المقاهي بديل المدارس.. الهروب من الحصص الدراسية مشكلة بلا حل في الدقهلية
تاريخ النشر: 4th, October 2024 GMT
تعد ظاهرة الهروب من المدارس أهم المشاكل التي تواجه العملية التعليمية وآثارها السلبية لا تنعكس فقط على الطالب وإنما على المجتمع حيث تفرز مظاهر خطيرة لها أبعاد سلوكية وأبعاد نفسية وأبعاد متعلقة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الطالب. فهي تزيد معدلات الأمية والجهل والبطالة وتضعف البنية الاقتصادية والإنتاجية للمجتمع, كما تفرز للمجتمع ظواهر خطيرة كعمالة الأطفال واستغلالهم.
وتفشت هذه الظاهرة بشكل واسع فى مدارس الدقهلية إذ ترى هؤلاء الطلبة يتسكعون في الشوارع ، أو يلهون في الحدائق أو يجلسون على المقاهى، ونوادي ألعاب الإنترنت التي تمتلئ يوميا بهؤلاء الطلاب بعيداً عن أعين الرقابة الأسرية والمدرسية في مشهد مؤسف وخطير.
ويرى خبراء التعليم بالدقهلية، أن تلك الظاهرة لا تخضع لضوابط حازمة من الإدارة المدرسية لتسجيل الغياب بشكل دقيق بل ودراسة حالات الغياب المتكرر للتأكد من صحة المبررات ومخاطبة أولياء الأمور بشأنها وعدم السماح تجاوز المدة القانونية.
وأشار إلى أن الأسباب والعوامل المؤدية للهروب متعددة، لذا يجب أن تتضافر الجهود وتتكامل فيما بينها من أجل الحدّ من انتشار هذه الظاهرة في مجتمعنا، بدءا من دور الجهات المعنية وصولاً إلى البيئة المحيطة بالطالب كدور الأهل والهيئة التعليمية إنها مسؤولية مشتركة متكاملة فيما بينها وهدفها واحد هو المعالجة الفعلية لمشكلة الهروب من المدارس .
وأرجع الدكتورمحمود مندوه وكيل كلية التربية جامعة المنصورة، إنتشار هذه الظاهرة إلى عدة اسباب أهمها تراجع الدور التربوي للمدرسة وعدم وجود بيئة جاذبه داخل المدرسة
وأشار مندوه إلى أن انتشار الدراسي الخصوصية فلا يعبأالطلاب بما تقدمه المدرسة، فضلا عن عدم اهتمام المدرسين بالشرح للطلاب وتراجع دور العلم والمعلمين و عدم مراعاة الفروق الفردية تعمق هذه الظاهرة
وشدد على أن العقوبة التي أقرتها الوزارة بالفصل 7 أيام للهروب غير صائبة بالمرة، إلا إذا وفروا عملية دراسية جيدة تجذب الطلاب للحضور، وبالتالي سيكون الطلاب هم المقصرين بحق المدرسة وبحق أنفسهم.
وأوضح مندوه أن الإهتمام بالجانب التعليمي فقط وتزاحم المقررات الدراسية والعنف المتبادل بين التلاميذ والمعلمين وعدم جاهزية المدارس للاهتمام بالجوانب التكاملية للشخصية وكثافة الفصول الزائدة أهم هذه الأسباب.
وحدد مندوه طرق العلاج قائلا من المهم جدإعادة الدور التربوي للمدرسة .
وأكد على ضرورة مراعاة الفروق الفردية للطلاب وأهمية اهتمام المدرسة بالدور التكاملي لشخصية التلميذ إلى جانب تعظيم دور المعلم داخل المجتمع والاهتمام بالنواحي الكيفية في التعليم
وشدد مندوه على ضرورة التواصل المستمر بين المدرسة والاسرة لصالح التلميذ وتدعيم وتعزيز العمل التربوي وسياسة الثواب والعقاب.
و شدد محمد عيانة خبير تعليمى على ضرورة القيام بحملات أمنية مكثفة فى المناطق المحيطة بالمدارس لإغلاق الكافيهات و«محلات البلايستيشن» المنتشرة بشدة وتعمل فى أوقات اليوم الدراسى مما يمثل عامل إلهاء وتدفعه للهروب من المدارس، وأيضاً الرقابة على الكورنيش والسينمات التى تمتلئ بالطلاب فى الفترات الصباحية التى تبدأ من العاشرة صباحاً.
