بقلم: إبراهيم سليمان

في فعالية محضورة، التقى أبناء الهامش السوداني العريض في إفطار رمضاني استثنائي باذخ، جمع مؤيدي الدولة التأسيسية الوليدة مؤخرًا في نيروبي بكافة مكوناتها. شكلت الفعالية لوحة صادقة للتنوع الثوري الإثني، حيث تخللتها شعارات ثورة ديسمبر المجيدة: "حرية سلام وعدالة"، "الثورة خيار الشعب"، "الحركة الشعبية ويي يي"، "الجاهزية ويي"، و"التأسيسية ويي يي".



هذه الفعالية التي نظمها تجمع شباب الهامش في مدنية برمنغهام بالمملكة المتّحدة، يعتبر تجسيد حقيقي لمضمون الميثاق السياسي الذي تم توقيعه مؤخراً في نيروبي، وأول قطرة من غيث الدولة التأسيسية.

في مستهل الفعالية، التي بدأت حوالي الساعة الخامسة مساءً، رحّب رئيس تجمع شباب الهامش، الأستاذ/ حماد غبشات، بالحضور وأكد أن التجمع جزء أساسي من كتلة السودان الجديد. كما تحدث الأستاذ الصادق موسى، ممثل التجمع في نيروبي، موضحا أنهم قد وقعوا على الميثاق السياسي، كجزء من مكوناته، وأن هذا الإفطار يجسد مضمون التواثق. كما تحدث الأستاذ/ الطيب الزين، رئيس تجمع كردفان للعدالة مشيداً بحفل الإفطار، وشاكراً لدور دولة كينيا الشقيقة، وأكد أن العلاقات معها ستكون قوية، مشيراً إلى أن الفلول حاولوا استغلال موضوع كردفان بهدف عرقلة المشروع السياسي للسودان الجديد، مؤكداً أن النظام السابق هو الذي دمر كردفان من حيث البيئة والإنسان والحيوان، وسرق الثروات. كما ألقى الأستاذ مبارك ياسين ممثل الحركة الشعبية شمال بالمملكة المتّحدة كلمة معبرة في مسهل الحفل.

بعد الإفطار والصلاة، تواصل حفل الإفطار بكلمة للمستشار الأستاذ عمران عبدالله، محييا شهداء ثورة 15 أبريل، ومشيدا بصمودهم خلال عامين، مذكرا لولا استبسال الأشاوس وصمودهم لما كان ميلاد "الدولة التأسيسية" ممكنًا، وما كان بالإمكان أن نلتقي في هذه الفعالية.

ثم استمرت الفعالية إلى مشارف منتصف الليل، في تفاعل منقطع النظير بين الحضور المكثف وضيوف الفعالية عبر الوسائل من نيروبي، وهم الدكتور الفارس سليمان صندل، رئيس حركة العدل والمساواة السودانية، والرفيق يونس الأحيمر الناطق الرسمي للحركة الشعبية ـ شمال، ومستشار قوات الدعم السريع د. عزالدين الصافي، وعضو المجلس السياسي السابق الأستاذ محمد حسن التعايشي.

تحدث ضيوف الفعالية حديث رجال الدولة، الواثقين من أنفسهم، الفرحين بميلاد "الدولة التأسيسية" بكل ثقة وحماسة، حيث بعث حديثهم الطمأنينة والتفاؤل، وأجبر الحضور على المتابعة والتدافع لطرح الأسئلة استشرافًا للمستقبل، وأملًا في المزيد من التفاصيل المطمئنة.

تفاجأ الكثيرون بالفارس د. سليمان صندل، وظلوا مشدوهين لبراعته الخطابية وقدرته الفائقة على الإبانة، ومهارته المميزة في التلخيص والاختصار دون إخلال. فقد تحدث حديث العارفين بماهية "الدولة التأسيسية" الوليدة، وشرح بإبانة تامة دستور دولة السودان الجديد، التي وُلدت بعد موت حقيقي لدولة ــ 56 وانهيار المنظومة القديمة، موضحًا أن "الدولة التأسيسية" جاءت بأسنانها ووثائقها المعتبرة التي لا يمكن لأحد تجاوزها.

كما أوضح الدكتور صندل، أحد أعمدة "الدولة التأسيسية" الصلبة، بكل واقعية خلال مخاطبته للفعالية، أن الأمراض المزمنة المتوارثة من دولة ــ 56 المنهارة مستشرية في كافة المناحي، ولا يمكن معالجتها وتجاوزها إلا بالتأسيس من الصفر، سيما في ناحية الاختراقات الأمنية والاستخباراتية. ورغم ذلك، أوضح خلال رده على تساؤلات الحضور، أن من أولويات الحكومة المرتقبة حماية المواطن من استهداف الطيران الغاشم لأرواحهم وزعزعة أمنهم، وهو ما أكده المستشار د. عزالدين الصافي.

أما الرفيق يونس الأحيمر، فقد ركز في حديثه على اللغط الدائر حول إقليم جنوب كردفان/المكون من جبال النوبة وغرب كردفان، مطمئنا الحضور أن أصل التقسيم مخطط كيزاني بغيض، مبشرًا بأن مراحات من أبقار المسيرية قد انداحت في عمق جبال النوبة، وأن قوات الجاهزية تلاحمت مع قوات الحركة الشعبية ميدانياً فور إعلان التوقيع على "وثيقة التأسيسية"، ولم تنتظر الترتيبات البروتوكولية، وهو تأكيد على أن التقسيم والفرقة مفتعلة. وأكد الأستاذ يونس الأحيمر أن ألاعيب الأنظمة المركزية السابقة، المتمثلة في تجيير عرق المنتج في الإقليم لصالح السماسرة واستغلال مقدرات الغلابة، قد ولت إلى غير رجعة.

وطمأن المستشار د. عزالدين الصافي الحضور ضمنيا أن حكومة السلام ربما ستعلن من داخل الخرطوم، استنادا لتطمينات الفريق حميدتي قائد قوات الدعم السريع، بأن وزراء الحكومة المرتقبة ليسوا بحاجة "لمراقبة السماء" وهم في مكاتبهم، مما يؤكد أن أجواء الدولة التأسيسية محمية.

تناول الأستاذ محمد التعايشي مفهوم الدولة وسيادتها من منظور فلسفي أنثروبولوجي، مركزًا على الإنسان والأرض كركيزتين حاسمتين في وجودية الدولة وكرامة شعبها، اللتين تحتمان وجود حكومة شرعية تمثل إرادة الشعب. مشيرًا إلى أن انعقاد ندوة بهذا الحجم والحضور المكثف وبهذا التنوع في مدينة برمنغهام، حسب علمه بتعقيداتها الاجتماعية، هو بشرى خير على أن مشروع التغيير قد قطع شوطًا بعيدًا في الإندياح وسط المجتمعات السودانية، وأصبح واقعًا، ليس بإمكان أحد إيقافه. وقد قرن الأستاذ التعايشي هذا الاختراق السياسي الملفت في مدينة برمنغهام، باستشراف طرح التغيير إلى أقصى شرق السودان، وجبال الأنقسنا، وجبال النوبة وأحراش دارفور.

يلاحظ أن جميع المتحدثين في هذه الفعالية تناولوا "الدولة التأسيسية" كدولة موحدة، مشفقين على مصير الولايات التي لا تزال ترزح تحت جبروت الحركة الإسلامية وسطوة كتائبهم المتطرفة، مصرين على تحرير هذه الولايات وواثقين أن دستور "الدولة التأسيسية" الذي وقعت عليه شعوب الأقاليم الثمانية هو الأساس لبناء "الجمهورية الثانية" على أنقاض دولةــ 56.

بدون مبالغة، لم نشهد فعالية بذات الحماس وتنوع الحضور، والتنسيق الجيد منذ فترة. ورغم أن حضور المتحدثين كان افتراضيًا، فإن دوي التصفيق الحار والهتافات التفاعلية الداعمة استحسانا وتأييدا أجبرت المتحدثين على التوقف بين الفينة والأخرى، ولم يبخل فرسان الفعالية من نيروبي بتبادل مشاعر الفرح والإعجاب عبر لغة الجسد مع الحضور.

اختتمت الندوة بكلمة إشادة مستحقة للضيوف المتحدثين من نيروبي، وللجهاز التنفيذي لتجمع شباب الهامش بالمملكة المتّحدة، من الأستاذ الطيب الزين رئيس تجمع كردفان للعدالة في المملكة المتحدة.

بجد، تعتبر ندوة تجمع قوى الهامش في برمنغهام حدثاً مهما في مسيرة تأسيس "الجمهورية الثانية"، نأمل أن تصل مضابطها إلى الجميع.

إبراهيم سليمان

ebraheemsu@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي

وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .

وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.

وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".

وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".

واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".

وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".

وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".

كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".

وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني". 

وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".



وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".

وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.

وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"

وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".

ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".

وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .

مقالات مشابهة

  • المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • “شليق”: الحضور القبلي في شغل المناصب القيادية تعزز في ليبيا بعد
  • الأمين العام للاتحاد الإنجيلي العالمي يبحث في القدس تعزيز الحضور المسيحي والتعاون بين الكنائس
  • جدة تستثمر الزخم الرياضي لـ”The Comeback” وتقدم لزوارها تجربة تجمع بين الرياضة والترفيه
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • والي الجزيرة يدشن مشروع السودان الإسعافي لدعم التعليم الإبتدائي (SPEED) بتمويل من اليونيسف
  • منتخب الكاراتيه يستعد للمشاركة الإفريقية المقامة في الجزائر شهر سبتمبر القادم
  • تجمع الأشراف يرفض «المتاجرة السياسية» بإقليم فزان وأهله
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان