لم تكن الساعات الماضية هادئة في المنطقة، فقد تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بسبب اختلاف وجهات النظر بشأن الملف النووي، واستغلت إسرائيل الفرصة لتأكيد استعدادها تنفيذ هجمة على طهران.

ورغم إعلان مسقط صباح اليوم الخميس على لسان وزير خارجيتها، بدر البوسعيدي تأكيده أن الجولة السادسة من المحادثات النووية الأميركية الإيرانية ستعقد الأحد المقبل في العاصمة العمانية، إلا أن حرب التصريحات لاتزال مستمرة، وسط تشبّث طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم واستعدادها لمواجهة أي حروب.

ويثير تسارع الأحداث تساؤلات المراقبين حول مآلاتها المحتملة، خاصة مع تأكيد مسؤول أميركي أن وزير الدفاع بيت هيغسيث أذن بالمغادرة الطوعية لأفراد عائلات العسكريين بجميع أنحاء الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة،أهمها: هل تقترب المنطقة من مواجهة عسكرية مباشرة؟ وما هو تأثير ذلك على أمن المنطقة ومصير المفاوضات النووية المرتقبة؟

ولفهم ما يجري الآن، لا بد من العودة إلى لحظة البداية: فما الذي حدث الليلة الماضية؟

ما الذي حدث؟

كانت أولى الإشارات الجدية لبدء التوتر إعلان مسؤولين أميركيين عن إجلاء معظم الدبلوماسيين من البعثات الأميركية في بغداد وأربيل، تحسبًا لتهديدات أمنية متزايدة، أعقبها إصدار توجيهات بالسماح بالمغادرة الطوعية لعائلات العسكريين الأميركيين المنتشرين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

إعلان

تزامن ذلك مع تواتر التصريحات الأميركية التي أكدت وجود "تهديدات وشيكة"، وسط تأكيدات بأن واشنطن في حالة تأهب قصوى تحسبًا لهجوم إسرائيلي محتمل على إيران، قد يشعل فتيل صراع واسع.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها كونها تأتي قبيل جولة مفاوضات نووية حاسمة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تهديدات متصاعدة من طهران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، ردا على أي هجوم قد تتعرض له منشآتها النووية.

وزادت حدة الترقب بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي برّر إجلاء عائلات العسكريين بالقول: "حتى لا يكونوا في خطر." وهي عبارة فتحت الباب واسعً أمام التكهنات بشأن الخطوات الأميركية المحتملة خلال الساعات المقبلة، وردّ إيران المنتظر.

لكن لفهم ما حدث ووضعه في سياقه الصحيح، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء.

مفاوضات وخلافات

منذ أبريل/نيسان الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإيران 5 جولات من المفاوضات النووية بوساطة سلطنة عُمان، وأعلن الطرفان في أكثر من مناسبة عن تحقيق تقدم ملحوظ.

لكن ملف تخصيب اليورانيوم ظلّ عقبة رئيسية يصعب تجاوزها، حيث تصرّ طهران على حقها في التخصيب ضمن حدود اتفاق الضمانات، بينما تعتبر واشنطن أن هذا البند يمثّل تهديدًا مستقبليًا.

وخلال الأيام الأخيرة، كررت إيران تمسكها بهذا "الحق السيادي"، في حين صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته، مطالبا طهران بتقديم تنازلات، ومحذرًا من أن البديل عن الاتفاق سيكون المواجهة.

أما إسرائيل، فقد شكّكت علنا في حدوث أي تقدم في المفاوضات، وواصلت الضغط على إدارة ترامب لإثنائه عن المسار الدبلوماسي، مؤكدة عدم استبعادها الخيار العسكري لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

وبهذا يتضح المشهد الإستراتيجي الراهن وفق 3محاور:

إيران: تتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم وتؤكد استعدادها لأي مواجهة. الولايات المتحدة: تواصل دعم الخيار الدبلوماسي، مع استعدادات ميدانية تحسبا لاندلاع صراع. إسرائيل: تدفع باتجاه التصعيد وتحرض على ضربة عسكرية محتملة لمنشآت إيران النووية. إعلان المسارات المحتملة

ومع ما سبق، يبدو أن هامش المناورة بدأ يضيق بشكل ملحوظ، ما يطرح تساؤلات جدّية حول المسارات المحتملة التي قد تتخذها الأزمة في الأيام القليلة المقبلة.

