وظلت السيطرة على تهامة تتبادل بينهما تبعًا للظروف العسكرية.

◆ الصراع مع الدولة الصُّلَيْحِيَّة:

شهدت السنوات الأولى من حُكم جَيَّاش صراعًا طويلًا مع الصُّلَيْحِيِّين بقيادة سَبَأ بن الْمُظَفَّر الصُّلَيْحِي، وكانت السيطرة على تهامة تتبدل بين الطرفين، حتى شاع أن النجاحيين يحكمون زَبِيْدًا وَتَهَامَة في الصيف، بينما يستعيدها الصُّلَيْحِيُّون في الشتاء.

وَاسْتَمَرَّ هذا الوضع قرابة سبع سنوات، من [472هـ / 1080م] إلى [479هـ/1087م]، إلى أن جاءت المعركة الفاصلة التي أنهت هذا النِّزَاع وَهِيَ مَعْرَكَة الكَظَائِمِ.

◆ مَعْرَكَة الكَظَائِمِ [479هـ/1087م]:

تُعَدُّ مَعْرَكَة الكَظَائِم من أهم المعارك في تاريخ اليمن الوسيط، إذ وقعت في تَهَامَة بين قُوَّات الدَّوْلَة النَّجَاحِيَّة بِقِيَادَةِ جَيَّاش بن نجاح الحبشي وَكَانُوْا بالآلاف، وقوات الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة بِقِيَادَةِ سبأ بن الْمُظَفَّر الصُّلَيْحِي وَكَانُوْا (13000) ثَلاثَة عشر ألف جندي، مِنْهُمْ ثَلاثَة آلاف فَارِس.

اسم الْمَعْرَكَة: الكَظَائِم.

السبب: السَّيْطَرَة عَلَى تَهَامَة.

الْمَكَان: الْيَمَن، تَهَامَة، مَنْطِقَة الكظائم.

الزَّمَان: ذي الحجة ٤٧٩هـ(4)، الموافق: مارس ١٠٨٧م.

الفريقان: وقعت الْمَعْرَكَة بين قُوَّات الدَّوْلَة النَّجَاحِيَّة بِقِيَادَةِ جَيَّاش بن نجاح الحبشي وَكَانُوْا بالآلاف، وقوات الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة بِقِيَادَةِ سبأ بن الْمُظَفَّر الصُّلَيْحِي وَكَانُوْا (13000) ثَلاثَة عشر ألف جندي، مِنْهُمْ ثَلاثَة آلاف فَارِس.

أَحْدَاث الْمَعْرَكَة: لما وصل الْجَيْش الصُّلَيْحِيّ زبيدًا عاصمة النجاحيين الأحباش رأى سبأ في النجاحيين توانيًا وهي مكيدة منهم، ليتوانى سبأ في الحزم؛ وهو ما حصل، فتوانى في الحزم؛ فبيَّتُوه في بعض ليالي ذي الحجة ٤٧٩هـ، الموافق: مارس ١٠٨٧م هو وعسكره؛ على غِرَّة؛ فأتوا على أكثرهم قتلاً؛ ونجا سبأ على قدميه باقي ليلته؛ أي أن هذه المعركة انتصر فيها جَيَّاش بن نجاح بالغدر، وهُزِمَ فيها سبأ الصُّلَيْحِيّ، وقُتِلَ كبار قاداته، كأخيه قَيْس بن أَحْمَد الصُّلَيْحِيّ، ووالي صنعاء عمران اليَامِيّ، وملوك بني زُرَيْع الإِخْوَة، وبهزيمته خرجت تَهَامَة عن سيطرة الصُّلَيْحِيّين، فلم يعودوا إليها أبدًا(5)، وأصبحت تهامة خالصة لجياش وتحت سلطته، فحكمها من زبيد، وحكمها أولاده الفاتكيين من بعده.

نتيجة الْمَعْرَكَة: انتصار الْقُوَّات النَّجَاحِيَّة بِقِيَادَةِ جَيَّاش بن نَجَاح، وهزيمة الْقُوَّات الصُّلَيْحِيَّة بِقِيَادَةِ سَبَأ بن مظفر الصُّلَيْحِيّ، وَذَلِكَ بعد أن تَمَكَّنَ الْجَيْش النجاحي بِقِيَادَةِ جَيَّاش من مباغتة الجيش الصُّلَيْحِي ليلًا، أي عَلَى حين غِرَّة، فأوقع بالجيش الصُّلَيْحِيّ خسائر كبيرة، وقُتل عدد من كبار قادته، من أبرزهم: قيس بن أحمد الصُّلَيْحِيّ أخو سَبَأ الصُّلَيْحِيّ، ووالي صنعاء عمران اليَامِيّ، وملوك بني زُرَيْع الإِخْوَة، كما تكبَّد حلفاؤهم من بني زُرَيْع خسائر جسيمة، بينما نجا سبأ الصُّلَيْحِي بنفسه.

كَمَا أَدَّتْ هزيمة الْجَيْش الصُّلَيْحِيّ إلى خروج تَهَامَة نهائيًا من نفوذ الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة، وأصبحت تحت السيطرة الكاملة لجياش وللدولة النَّجَاحِيَّة(6).

◆ المؤسس الثاني للدولة النَّجَاحِيَّة:

مَثَّل انتصار جَيَّاش في الكَظَائِم نقطة تَحَوُّلٍ كبرى في تاريخ الدولة النجاحيَّة، إذ انتقل بها من مرحلة إعادة الظهور إلى مرحلة الرسوخ والاستقرار.

فبعد سنة 479هـ/1087م انفرد جَيَّاش بحكم زَبِيْد وتهامة، ولم يعد الصُّلَيْحِيُّون ينازعونه فيهما، واستقرت الأوضاع السياسية، وازدهرت تهامة اقتصاديًا، وأصبحت الدولة النجاحيَّة قوة رئيسية في غرب اليمن.

ولهذا يعده المؤرخون المُؤَسِّسُ الثَّانِي لِلدَّوْلَةِ النجاحيَّة؛ لأنه أعاد بناء الدولة ورسخ دعائمها بعد أن أوشكت على الزوال.

◆ نُفُوذُهُ:

بعد أن استقرَّ مُلكُه سَيْطَرَ جَيَّاش عَلَى تَهَامَة كلها، من بَاب الْمَنْدَبِ جَنُوْبًا وَحَتَّى أَطْرَاف الْحِجَاز شَمَالاً؛ فحكمها جَيَّاش وأولاده من بعده؛ وَكَانَتْ “زَبِيْد” هِيَ الْعَاصِمَة السِّيَاسِيَّة لدولته.

◆ مُدَّةُ حُكْمِهِ:

كانت مُدَّةُ حُكْمِ جَيَّاش بن نَجَاح على تهامة منذ أن عاد من الهند إلى وفاته 25 سنة، من 472هـ إلى 498هـ، وَذَلِكَ خِلالَ الْفَتْرَةِ: [472 – 498هـ / 1080 – 1105م].

بينما كَانَتْ مُدَّةُ حُكْمِهِ بعد أن استقرَّ مُلكُه بعد انتصاره في الكَظَائِم واستفراده بزبيد وَتَهَامَة وَهِيَ مرحلة اسْتِقْرَار مُلكه الْكَامِل؛ فقد امتدت ثماني عشرة سنة، من 479هـ إلى 498هـ، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [479 – 498هـ / 1087 – 1105م]، وَهِيَ الفترة التي بلغت فيها الدولة النجاحيَّة ذروة قوتها.

◆ أبرز مُعَاصِري جَيَّاش بن نجاح:

