لجريدة عمان:
2025-11-29@23:28:01 GMT

أسئلة الإجازات ودروس الطبيعة

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

جاءت الإجازة، وكان السؤال المحوري: أين نذهب في الإجازة؟ لكن من منا سأل نفسه ماذا نريد فعلًا من الإجازة؟ من الواضح أننا ننشد شيئًا ما من الإجازات، وأن كل هذه الطرق الطويلة التي نقطعها، وهذه المصاريف التي ننفقها من كسبنا ومدخراتنا ليست عبثية. نحن ننشد شيئًا ما، لكن ما هو هذا الشيء؟ هل نعرفه معرفة واضحة؟ أم أن إدراكنا له ضبابي؟ أم أننا مدفوعون بتيار اجتماعي سائد؟ يخرج الناس للنزهات والرحلات في إجازاتهم ونحن نفعل مثلهم، أو نفعل ذلك لأننا جربناه من قبل واستشعرنا السعادة؛ لكن ما الذي يسعدنا بالتحديد في حقيقة الأمر؟ فليست هذه النزهات بلا تكاليف ولا تعب ولا متطلبات كثيرة.

وهي إن امتدت ليوم أو يومين، كما هو الحال في هذه الإجازة، فهي عبارة عن انشغال متصل، من التجهيز لاختيار الأمكنة المناسبة وحيرتها، إلى إعداد وتجهيز الوجبات، إلى الصعوبات وحتى المخاطر أو الحوادث التي نخشاها، خاصة على الصغار والأطفال، فلم كل ذلك؟

هل نبحث من وراء ذلك عن الراحة والاستجمام واستعادة الحيوية؟ أم عن تشييد الذكريات، وعن تعميق الروابط العائلية في الأسرة الواحدة، قبل أن تفرقها مراحل العمر القادمة؟ لعل الإنسان يبحث عن حضوره وعن حضور صريح وجلي لأسرته وعائلته، يبحث عن تجسيد معنى شعور العائلة في أفراد العائلة.

وربما لا ينشد رب الأسرة غير أن يضم عائلته في إطار جميل أطول مدة ممكنة، أن يشتركوا جميعًا أطول مدة من الزمن في غاية واحدة، أن يرى الوالدان السعادة في عيون أبنائهما وبناتهما، أن يلمسوا صرح السعادة للحظة أو لحظات قبل أن يتبدد كالسراب.

في الإجازة توزعت أفواج الناس بين المقاصد السياحية على اختلافها، من المدن الحديثة وإغراءاتها وفنادقها ومولاتها وأسواقها، إلى المدن والحواضر العتيقة وعبق تاريخها والحنين الذي توزعه وجذبها المعاصر الذي يغازل الرغبات التحديثية، إلى الطبيعة وأفيائها وبراريها وصحاريها ورمالها وبحرها وجبالها؛ لكن ما الذي تقوله كل هذه الحشود التي اصطفت في طوابير تنتظر دورها لبلوغ مقاصدها؟ ما الذي أخرج كل هؤلاء البشر من بيوتهم وجعلهم يزدحمون هنا وهناك؟ ما الذي يبحثون عنه بالتحديد وراء كل هذه الجهود والأموال التي تتطلبها حركتهم الهائلة هذه في كل حدب وصوب؟

هل أرهقتنا حياتنا المعاصرة؟ كل مواعيد الاستيقاظ الآلية ومواعيد المدارس والأعمال والوظائف التي جعلتنا نزدحم في الطرقات صباح كل يوم ومساءه؟ كل هذا الانضباط الآلي والحركة الجمعية لعلها عمقّت حاجتنا إلى التحرر من النظام، ولو قليلًا، ولعل الإجازات تأتي لنعيد تلمس الحرية التي نتوق إليها، دون أن تلاحقنا الأعمال والهموم اليومية أو الشهرية، دون أن نفكر في عواقب مصاريفنا على ميزانياتنا، دون أن نلقي بالًا لما يتبقى من الرواتب لبقية الشهر.