فقد زاد دخول الوكالة الدولية للطاقة الذرية على خط الأزمة من تعقيد المشهد، بعدما تبنّى مجلس محافظيها قرارًا يتهم إيران بعدم الامتثال لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات النووية. وردّت طهران بتشغيل مركز جديد لتخصيب اليورانيوم، في تصعيد مباشر يعكس حدة التوتر.

وقد وصفت الخارجية وهيئة الطاقة الذرية الإيرانيتان قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنه "سياسي ويكشف طبيعتها"، مشيرة إلى أن "سياسة التعاون مع الوكالة أدت لنتائج عكسية بسبب التعامل السياسي".

وفي المقابل، استغلت إسرائيل تصريحات المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، الذي لم يتمكن من الجزم بأن البرنامج النووي الإيراني مدني بالكامل، بسبب نقص المعلومات الواردة من طهران، إضافة إلى تحديد الوكالة لثلاثة مواقع شهدت أنشطة تخصيب مشبوهة.

وسارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية لإطلاق سيل من الاتهامات، معتبرة أن إيران "متورطة في برنامج أسلحة نووية سري ومنهجي"، وأنها "تراكم بسرعة كميات من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية، بما يثبت أن برنامجها لا يمكن أن يكون سلميًا".

ويُعتقد أن هذه التصريحات جاءت في إطار تمهيد إسرائيلي لتبرير أي عمل عسكري محتمل ضد طهران، خصوصًا في أعقاب تقرير شبكة "سي بي إس" الأميركية، الذي نقل عن مصادر مطلعة أن واشنطن تبلّغت رسميًا بأن إسرائيل باتت مستعدة تمامًا لتنفيذ ضربة ضد إيران، وأن الإدارة الأميركية تتوقع ردًا إيرانيًا يشمل استهداف قواعد أميركية في العراق.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن دولة صديقة في المنطقة حذّرت طهران من هجوم إسرائيلي محتمل، مشيرًا إلى أن هذا التصعيد المتسارع هو جزء من "حرب نفسية تهدف للتأثير على مسار المفاوضات النووية".

إعلان مصير المفاوضات

في خضم التصعيد القائم، تواصل طهران التأكيد على أن ما يُمارس ضدها من ضغوط لا يعدو كونه "جزءًا من تكتيكات تفاوضية" أو حربًا نفسية تهدف إلى دفعها لتقديم تنازلات قبيل انطلاق جولة جديدة من المفاوضات، المقررة الأحد المقبل في مسقط، وفق ما أكده وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي.

ورغم تمسكها بخيار الحوار، لم تتخلَّ إيران عن التلويح بالتصعيد، مؤكدة استعدادها لمواجهة جميع السيناريوهات، ومحذرة في الوقت نفسه من "أي خطأ في الحسابات قد يُشعل المنطقة".

وفي تصريحات للجزيرة نت يقول رئيس نقابة مدراء مراكز الأبحاث والدراسات الإيرانية عماد آبشناس، إن إيران تفضل الدبلوماسية لحل الخلافات، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يهددان إيران دوما وكل يوم بهجمات عسكرية وعمليات عسكرية.

وأضاف آبشناس أن القوات المسلحة الإيرانية هي على أهبة الاستعداد والاستنفار تحسباً لأي تحرك عسكري من قبل الأعداء، حسب وصفه.

من جهتها، لا تزال الولايات المتحدة متمسكة برفضها لمبدأ تخصيب اليورانيوم، وتدفع نحو إحياء المسار الدبلوماسي، مع توجيه تحذيرات مباشرة لحكومة بنيامين نتنياهو من اتخاذ خطوات قد تعرقل جهود التوصل إلى اتفاق مع طهران.

وفي هذا السياق، يواصل المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف إجراء مشاورات إقليمية، من المرتقب أن تشمل لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين يوم الجمعة، وذلك قبيل انعقاد المحادثات الثنائية المرتقبة في مسقط.

وتنظر تل أبيب بعين القلق إلى أي اتفاق جديد مع إيران، معتبرة أنه يمثل "تهديدًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي"، وتواصل الضغط على واشنطن لمنع أي تنازلات قد تُمنح لطهران.

ويرى، محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة هآرتس، تسفي بارئيل أن حدة التوتر لا تقتصر على محور واشنطن – طهران، بل امتدت إلى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، قائلاً: "المواجهة الأهم تدور حاليًا بين نتنياهو وترامب، لا بين الولايات المتحدة وإيران."