عَاصَرَ الأمير جياش عددًا من الملوك والسلاطين داخل اليمن وخارجها، أبرزهم: ثاني ملوك الدولة الصُّلَيْحِيَّة ملك اليمن الْمُكَرّمُ أَحْمَد عَلِي مُحمد الصُّلَيْحِيّ [459 – 477هـ / 1067 – 1084م]، وثالث ملوك الدولة الصُّلَيْحِيَّة ملك شمال اليمن صاحب حصن أشْيَح الداعية المنصور أَبُوْ حِمْيَر سبأ أحمد مظفر الصُّلَيْحِيّ [477 – 492هـ / 1084 – 1099م]، وآخر ملوك الدولة الصُّلَيْحِيَّة وأشهرهم الملكة أَرْوَى بنت أحمد الصُّلَيْحِيّ [492 – 532هـ / 1099 – 1138م]، وملوك الزَّيْدِيَّة بصعدة: مُؤَسِّس الدولة الزَّيْدِيَّة الثانية أمير وادعة وشهارة الأمير الجليل ذو الشَّرَفَيْنِ محمد بن جَعْفَر بن القاسم العِيَانِي [468هـ – 478هـ / 1075 – 1085م]، وملوك صنعاء ملوك الدَّوْلَة الحَاتِمِيَّة الْهَمْدَانِيَّة: مؤسس الدولة الحاتمية السلطان حاتم علي الغشيم المغلسي الهمداني [492 – 502هـ / 1099 – 1108م]، وملوك أَبْيَنَ، ملوك بني مَعْنٍ بِأَحْوَرَ أَبْيَنَ: الْعَبَّاس بن مَعْنٍ [470 – 477هـ / 1077 – 1084م]، وزُرَيْع بن الْعَبَّاس بن مَعْن [477 – 485هـ / 1084 – 1092م]، وسبأ بن زُرَيع بن العباس بن مَعْن [485 – 491هـ / 1092 – 1098م]، ومسعود بن زُرَيْع بن العباس بن مَعَن [491 – 511هـ/ 1098 – 1117م]، وملوك عدن ملوك الدَّوْلَة الزُّرَيْعِيَّة: الْمَسْعُوْد بن الْمُكَرَّم بن زُرَيْع بن الْعَبَّاس بن المكرم اليامي الحاشدي الهمداني [475 – 503هـ / 1083 – 1109م]، والْعَبَّاس بن الْمُكَرَّم بن زُرَيْع بن الْعَبَّاس بن المكرم اليامي الحاشدي الهمداني [475 – 480هـ / 1083 – 1087م]، وزُرَيْع بن الْعَبَّاس بن الْمُكَرَّم بن زُرَيْع الزُّرَيْعِيّ [480 – 503هـ / 1087 – 1109م]، وملوك حَضْرَمَوْت: ملك تريم حضرموت أَحْمَد بن قَحْطَانَ بن العوم الكندي [468 – 475هـ/ 1075 – 1082م]، وفَهْدُ بن أَحْمَدَ بن قَحْطَانَ [475 – 528هـ / 1082 – 1134م]، ومُؤَسِّسُ دَوْلَةِ آلِ الدَّغَّارِ، بشِبَامِ حَضْرَمَوْت الملك أَحْمَد بن الدَّغَّار بن أَحْمَد بن أبي العلا السبئي الحضرمي [460 – 490هـ/1068 – 1097م]، والعلاء بن الدَّغَّار [490 -501هـ / 1097 – 1107م]، كما عَاصَرَ جياش الدولة الْعَبَّاسِيّة في بغداد، وَعَاصَرَ بعض خلفائها، وهم: الخليفة الْعَبَّاسِيّ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ الله عَبْدُاللَّهِ بن مُحَمَّدٍ ابن الْقَادِرِ الْعَبَّاسِيّ [467 – 487هـ / 1075 – 1094م]، والْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ أَحْمَدُ ابن الْمُقْتَدِي الْعَبَّاسِيِّ [487 – 512هـ/ 1094 – 1118م]، وملوك الدولة الفاطمية بمصر، وغيرهم من ملوك الدول الإسلامية المجاورة.

◆ وفاته وخلافته:

تُوُفِّيَ الأَمِيْر جَيَّاش بن نَجَاح الْحَبَشِي(7) في ذي الحجة سنة 498هـ، الْمُوَافِق: آب، أَغُسْطُس 1105م، بعد حكمٍ دام خمسةً وعشرين عامًا، تمكن خلالها من إعادة بناء الدولة النجاحيَّة وترسيخ نفوذها في تَهَامَة.

وَخَلَفَهُ في الحُكْمِ ابْنُهُ فَاتِكُ بن جَيَّاش، الذي واصل حُكم الدولة، وَاسْتَمَرَّ الْمُلْكُ في ذُرِّيَّةِ فاتك بن جَيَّاش حَتَّى سقوط الدولة النجاحيَّة على يد عَلِي بن مَهْدِي سنة [554هـ/1159م](8).