لعل الإجازات تأتي لنعبّر فيها عن هذا التوق الخالص إلى الخروج ولو يومًا أو يومين من ربقة النظام المصمت، النظام الذي لا يعاملنا كأفراد لنا خصوصياتنا وشخصياتنا المختلفة، بل كجموع، كقطعان من البشر. ندور في حركة آلية ونعمل في منظومات ندعوها بأسماء مختلفة: الوطن، السوق، العالم، الصالح العام، الإنسانية، وندعي أننا بانخراطنا فيها نحقق ذواتنا، نحقق حاجتنا الفطرية الأخرى للعمل والإنتاج وإدراك معنى لوجودنا، ربما، وربما لا يدور في بال الكثيرين منا مثل هذه الأسئلة الملتبسة التي ترهق من يذهب في إجازة للاستجمام والراحة، ومع ذلك تلاحقنا أسئلة ما بعد الإجازة: هل استمتعنا بالإجازة؟ وهل عدنا لأعمالنا وحياتنا اليومية أكثر نشاطًا وحيوية؟ وهل ألهمتنا الإجازة وأرضت نفوسنا ونفوس أُسرنا وعوائلنا فعادوا بقوة وصحة نفسية عالية على استعداد لتخطي كل الصعاب والعقبات التي تعترض كل طريق؟ أم لا شيء من ذلك؟!

ستبعث الأسئلة الإجابات من مراقدها، أما الآن بعد الإجازة، فإن آثار كل هذا النشاط والحركة الإنسانية قد تحولت إلى محركات اقتصادية مختلفة، لكنها قد تركت مخلفاتها وآثارها كذلك في كل مكان.

ولعل أكثر ما يحزن النفس هو حجم المخلفات والأوساخ التي يتركها بعض السياح خلفهم، خاصة البلاستيك ومشتقاته، تلك التي تستعصي على الطبيعة، وتظل ذراتها تلوث التربة والمياه لقرون، ولا شك أن المرء يتساءل بالفطرة، وحتى من لا يمتلك حظًا وافرًا من التعليم والمدنية يدرك مخاطر مثل هذه المخلفات على الطبيعة، لأنه يلمس سوءاتها، فهؤلاء الرعاة في الصحاري النائية والجبال ينهضون بأنفسهم، بعد أن يذهب بعض السياح بلا مبالاتهم تاركين أكياسهم ومخلفاتهم وعبوات مشروباتهم حيث كانوا، ليجمعوا تلك المخلفات ويبحثوا لها عن طريقة تبعدها عن مواشيهم.

ولكن مهما تكن همة الرعاة فإنها لا تستطيع أن تمسح الأرض بأكملها بحثًا عن علبة بلاستيكية فارغة رمتها سيارة، أو كيس أغذية مصنعة رمتها سيارة أخرى، وإذا كان للمدن أنظمتها الصارمة في مخالفة مثل هذه التصرفات حتى تجعل مرتكبها يتوب، فإن الطبيعة البكر ليس لديها مثل تلك الرقابة، وكل تلك المخلفات المبعثرة تبقى شاهدة على انعدام الذوق والنشاز الصارخ، بين جمال الطبيعة البكر وبين الزبالة المتناثرة في كل مكان، في عصر أصبحت فيه الزبالة هي الشاهد على مرور الإنسان: مر من هنا الإنسان المعاصر.

«حافظوا على جمال الطبيعة لا تدمروها كما دمرناها نحن» هذه الكلمة التي قالتها لي منذ سنين امرأة أمريكية سبعينية بينما كنا نسير على أقدامنا في الرمال، قالتها وهي تحرص على أن تحمل معها كيسًا تجمع فيه المخلفات البلاستيكية التي نصادفها في سيرنا، وما زالت كلمتها ترن في ذاكرتي، هي التي أخجلني تصرفها ذاك، ولم أدر ما أدافع به عن بني قومي يومها غير الجهل، واليوم يحزنني أن أرى القذارة مرمية بلا مبالاة أينما ذهبت وارتحلت، فكما يبدو أننا لم نتعلم الدرس بعد، ولا ندرك حجم الخطر.

نذهب للطبيعة لنستعيد ما فقدناه من انسجامنا الفطري، لنعيد تنظيم التيارات الدموية والعصبية داخلنا، نتصل بالطبيعة لنطمئن ونتطامن، كي نجعل أبناءنا يدققون النظر في مشهد السماء الليلية الملأى بالنجوم الزاهرة، وليمدوا أبصارهم في الآفاق المفتوحة بلا نهاية ولا حد، نعيد تعريفهم هم الذين حرمتهم المدنية والحداثة من ثراء الطبيعة وتفاصيلها الغنية، على الأعشاب والأشجار والحيوانات والواحات، على ما أبدعته الطبيعة وما أبدعه الإنسان المنسجم مع طبيعته، لكن كيف نذهب للطبيعة طالبين منها تحقيق تلك المعجزات داخلنا دون أن ندرك قيمتها؟ ولماذا لا نستوعب أن هذه الطبيعة لا تتحمل أن نشوهها ونوسخها؟ وهل نهرب من المدن التي نحافظ على نظافتها إلى أحضان الطبيعة لنملأها بالقاذورات؟ فأين منا فطرتنا السليمة؟ وما الذي شوّشنا كل هذا التشويش، فها هو الراعي الملتحم بطبيعته يعرف أن هذا التصرف تصرف غير حضري، فكيف بالمدني الذي يدعي أنه يحتكر التحضر؟!

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ما الذی دون أن

إقرأ أيضاً:

عقوبات مشددة لـ الممتنعين عن رد قيمة النفقات الخاصة بالبعثات الدراسية

ألزم قانون تنظيم البعثات والمنح والإجازات الدراسية الجهات الحكومية بضرورة الاتفاق مع جهة الإيفاد لمدة مماثلة للمدة التى قضاها فى البعثة أو الإجازة الدراسية،  وفرض القانون عقوبات رادعة تصل للحبس والغرامة للمخالفين . 

في هذا الصدد، نصت المادة ( 24) من القانون على أن يلتزم الموفد بخدمة الجهة التى أوفدته أو أى جهة حكومية أخرى بالاتفاق مع جهة الإيفاد لمدة مماثلة للمدة التى قضاها فى البعثة أو الإجازة الدراسية ، وبحد أقصى خمس سنوات للمبعوث إلا إذا تضمنت شروط البعثة أحكاما أخرى تزيد على المدة المشار إليها.

%12 من الوظائف مهددة.. دراسة تكشف أسرار استبدال البشر بالذكاء الاصطناعياشتراك سنوي 1000 جنيه.. «المحامين» تعلن الدراسة الجديدة لصندوق التكافل الاجتماعي 2026تعديل نظام الدراسة والامتحانات بمدارس المتفوقين |ماذا قررت التعليم؟دراسة توضح فوائد جديدة للقهوة.. تعرف عليها

وللجنة أن تقرر زيادة المدة المشار إليها فى الفقرة السابقة فى بعض البعثات ، وذلك بالنظر إلى طبيعة البعثة ونفقاتها ومدى ضرورتها القومية.

ويكون قضاء المدد المنصوص عليها فى هذه المادة عقب انتهاء البعثة أو الإجازة الدراسية أو المنحة مباشرة.

وفى جميع الأحوال، لا تحسب الإعارات وما فى حكمها أو الإجازات الخاصة بمرتب أو دون مرتب ضمن مدة الخدمة الفعلية المنصوص عليها فى هذه المادة.

وفى حال عدم الالتزام بما تقتضيه هذه المادة يتعين على المبعوث أو عضو الإجازة الدراسية أو الموفد أو وكيله أو ضامنه منفردين أو متضامين ، على حسب الأحوال ، رد جميع النفقات.

غرامة 3 ملايين جنيه

يعاقب بغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثة ملايين جنيه الموفد أو ولى الأمر أو الضامن ، بحسب الأحوال ، الذى يمتنع دون وجه حق عن رد قيمة النفقات طبقا لنص المادة (٢٤) من هذا القانون.

و للجنة أن تقرر إنهاء بعثة أو إجازة أو منحة الموفد الذى يخالف أحكام أى من المواد أرقام (١٩ ، ٢٠ ، ٢١) من هذا القانون ، ويتعين فى تلك الحالة على المبعوث أو الموفد أو ضامنه أو ولى أمره ، بحسب الأحوال ، منفردين أو متضامنين رد نفقات البعثة أو الإجازة أو المنحة كلها أو بعضها حسب ما تقرره اللجنة . 

طباعة شارك قانون تنظيم البعثات الإجازات الدراسية الإجازة الدراسية خمس سنوات غرامة

مقالات مشابهة

  • بعد انتهاء إجازة الخريف.. قائمة الإجازات المتبقية للفصل الدراسي الأول 1447
  • شواطئ طور سيناء.. حين يعانق البحر الجبل وتكتب الطبيعة سطورها بين المدّ والجزر
  • عاجل: التعليم: تسجيل الغياب من أول يوم بعد الإجازة.. وعقوبات حاسمة في حال التجاوز
  • عقوبات مشددة لـ الممتنعين عن رد قيمة النفقات الخاصة بالبعثات الدراسية
  • مفاجأة للموظفين في شهر يناير 2026.. ما القصة؟
  • مهرجان الممالك القديمة في العُلا يواصل فعالياته المتنوّعة خلال الإجازة
  • خريطة الإجازات الدينية والوطنية لعام 2026
  • وزارة التخطيط:25.3% من المعامل متوقفة عن العمل
  • نظرية جديدة تربط بين خوارق الطبيعة وما بعد الموت