إعلان

ومع اقتراب موعد المفاوضات في مسقط، يبدو أن كل الأطراف تستعد لكل الاحتمالات، وفيما تظل أبواب الديبلوماسية مفتوحة، تراهن إيران على صمودها متمسكة بخيارات التخصيب، بينما تدفع الولايات المتحدة بثقلها ممسكة بكل خيوط اللعبة، فيما تراقب إسرائيل عن كثب وهي على أهبة الاستعداد.

ووسط كل هذا تراقب دول المنطقة التطورات وما إذا كانت ستتجه نحو تسوية سياسية أو انفجار عسكري.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الحج حريات الحج الولایات المتحدة وإیران تخصیب الیورانیوم

إقرأ أيضاً:

المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية

عوض مانع القحطاني – الجزيرة

أطلقت مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح (UNODA) برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية, الذي يستهدف ممثلي الدول المشاركة في الآلية العالمية للأمم المتحدة المعنية بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في سياق الأمن الدولي؛ حيث انطلقت أعمال البرنامج في مقر الأمم المتحدة بنيويورك تزامنًا مع انعقاد الدورة الموضوعية الأولى للآلية العالمية خلال الفترة من 20 حتى 24 يوليو 2026م.
ويأتي البرنامج في إطار المبادرة العالمية لبناء القدرات الدولية في الفضاء السيبراني التي أطلقتها المملكة العربية السعودية ممثلة بالهيئة الوطنية للأمن السيبراني، بالتعاون مع مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني (GCF) والشركة السعودية لتقنية المعلومات (سايت)، وبالشراكة مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة خلال نسخة العام 2025م من المنتدى الدولي للأمن السيبراني.
ويهدف البرنامج إلى تطوير القدرات في الدبلوماسية السيبرانية، والمشاركة الفاعلة في أعمال الآلية العالمية للأمم المتحدة المعنية بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في سياق الأمن الدولي، بما يسهم في توسيع قاعدة المشاركة في الحوار الأممي من الدول الأعضاء نحو صياغة أولويات الفضاء السيبراني، وبما يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة في بناء فضاء سيبراني أكثر أمنًا وصمودًا وازدهارًا للدول والمجتمعات.
وأكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو أن التحديات المرتبطة بأمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ذات طبيعة عابرة للحدود؛ لافتةً إلى أن تعزيز استدامة وفاعلية مخرجات الأمم المتحدة على هذا الصعيد يجب أن تكون قائمة على الشمولية والتعاون.
وأوضح الرئيس التنفيذي لمؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني المهندس عبدالرحمن بن محمد آل حسن أن هذا البرنامج هو أول مخرجات المبادرة العالمية لبناء القدرات الدولية في الفضاء السيبراني، التي جاءت تجسيدًا لنهج المملكة الراسخ بأن الاستثمار في الإنسان ركيزة للتنمية والازدهار في المجالات كافة لا سيما الحيوية منها كالأمن السيبراني.
يُذكر أن المبادرة العالمية لبناء القدرات الدولية في الفضاء السيبراني تقوم على عدة مسارات تشمل برامج البحث والتطوير، والبرامج التدريبية، وورش العمل، وتستهدف تنمية مهارات مجموعة واسعة من المستفيدين، ومن ذلك صناع السياسات، وأجهزة إنفاذ القانون، والدبلوماسيون، والمتخصصون في المجال من حول العالم.

مقالات مشابهة

  • من النووي إلى هرمز .. سمير فرج يكشف تحولا خطيرا في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران
  • واشنطن توسّع خياراتها العسكرية في الشرق الأوسط.. وترامب يلوّح باستخدام أصول إيرانية لتغطية خسائر السفن المتضررة.. وإسرائيل تراقب بقلق تسارع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية
  • الصحة الإيرانية: مقتل 55 شخصا وإصابة 629 إثر الهجمات الأمريكية منذ 27 يونيو
  • وزير الخارجية الألماني ينتقد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماعات مجموعة العشرين
  • خبير اقتصادي: إغلاق باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار
  • الزيدي بين واشنطن وطهران.. معركة تثبيت القرار العراقي
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • قاليباف: لن نسمح ببيع نفط المنطقة إذا حُرمنا من تصدير نفطنا
  • المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية
  • إيران تنفي وجود منشأة نووية في جبل كولانج