◆ الْخَاتِمَة:

يُمَثِّلُ جَيَّاش بن نجاح الحبشي “أَبُوْ الطَّامِي” إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ اليمن الإسلامي، إذ لم يكن مجرد حاكم للدولة النجاحيَّة، بل كان صاحب الدور الحاسم في إحيائها بعد انهيارها الأول، وتحويلها إلى دولة مستقرة استمرت عقودًا طويلة. وقد شكَّل انتصاره في معركة الكَظَائِم نقطة فاصلة في ميزان القوى بين النجاحيين والصُّلَيْحِيِّين، ورسَّخ سيطرة النجاحيين على زَبِيْد وتهامة حتى منتصف القرن السادس الهجري، مما جعله يستحق لقب المؤسس الثاني للدولة النجاحيَّة بجدارة.

– الهوامش:

([1]) تَارِيْخ المُطَاع 15.

(2) تَارِيْخ المُطَاع 15، الفضل المزيد 57 – 61.

(3) تَارِيْخ المُطَاع 15.

(4) المفيد 82، اللطائف 78-79، وعند بعض المؤرخين أن الكظائم كانت في 484هـ/1091م، والصحيح ما أثبتناه.

(5) تاريخ اليمن لعمارة، مرجع سابق، ص82، اللَّطَائِفُ، مرجع سابق، صــ78-79، وعند بعض. المؤرخين أن الكظائم كانت في 484هـ/1091م، والصحيح ما أثبتناه.

(6) تاريخ اليمن لعمارة، مرجع سابق، ص82، اللَّطَائِفُ، مرجع سابق، صــ78-79، وعند بعض. المؤرخين أن الكظائم كانت في 484هـ/1091م، والصحيح ما أثبتناه.

(7) الفضل المزيد 64، تاريخ حضرموت للحامد 445. اللطائف 81، غَايَة الأَمَانِيِّ 281.

(8) جواهر تاريخ الأحقاف، للمؤرخ باحنَّان، صـ391، الفضل المزيد 65، غَايَة الأَمَانِيِّ 312، اللطائف 93، تاريخ حضرموت للحامد 448.

 

– المصادر والمراجع:

تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.

تَارِيْخ المُطَاع: تَارِيْخ الْيَمَن الإِسْلامِيّ، تأليف: العلامة المؤرخ: أحمد بن أحمد بن محمد المطاع، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبشي، الناشر: منشورات المدينة، شركة دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1986م.

جواهر تاريخ الأحقاف، تأليف: محمد علي عوض باحنَّان، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2008م.

غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية.

الفَضْلُ المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد، تأليف: العلامة عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَلِي مُحَمَّد الدَّيْبَع الشيباني. تحقيق: الدكتور يوسف شُلحُد، مركز الدراسات والبحوث الْيَمَني، صنعاء،1983م.

اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي المتُوُفِّيَ 1308هـ، تحقيق: خالد أَبَازيد الأذرعي؛ أبو حسان، مكتبة الجيل الجديد، الْيَمَن، صنعاء؛ الطبعة الأولى 1426هـ – 2005م.

المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَار صَنْعَاء وَزَبِيْد وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ الْيَمَن لعمارة الْيَمَنِيّ)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور. حققه وضبط أعلامه وعلق عليه وقدم له بالإضافة إلى مقدمة وتعليقات الناشر الأول (كاي) سنة 1892م المترجمة ترجمة دقيقة: الدكتور حسن سليمان محمود. مكتبة الإرشاد، الجمهورية اليمنية، صنعاء، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م.

المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَارِ صَنْعَاءَ وَزَبِيْد، وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ اليمن)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور. تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، مطبعة السعادة. الطبعة الثانية، 1396هـ – 1976م.

المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ، تَقْدِيْم: زيد بن علي الوزير، منشورات العصر الحديث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407هـ – 1987م.

جياش بن نجاح الطاميملوك وحكام اليمن

مقالات مشابهة

  • بورسعيد بطلًا للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب
  • جَيَّاشُ بن نَجَاحٍ “أَبُوْ الطَّامِي”الْمُؤَسِّسُ الثَّانِي لِلدَّوْلَةِ النَّجَاحِيَّةِ وباني نفوذها فِيْ تَهَامَة
  • المجاهد والدبلوماسي السابق صالح بن القبي في ذمة الله
  • القن: “المزابلة” لن ينسوا صفعتهم في زاوية السبعة بزليتن طوال حياتهم
  • بورسعيد بطلاً للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • حفل توقيع كتاب “على هذه الأرض” للكاتبة أفنان العديني
  • “سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن