الإبادة.. ودروس من حرب غزة
تاريخ النشر: 11th, March 2024 GMT
محمد بن سالم التوبي
الإبادة المتواصلة من قبل أدعياء الديموقراطية متواصلة وتعمل ليلاً نهارًا على تصفية الأبرياء في قطاع غزة، ولا يزال إلى اليوم يقف العالم مشدوها لما يحصل من قتل مروّع وإبادة شاملة لكل ما يدب على الأرض في غزة الجريحة المكلومة في نسائها وأطفالها الذين قتلوا بدمٍ باردٍ من قبل أعداء الإنسانية وأعداء الحرية وبسلاح أمريكي وصمت عربي لا يمكن وصفه إلّا بالصّمت البشع الذي تتسع فيه الشقّة بين الشعوب وحكّامها.
الإبادة التي يصرُّ عليها حكّام الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية الأخرى دليل على تغلغل الصهيونية حتى في اختيار الحُكّام ببعض الدول أو تأثيرهم بطريقة أو بأخرى في اختيار حكّام يؤمنون بالصهيونية أو أختها الماسونية، حتى يستطيعوا خدمة أهدافهم وتوسّعهم في الكثير من البلدان، وبالتالي يتحكّمون في قراراتها والسيطرة على إمكانياتها بما يحقق مصالحهم ومصالح بعض الدول التي تقف معهم وبعض الحكام الذين يخدمون سياساتهم وتوجهاتهم.
في غزّة يقوم الصهانية بقتل الجميع لأنهم يعلمون علم اليقين أن هؤلاء الذين شدّوا وثاقهم مع الله لن تهزمهم الدبابات ولا تكسر شوكتهم الصواريخ، باعوا أرواحهم لله فقويت بالله شوكتهم وسدّد الله رميهم، وهكذا ديدن من يمد حبله مع الله جلّت قدرته فإن الله ناصره ومؤيده، وما الأرواح التي لاقت ربّها إلّا أنها أرواح أراد الله لها أن تكون في الجنة فمنزلة الشهيد عند الله عظيمة.
هذه الإبادة أحد الدروس العظيمة التي كشفت مدى إزدواجية المعايير التي تقوم عليها الديمقراطية الغربية التي تشدّقت بها في المحافل الدولية ووضعت من أجلها القوانين وعقدت لها القمم الدولية والاجتماعات الأممية فبان عوارها وظهر زيفها واتضح للناس كذبها.
لقد اهتزّت صورة العالم الغربي الذي ظهر عبر نصف قرن من الزمن وكأنه حامي حمى الديمقراطية وبطل الحُرّيّة، وقد اكتنزت دفاتر الأمم المتحدة بالقوانين التي تسعى لحماية الناس الأبرياء والنساء والأطفال في السلم قبل الحرب، وتسمّنت أروقة المنظمة في نيويورك ولاهاي وجنيف وحتى بروكسل (مقر الاتحاد الأوربي) من المذكرات القانونية على مدى عقود طويلة وهي تناقش أفضل السبل لحماية الحقوق الإنسانية.. لكن بالحرب على غزة احترقت مذكّرات الحقوق الإنسانية في السّلم والحرب بدبّابات واشنطن وصواريخ باريس وجواسيس لندن.
أعطت حرب غزّة أكبر دروسها في الصبر الذي وهبه الله تعالى لأهلها من مقاتلين ونساء ورجال وأطفال؛ فالطفل منهم عن عشرة من الرجال، والنساء نماذج مشرفة لنساء الأبطال الذين ذكرهن التاريخ في حروبه، وكيف وقفت المرأة عبر الزمن موقف الحرية والكرامة، وسجل لها التاريخ بطولات ومواقف تشهد لها، وفي غزة وفي عصرنا هذا مواقف النساء عظيمة وصبرها على كل ما تلاقيه يجب أن يسجل بماء الذهب، فترى الواحدة منهن وكأنها ترى أبناءها يتخيّرون الجنة التي يريد من حديثها وصبرها ودعواتها وسعادتها باستشهاد فلذة كبدها.
وهكذا ينصر الله عباده المُتَّقين فيجعل من أطفالهم أبطالًا يعدّهم ليوم النصر الكبير، وهكذا هُن نساء المجاهدين الذين أراد الله لهم النصر المبين لا يمكن إلّا أن يكُنّ نساء عظيمات يقِفْنَ وراء هؤلاء الفتية الذين تمكن القرآن من قلوبهم، فشدّوا على أنفسهم من أجل حرّيتهم المنشودة ومن أجل دينهم العظيم ومن أجل قرآنهم المبين ومن أجل شرف هذه الأمة التي وعدها الله بالنصر والتمكين- إن هي أخلصت إلى ربها، وإن هي حققت ما أراده الله منها- وأول ما أراده الله هو العمل على طاعته والابتعاد عن ما لا يرتضيه جلّت قدرته.
دروس غزة كثيرة جدًا- ولقد ذكرت الكثير منها في سياق مقالات سابقة- لكن ونحن في أول أيام شهر رمضان المبارك نستذكرُ معارك الإسلام العظيمة وصبر رسول الله عليه الصلاة وأزكى التسليم وصحابته الكرام في معارك الحق التي واجهها رسول الإنسانية من أجل نُصرة هذا الدين، ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
لقد تعلمنا في هذا الدين العظيم أخلاق الحرب التي كانت- وما زالت- نبراسًا للمسلمين ومنهجًا عظيمًا يجب أن تتعلم منه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية والكيان الغاصب الذي تديره الصهيونية المتخلية من كل صور الأخلاق والقيم البشرية.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
اغتيال الشبح.. عبد الله والمهمة السرّية التي مهّدت طريق الموساد إلى عماد مغنية
شرح المدير السابق لجهاز "الموساد" كيفية وصول إسرائيل إلى المعلومات التي سمحت بتتبع تحركات عماد مغنية، وصولًا إلى اغتياله في دمشق عام 2008.
يعرض المدير السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين، في كتابه "سيف الحرية: إسرائيل والموساد والحرب السرية"، رواية مفصلة عن مرحلة اختراق "حزب الله" منذ أوائل التسعينات، مركّزًا على شخصية لبنانية يطلق عليها الاسم المستعار "عبد الله"، ويصفه بأنها من العناصر القديمة داخل الحزب، وقريبة من دوائره الداخلية وموضع ثقة لدى قياداته.
ويقدّم كوهين هذه القصة كمدخل إلى سرد أوسع حول كيفية وصول إسرائيل إلى المعلومات التي سمحت بتتبع تحركات عماد مغنية، القيادي العسكري البارز في "حزب الله"، وصولًا إلى اغتياله في دمشق عام 2008 في عملية يقول إنها صُممت داخل الموساد ونُفذت بالتعاون مع فرق أميركية.
"عبد الله".. الهدف الذي وضعه الموساد تحت المجهربحسب ما يورده كوهين، فإن عملية الاختراق بدأت عندما تمكن، في بدايات مسيرته المهنية، من إنشاء تواصل مع عبد الله، من دون أن يحدد طبيعة هذا التواصل أو ما إذا كان لقاءً مباشرًا أم عبر وسطاء. ويعرض كوهين هذه المرحلة كبداية لـ"بوابة ذهبية" تمكن من خلالها الموساد من الدخول إلى بنية الحزب الداخلية.
يشير كوهين إلى أن عبد الله كان يبحث في تلك الفترة عن فرصة اقتصادية خارج لبنان، وتحديدًا في أميركا اللاتينية، وهو ما شكّل مدخلًا لعملية التجنيد. ويذكر أن عملية بناء العلاقة قامت على غطاء رجل أعمال من أميركا اللاتينية يبحث عن استثمارات في الشرق الأوسط، من دون توضيح ما إذا كان كوهين نفسه مَن أدار هذا الغطاء أو أحد ضباط الجهاز.
وفقًا للرواية، تم تقديم عرض لعبد الله للعمل على "بحث" يتعلق بـ"حزب الله" مقابل أجر مالي. رفض عبد الله المهمة في البداية وقطع التواصل لفترة قصيرة، لكنه عاد لاحقًا ليعلن موافقته، وهو ما اعتبره كوهين نقطة تحول في قدرة الموساد على النفاذ إلى داخل التنظيم. ويذكر كوهين أن المعلومات التي قدمها لاحقًا كانت من أدق ما حصل عليه الجهاز من داخل "حزب الله".
أول مهمة لـ"عبدالله"كانت أول مهمة لعبد الله هي تحديد مصير الجنديين الإسرائيليين رحاميم الشيخ ويوسي فينك، اللذين أسرهُما "حزب الله" عام 1986. في تلك المرحلة، كان المستشار الأمني الألماني برِند شميتباور يتوسط بين إسرائيل و"حزب الله" لإتمام صفقة تبادل. ويقول كوهين إن عبد الله أكد أن الجنديين توفيا متأثرين بجراحهما، ما أدى إلى تغيير مسار المفاوضات وتقييم "سعر الصفقة".
متابعة تحركات مغنيةيشير كوهين إلى أن القيمة الأكبر لعبد الله ظهرت في السنوات التالية، عندما بدأ في تزويد الموساد بمعلومات دقيقة عن تحركات عماد مغنية. ويزعم أن عبد الله قدم خرائط يومية لمواقع وجوده، وأنماط تنقله بين لبنان وسوريا، ودوائر أمنه، والتفاصيل المتعلقة بالأشخاص المحيطين به. ويضيف أن مغنية كان مطلوبًا في عشرات الدول، وأن الولايات المتحدة وضعت مكافأة كبيرة لقاء أي معلومة تؤدي إلى القبض عليه.
"اغتيال دمشق 2008"يتجنب كوهين الخوض في تفاصيل عملية اغتيال مغنية في دمشق عام 2008، لكنه يقول إن العملية "صُممت داخل الموساد ونُفذت بواسطة فريق مشترك أميركي وإسرائيلي". ويأتي ذلك متقاطعًا مع ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت عام 2024 بشأن مسؤولية حكومته عن العملية.
حرب استخباراتية ممتدةيضع كوهين هذه القصة ضمن إطار أوسع لاستراتيجية موساد تهدف إلى اختراق "حزب الله" وإيران، عبر إدخال معدات وتقنيات مخترقة إلى بيئة الحزب منذ التسعينات، ولاحقًا داخل إيران. ويقول إن الجهاز أمضى عقودًا يعمل على تفكيك مراكز قوة "حزب الله" عبر شبكات بشرية وعمليات سيبرانية، معتبرًا أن هذا الاختراق ساهم في إحباط عمليات كان التنظيم يخطط لها وتأخير مواجهات أكبر. ويختتم بالقول إن "حزب الله" ما يزال "التحدي الأكبر على الحدود الشمالية لإسرائيل"، وإن المواجهة معه تشكل جزءًا أساسيًا من "الحرب الاستخباراتية المستمرة" مع إيران.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة