الشهيدُ أحمدُ الشيبة.. فتى النور الذي اختار طريق الخلود
تاريخ النشر: 28th, November 2025 GMT
الأسرة /وفاء الكبسي
في زمنٍ اشتدت فيه الفتنُ وتلاطمت فيه أمواجُ الدنيا، ظهر النورُ من نفسٍ طاهرةٍ وقلبٍ مؤمنٍ. ذلك هو الشهيد أحمد عادل الشيبه، فتىً حمل في صدره حبًّا لله، وفي يده عملًا صالحًا، وفي قلبه إيمانًا لا ينكسر.
في دفءَ ذاكرة الأمِّ تَنسَابُ حكايةُ ابنٍ صنعَ من الهدوءِ تسامحًا، ومن الحنانِ رحمةً، ومن الطيبةِ نبعًا لا ينضب.
نشأةٌ على البرِّ والصفاء
نشأ أحمد في بيتٍ حضنه الحنان، وقد زرعت فيه والدته قيمَ الأدبِ والاحترامِ والإحسان. كانت صفاته الطيبة تتسرب كلّما تقدم به العمر؛ خجولًا مؤدبًا، صادقًا نقيًّا، كريمًا لا يعرف للضغينة طريقًا. تعلقٌ خاصٌ جمّ بينه وبين أمه؛ كان لها الحنّةُ والوفاءُ، وهي له ملاذُ الحبِّ والطمأنينةِ.
في زمن الغرس الصغير التحق بالمراكز الصيفية والدورات الثقافية داخل الحي، فزاد وعيه وتعمقت رؤيته. فتفتحت أمامه أبواب العمل في سبيل الله: تنظيم الفعاليات، تأمين احتفالات والمشاركة في المجالس التوعوية، ودوراتٌ ثقافيةٌ شبّت فيه حبُّ الجهادِ وخدمةِ الدينِ والوطن. ومع الدوراتِ العسكريةِ التي اجتازها، نما في قلبهِ يقينٌ بأن هذه المعركةَ معركةُ حقٍ ضدَّ الباطلِ، وأن التضحيةَ في سبيلِ الله طريقُ العزِّ والخلود.
وعيٌ مبكّرٌ وقرارٌ لا رجعةَ عنه
رغم صغر سنه، تميّز أحمد بوعيه وإدراكه لخطورة المرحلة. التحق بدوراتٍ عسكريةٍ وثقافيةٍ تفوَّقَ فيها، ولم تكن الدورات مجرد تدريبٍ جسديٍ بل كانت مدرسةً لصقل النفس وتقوية العزيمة. ومع اكتمال دراسته الثانوية كانت أمامه فرصةٌ جامعية في هندسة النفط، لكنه رأى أن المرحلة حرجةٌ، وأن للواجبِ وجوبًا قبل كلِّ شيء؛ فاختار أن يبقى في ثغر الجهاد، مفضّلًا دوامَ الجهاد على زخارف الدنيا. قال لأمه ذات مرةٍ بكلماتٍ بسيطةٍ : «خليني في الجبهة، فأنا الآن أحقق أحلامي». هكذا رأى الجهادَ حلمًا يعيشُهُ بكل تفاصيله، يجدُ فيهِ السعادةَ والطمأنينةَ.
في ميادين العزِّ
تنقّل الشهيد في ساحاتِ العزة: شبوة، حجة، البيضاء، مكيراس ومارب… وفي كل ميدانٍ كان يزيد من مقدارِ إخلاصه وتفانيه. حضر أكثر من دورةٍ ميدانيةٍ ونفّذ واجباته بإخلاصٍ وحزمٍ وروحٍ عالية. كان يسعى دائمًا للطلعة الأولى، متقدّمًا في الاجتهاد والتعلم والتطوير. تعلّق بروحِ الملازمِ للشهيد القائد حسين الحوثي، وسمع محاضرات السيد عبدالملك سلام الله عليهما فتأثرَ وازداد بصيرةً وإدراكًا لحجم القضية وأبعادها.
قال لأمه ذات يوم بعد أن استمع لمحاضرة السيد القائد عن «خطورة التفريط»: «القضية كبيرة يا أمي».
كلمةٌ صغيرةٌ حملت عمق وعيه وشدة إحساسه بالمسؤولية، فقد أدرك أن معركته ليست معركة حدودٍ أو أرض، بل معركة وعيٍ وإيمانٍ وولاءٍ لله.
شهادةٌ اختارها بقلبٍ طاهر
تنقّل في جبهاتِ العز: شبوة، حجة، البيضاء، مكيراس، مارب… وفي كلِّ ميدانٍ كان يضاعف همّته، ويُحسّن إعدادَه القتالي والروحي، مخلصًا في عمله الإيماني والجهادي. وها هيَ مواجهةٌ في جبهةِ العبدية بمأرب تُسدِّدُ خاتمة السائرين على نهجِ الإيمان؛ فارتقى شهيدًا وهو يرفع يدهُ ويهتف الصرخةَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ — الموتُ لأمريكا»… صدحت روحهُ بأعظمِ معاني الفداء.
تلقى الأهلُ نبأ استشهاده بقلوبٍ راضيةٍ وقناديلِ شكرٍ، فقد كان أحمد يوصي أمه ألا تحزن، وألا تجزع، وألا تلبس السواد، وأن يُستقبل الخبرُ بالفرحةِ والرضاِ والشكر والثبات، وأن تُدفع روحُ الأخِّ إلى مواصلة المسير.
كانت وصيته واضحةً: أن تستمر الراية، وأن يستمر الوطنُ في طريقِ الحق، وأن يُرعى الإخوةُ ويُدفعوا إلى مواصلة المسير. هكذا علّمهم الإسوةَ بالبذلِ والسموِّ على النفس.
معالمٌ من خلقه تحفرها الذاكرة
الحياء والورعُ والصدقُ معه في كلِّ قولٍ وفعلٍ.
البرُّ بالأمِّ وحنانُ القلبِ تجاهها.
التواضعُ واحترامُ الكبيرِ وصلةُ الرحم.
الإخلاصُ والتفاني في العملِ الدعويِّ والتنظيميِّ قبل أن يكون في الميدان.
الروحُ القياديةُ التي لا تَخشى متاعبَ الطريق، بل تنشدُ رضى الرحمن.
خاتمة: وعدٌ وأملٌ
إن رحيلَ أحمد ليس نهايةً لقصةٍ أو نورًا تنطفئ شراعته، بل هو شجرةٌ غرسَها الحقُّ في أرضِ الإيمانِ فتظلُّ خصبًا لمن يَستلهمُ منها العزمَ والصبر.
إنها شهادةٌ لم تَكن مجردَ انطفاءٍ لجسدٍ، بل طلوعٌ لنورٍ لا يَزول؛ فقد عاشَ أحمد بقلبٍ صافٍ، وبعزمٍ مَنَّ الله عليه بهدايةٍ ورؤيةٍ جعلته يطلبُ الشهادةَ ويعدُّها أسمى الآمال.
هنيئًا للشهيدِ مقامُهُ، ولأمِّه صبرُها الذي يَشهد لها بالإيمانِ والرضى.
سيبقى الشهيد أحمد الشيبة فتى النور الذي اختار طريق الخلود، ورمزًا للبطولة والفداء، ومنارةً تُضيء دروب المجاهدين والأجيال.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
تعزية واسعة بوفاة الشيخ محمد المقرمي الذي جمع بين الهندسة والدعوة
أصدر الداعية والمؤرخ الشهير الدكتور علي محمد الصلابي، يوم الأربعاء 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بيان تعزية للشعب اليمني والأمة الإسلامية بوفاة الشيخ المهندس محمد المقرمي، الذي تُوفي فجر الأربعاء في مكة المكرمة عقب أداء مناسك العمرة، وذلك أثناء استعداده لصلاة الفجر.
وجاء في بيان التعزية الذي تابعه «مأرب برس» "بقلوب مؤمنة وراضية نحتسب وفاة الشيخ الداعية المهندس محمد المقرمي، الذي وافته المنيّة فجر يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في مكة المكرمة، بعد أداء مناسك العمرة، أثناء استعداده لأداء صلاة الفجر، ليختم رحلة عمر قضاها في خدمة القرآن ونشر أنوار الهداية والدعوة.»
سيرته:
«بدأ الشيخ المقرمي حياته مهندسًا في مجال الطيران المدني، فأتقن عالم الآلات والمحركات، وساهم في تطوير الجوانب التقنية في مجاله، غير أن عالَم الروح كان يناديه، فقادته تأملاته إلى قرار تفرّغ كامل لكتاب الله، ليدخل في عزلة قرآنية استمرت ست سنوات؛ يتلو ويتدبّر ويخلو بكتاب الله، حتى بلغ من الأنس بالقرآن أن يختمه في يوم واحد... وظلت منهجيته في ربط الآيات والنظائر القرآنية وقراءتها “كأنها صفحة واحدة” محور عطائه العلمي والدعوي.»
وأشار البيان إلى أن الراحل «عُرف بأسلوب يجمع بين عمق المعرفة وبساطة الروح، وقدرة نادرة على الجمع بين القرآن والحديث في رؤية واحدة»، وترك دروساً ومحاضرات باتت «مرجعاً لطلاب العلم والباحثين»، وكان يتميز بـ«سكينة روح ونزاهة فكر وابتعاد عن التعظيم الشخصي».
تحوّل من الهندسة إلى التدبّر:
وجاء في البيان أن الشيخ المقرمي «انتقل من عالم المحركات الدقيقة إلى عالم المعاني العميقة»، بعد أن حوّل نظام الترقية الوظيفية إلى فرصة للتأمل، قبل أن يضع منهجه الذي أسماه “قانون التدبير العملي”. كما عرض البيان أبرز أفكار الراحل، ومنها «علاج الشتات العقلي، وفلسفة الرزق، والهندسة الروحية للإنسان».
وأشار البيان إلى مشاركات الشيخ الدعوية، بما في ذلك مساهمته في منصات معرفية مثل «أكاديمية علوم الدولية»، وظهوره الأخير في بودكاست بتاريخ 21 نوفمبر 2025، إضافةً إلى إشرافه قبيل وفاته على مشروع بناء جامع "فردوس مأرب الكبير".
وأضاف البيان:
«لم تقتصر جهوده على الوعظ التقليدي، بل امتدت إلى مجال الهندسة الفكرية، حيث عُرف بـ"المهندس الروحي" الذي بنى جسور الإيمان وأصلح ما تهدم من النفوس في زحمة الحياة.»
كلمات في خلق الشيخ الراحل:
وتضمّن البيان سرداً مطولاً لتجربة الشيخ الروحية والفكرية، وجاء فيه: «عاش الشيخ حياتَه المهنيّة كما يعيشها كلُّ من يبتغي رزقًا كريمًا… ثم اعتزل صخب الحياة ليخلو إلى القرآن ست سنوات كاملة… ومنحه الله من الفهم واللطائف ما لا يُعطى إلا لأوليائه… وكان إذا تحدّث، انفتح له باب من الفهم والبيان، ويقول: هذا رزقكم!»
وأشار البيان إلى أن الشيخ «مثّل نموذجاً للتدين الفطري المشرق» الذي يجمع بين «رقّة التصوف وكمال التوحيد وصفاء التوكل»، بعيداً عن الشكليات.
وختم الصلابي بيانه قائلاً:
«بفقد الشيخ محمد المقرمي (رحمه الله) تفقد الأمّة واحداً من أهل القرآن الذين جمعوا بين العلم والعمل… نسأل الله أن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته… ويرحم اليمن وأهلها.»