وتابع أن هناك جزءا يقع على عاتق أولياء الأمور بالطبع، فمن الضرورى متابعة نشاط الابناء ووجود رقابة وعقاب عند ارتكاب الأخطاء حتى لا تتكرر، وفى المقابل يجب تشديد الرقابة أيضاً داخل المدرسة ومنع الطلاب من الهروب بمختلف الطرق سواء القفز من الأسوار أو الخروج من الأبواب مع وجود جزاء وتهديدات بالفصل فى حال تكرار التزويغ .
وفي هذا الإطار، أكد أحمد دراج موجه سابق بالتعليم ، أن العقوبة المُحددة للتزويغ غير رادعة بل أن الطلاب سيفرحون بقرار فصلهم إذا تم تنفيذ القرار، بل ومن الممكن أن يتعمدوا الهروب أمام المدرسين حتى يُفصلوا أو تُطبق العقوبة عليهم، مشيرة إلى أن الطلاب بالصفين الأول والثاني الثانوي نسبة حضورهم ضئيلة في المدرسة لاعتمادهم على الدروس الخصوصية.
وأضاف دراج ، أن المدرسين أيضًا يحبون غياب الطلاب، لأن الحصص بتكون مرهقة بالنسبة لهم وهم لا يريدون أن يبذلوا مجهود في المدرسة.
وواصل دراج حديثه قائلا، الطلاب في الوقت الحالي يعتبرون المدرسة عبء عليهم، ولا يلتزمون بقراراتها ولا يعنيهم أهمية الحضور والانضباط، ولكن بعض المدارس الخاصة تمنع الغياب من المدرسة لمدة أسبوع لأي سبب من الأسباب، احترامًا للائحة والضوابط، وبعض المدارس الحكومية للطلاب المتفوقين.
وطالب السيد عبده موجه سابق باتعليم بتفعيل دور الأخصائي الاجتماعي والأخصائي النفسي الذي يلعب دور تربوي محدد في فحص المشاكل وعمل سجل لمتابعة التأخر الصباحي للطالب.
وتابع عبده، أن أصدقاء السوء لهم تأثير كبير، فعلى سبيل المثال يخبرونهم أن التعليم لا يوجد منه منفعة، ويبدأون بالتأثير عليه بالكلام إلى أن يتخلف عن الذهاب إلى الدروس، كل ذلك بسبب أصدقاء السوء، إضافة إلى أن المدرسة مم الممكن أن تكون بيئة طاردة للطالب نفسه، وبالتالي فإنها تحثه على الهروب سواء كان فيه روتين ومعلمين ليسوا تربويين واستخدام المعاملة القاسية مع الطلاب كل ذلك يكون من ضمن الأسباب، والدكتورمحمود مندوه وكيل كلية التربية جامعة المنصورة
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: المدرسة والأسرة العملية التعليمية مدارس الدقهلية المشكلات الإجتماعية كثافة الفصول الواقع الاجتماعي حالات الغياب خصوصية جامعة المنصورة كلية التربية تسجيل الغياب هذه الظاهرة إلى أن
إقرأ أيضاً:
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
المقدمة العامة – الإطار والمنهجية
لا يمكن لتقييم سياسة تربوية أن يختزل في مجرّد تعداد مكوّناتها، بل يتطلّب مقاربة صارمة تستند إلى مرجعية قادرة على تجاوز الوصف إلى إصدار حكم تحليلي حول فعالية الإجراءات المتخذة وأثرها.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يستعين هذا التقرير بـ « الإطار المتكامل لتقييم الجودة التربوية »، الذي وضعته مؤسسة أماكن لجودة التعليم. وهو إطار يستلهم أفضل الممارسات الدولية – لاسيما تلك المعتمدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – مع تكييف دقيق مع خصوصيات المنظومة التربوية المغربية، ليوفر بذلك شبكة قراءة صارمة، جامعة في مرجعيتها، محلية في سياقها.
يتشكّل هذا الإطار من أربعة معايير كبرى تضبط مسار تقييمنا. الأوّل، « الملاءمة والمواءمة »، يختبر قدرة السياسة العمومية على الاستجابة لحاجات المواطنين الفعلية والانضباط إلى الأهداف الاستراتيجية الوطنية. والثاني، « الفعالية والنجاعة »، يقيس مدى بلوغ النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المسخّرة. أمّا الثالث، « جودة المسارات والتنفيذ »، فيفحص الحكامة والتنسيق وتمكين الفاعلين. ويأتي الرابع، « الاستدامة وقابلية التعميم »، ليقيّم قدرة السياسة على إحداث آثار دائمة والامتداد إلى مجالات ترابية أخرى.
تتفرّع بنية الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية كبرى: الرؤية والتخطيط؛ والإنتاج البيداغوجي والتنظيمي؛ والتتبّع والتقييم وضمان الجودة؛ والتكيّف الاستراتيجي والتحوّل. وتنقسم هذه الأبعاد إلى ستة عشر مجالاً، تضم كلٌّ منها معاييرَ ومبادئَ توجيهيةً ومؤشراتٍ محدَّدة، تشكّل مجتمعةً الهيكل المعياري لعملية التدقيق.
تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متعاقبة. تقوم الأولى على االتحكم في لإطار المرجعي، بتفكيك كل مؤشر لتحديد الأدلة المنتظرة، ثم رسم خريطة للسياسة العمومية لاستجلاء آليات اشتغالها. أمّا المرحلة الثانية فهي جمع الأدلة، باستخدام تقنيات التثليث الصارم: تحليل وثائقي معمّق للنصوص التشريعية والأدلة والتقارير؛ ومقابلات شبه موجّهة مع المصمّمين والفاعلين الميدانيين؛ وملاحظات مباشرة للمشاريع قيد التنفيذ. وتخضع المرحلة الثالثة الأدلة المجمّعة لحكم المطابقة، بمقارنتها بمقتضيات الإطار وفق سلم واضح وعملي: مطابق، مطابق جزئياً، غير مطابق، أو غير قابل للتطبيق. وأخيراً، تخلّص المرحلة الرابعة، وهي صياغة التقرير، هذه الوقائع في تحليل مفصّل، مزوّد بجداول قيادية، وتُفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ، محددة الأولويات، وموجّهة بدقة.
يغطي التقييم العقد الممتد بين 2015 و2025، وهي فترة محورية شهدت تزويد المنظومة التربوية المغربية بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تمثل ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. وطموحنا، من خلال هذا المسعى المنهجي الشفاف، هو تجاوز مجرّد الرصد إلى توفير بوصلة موثوقة لصنّاع القرار، تمكنهم من تحديد فجوات المطابقة، واستثمار نقاط القوة، وتصحيح المسارات. والرهان كبير: إنه ليس سوى الإسهام في بناء مدرسة أكثر إنصافاً، وأكثر فعالية، وماضية قدماً نحو المستقبل بكل ثبات.
المعيار الأول: الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم
تمرّ المدرسة المغربية اليوم بمرحلة دقيقة، بل حرجة. فقلّما شهد نظامٌ تربويٌّ هذا الكمَّ من الإصلاحات، أو نظّم هذا العددَ من الندوات، أو حشدَ هذا الفيضَ من الخبراء لإعادة هندسته. غير أن المفارقة التي تجرح في الصميم هي أن الهوّة بين طموح النصوص وإيقاع الواقع لم تكن بهذا الاتساع من قبل. إن تقييم المعيار الأوّل من سياستنا التربوية ــ معيار « الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم » ــ يلقي الضوء على معضلة جوهرية: كيف نوفّق بين الكمال الشكلي لوثائقنا وفوضى الميدان المركّبة؟ والإجابة، مهما بدت قاسية، تفضي إلى حصيلة رمادية تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الإصلاح.
إغراء النجاح الشكلي
من باب الإنصاف أن نعترف بالجهد المبذول. فقد زوّد المغرب نفسه، خلال العقد الأخير، بهندسة استراتيجية استثنائية. فلم تكن رؤية 2015-2030 نتاج غرفة مغلقة، بل خرجت إلى الوجود عقب مسلسل استشاري غير مسبوق: أكثر من أربعة وستين ألف مشارك، وندوات عمّت جهات المملكة الاثنتي عشرة، واستماع رسمي إلى ستٍ وعشرين هيئة نقابية وجمعوية. على الصعيد الإجرائي، كان الجهد باهراً، وأثبت المغرب من خلاله أنه قادر على كسر جدران الإدارة المنغلقة نحو فضاء تشاركي أرحب.
وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في النصوص القانونية. فالقانون الإطار 51.17، الذي يُعدّ الذراع التنفيذية للرؤية، ليس مجرد تصريح نوايا عابر. لقد تكررت فيه مفردات « الإنصاف » و »المواطنة » و »العدالة الاجتماعية » أكثر من أربعين مرّة. بل إن المادة الثالثة تنص صراحة على أن المنظومة التربوية مؤسّسة على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. أما الكتب المدرسية، لاسيما في التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، فقد أعيد بناؤها لتحتضن مفاهيم التسامح والعيش المشترك. وبدورها، جعلت خارطة الطريق 2022-2026 من « الكفايات العرضية » ركيزةً أساسية، واضعة استقلالية المتعلم وشعوره بالانتماء في صميم أهدافها.
على الورق، إذن، تبدو المنظومة عصية على النقد. بل إن المغرب زوّدها بآليات تتبع مذهلة، من نظام « مسار » المعلوماتي، إلى تقارير المجلس الأعلى للتربية، مروراً بـ »المؤشر الوطني لتنمية التعليم » الذي يضم مئةً وسبعةً وخمسين مؤشراً مركباً لقيادة مسار الإصلاح. لقد غيّرنا البرمجيات النظرية، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أننا لم نُحدث بعدُ برمجيات الفاعلين في الميدان.
سراب المشاركة الحقيقية
غير أن المطبّ الأول، وهو من أكثرها خطراً، يكمن في طبيعة هذه « الاستشارة » ذاتها. ذلك أن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطار عمل كمنخل سياسي. فإذا كانت المبادئ الكبرى للإنصاف محلّ إجماع، فإن الملفات الشائكة ــ من لغات التدريس إلى مجانية التعليم العالي، مروراً بوضعية هيئة التدريس ــ أبرزت صدوعاً عميقة بين القمة والقاعدة. لقد أُصغِي إلى مساهمات الفاعلين المحليين، لكنها لم تلقَ، في مواضع كثيرة، الأثر المنشود. وينقصنا بشدة ذلك « السجل التتبعي للمساهمات » الذي يوضح مصير كل اقتراح، ويُبقي النقاش شفافاً.
وغياب هذه الشفافية يترك آثاراً ملموسة. فالاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات الواسعة في عامي 2023 و2024 حول « النظام الأساسي الموحّد » للأساتذة، ليست مجرد بوادر عابرة، بل هي مقياس حرارة لتوتر متراكم. فقرابة 45% من المدرّسين، بحسب استقصاءات الهيئة الوطنية للتقييم، يرون أن المناخ المدرسي لم يعد صالحاً لنقل القيم. لقد استوفينا الشكل الاستشاري، لكن الشعور بـ »الملكية المشتركة » للإصلاح ظلّ سراباً. استشرنا، لكننا لم نبني معاً، والفارق شاسع، وثمنه باهظ على صعيد السلم الاجتماعي.
فجوة الممارسة والإدراك
لكن الجرح الأعمق يكمن في طبقة الإدراك والممارسة. فالمؤشر الثالث من تقييمنا، والمتعلق برضا الفاعلين، لا يحتمل الجدل. فبينما تعلن النصوص الإدماج والمساواة، يعيش الفاعلون واقعاً متعدّد السرعات. الأرقام هنا تحكي القصة. فبحسب نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لسنة 2022، يصرح ربع التلاميذ المغاربة (25%) بأنهم يشعرون بأنهم « غرباء » أو منبوذون في مدارسهم، مقابل متوسط 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة ناقوس خطر.
ويقترن ذلك بهجرة صامتة لكنها جارفة نحو القطاع الخاص، الذي يستقطب الآن أكثر من 17% من المتمدرسين، مع نسب تتجاوز 70% في المدن الكبرى. هذه ليست مجرد خيارات بيداغوجية، بل هي تصويتٌ بالرفض من طرف الأسر، التي لم تعد تثق في قدرة المدرسة العمومية على النهوض بوظيفتها الاجتماعية. أما فيما يخص التربية الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة، ورغم جمالية خططها، فإن الواقع يبقى قاسياً: النقص الفادح في المرافقين والمعدّات المعمارية يحول دون تجسيد الإدماج على أرض الواقع.
هناك إذن هُوّة سحيقة بين خطاب « السلطة » وممارسة « الميدان ». فخطاب القيم، في كثير من الأحيان، يُقرأ من طرف المدرسين كعبء إضافي لا تصحبه وسائل مرافقة. نقيس المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نغفل الممارسة المدنية الفعلية؛ نغرق الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة، لكننا لا نقيس الأثر السلوكي على المتعلمين.
قيادة بعوائق مؤسسية
كيف نفسّر هذا الانفصال المزمن؟ هنا يأتي دور المؤشر الرابع، المتعلق بالتتبّع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادة من الطراز الأول، لكن استخدامها معطّل بعوائق مؤسسية. تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، التي من المفترض أن ترشد القرار في الزمن الفعلي، غالباً ما تُنشر بتأخر سنتين، مما يجردها من قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك، أنه منذ 2023، أصبح حياد التقييم موضع تشكيك من الفاعل الحكومي، إذ أُسندت مهمة تقييم « المدارس الرائدة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز حكومي، عوض الهيئة المستقلة. فكيف يمكن القيادة بثقة حين يكون المراقب في قارب الملاح نفسه؟
النتائج تتحدث بوضوح. هدف تعميم التعليم الأولي بنسبة 100% بحلول 2028 يبدو بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70,4% في 2024. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، ارتفع بأكثر من 56 ألف تلميذ بين 2021 و2024. وفي مجال إتقان المهارات الأساسية، فإن التشخيص مذهل: أقل من 40% من التلاميذ يبلغون العتبة المطلوبة في القراءة، بينما كانت الخارطة تطمح إلى 82% بحلول 2026. نتقدم بثبات على مستوى المدخلات ــ البنايات، التوظيفات، الميزانيات ــ لكننا نفشل فشلاً ذريعاً في بلوغ الأثر الحقيقي على جودة التعلّمات.
الخروج من تضخم النصوص
في نهاية هذا التحليل، لا مفر من حكم قاس ولكن صادق: المعيار الأوّل هو، في مجمله، مُحقَّقٌ جزئياً. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والإعلان، أما نقطة ضعفه الكبرى فتكمن في تعثره أمام تحويل الأقوال إلى أفعال، وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.
إننا نعاني من « تضخم نصي » مفرط. ظننا أن التصريح بالعدالة الاجتماعية يكفي لجعلها واقعاً ملموساً. ونسينا أن الثقة لا تنتصب بالمراسيم، بل تُربح بالاستمرارية في الفعل، وبالإنصات الصادق، وبالتقييم النزيه. إن مدرسة تتبنى المواطنة وتعامل أساتذتها بارتياب، وتعلن الإنصاف وتتسامح مع نظام ثنائي السرعات، هي مدرسة تحكم على نفسها بالريبة من طرف مستعمليها.
إن علاج هذا الجرح لا يتطلب تقريراً جديداً أو فصلاً إضافياً في القانون، بل يستوجب انتفاضة سياسية شجاعة: إعادة الاعتبار لحياد التقييم، ومنح الفاعلين الميدانيين وسائلهم الحقيقية، وقبل كل شيء، الإقرار بأن القيم لا تدرّس في الكتب وحدها، بل تُعاش في ساحات المدارس، وفي العلاقة التربوية، وفي اتساق الخطاب مع السلوك.
إن إصلاح مدرستنا ليس مهمةً للخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في مسائل معيارية جافة. إنه مرهون بمستقبل عقدنا الاجتماعي. فإذا كنا نريد للمدرسة المغربية أن تستعيد مكانتها بوتقة للإنصاف والنهوض، فعلينا أن نتعلم الإنصات مجدداً، وأن نقيم بنزاهة، وأن نصحح مسارنا استناداً إلى حقائق الميدان لا إلى أوهام المكاتب. الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح.