السودان ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية- قراءة قانونية وسياسية معمقة
تاريخ النشر: 6th, May 2025 GMT
أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا طال انتظاره بشأن الدعوى التي رفعها السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تتهم فيها الخرطوم أبوظبي بالتواطؤ في ارتكاب إبادة جماعية في إقليم دارفور، عبر دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، أحد أطراف النزاع المسلح الدائر في السودان منذ أبريل 2023.
هذه القضية تمثل محطة فارقة في مسار استخدام القانون الدولي كأداة سياسية، وفي الوقت ذاته، تثير تساؤلات جوهرية حول نطاق اختصاص محكمة العدل الدولية وحدود مسؤولية الدول بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948.
________________________________________
أولًا: الإشكال القانوني الجوهري – معركة الاختصاص
تقوم دعوى السودان على أساس المادة 9 من اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تمنح محكمة العدل الدولية ولاية النظر في النزاعات الناشئة عن تفسير أو تطبيق الاتفاقية. إلا أن الإمارات – عند توقيعها الاتفاقية عام 2005 – أبدت تحفظًا صريحًا على هذه المادة، ما يعني أنها لا تقبل اختصاص المحكمة تلقائيًا.
من الناحية القانونية، يُعد هذا التحفظ حاجزًا أوليًا يمكن أن يؤدي إلى رفض القضية من حيث الشكل. وقد أظهرت المحكمة في سوابق قضائية سابقة احترامًا واسعًا لتحفظات الدول، ما لم تُثبت مخالفتها لمقاصد الاتفاقية أو انتهاكها لمبدأ jus cogens (القواعد الآمرة في القانون الدولي).
________________________________________
ثانيًا: عبء الإثبات – ما وراء الخطاب السياسي
لكي تثبت السودان تهمة التواطؤ في الإبادة، لا يكفي الادعاء بالدعم المالي أو العسكري. بل يتطلب الأمر توفر:
• عنصر المعرفة: أن تكون الإمارات على علم بأن الدعم المقدم سيُستخدم في ارتكاب إبادة جماعية.
• عنصر القصد: أي نية المشاركة أو المساهمة في تنفيذ سياسات ترمي إلى التصفية العرقية أو التطهير الجماعي.
حتى تاريخه، لم تُصنف أفعال قوات الدعم السريع كإبادة جماعية من قبل أي جهة قضائية دولية. وعلى الرغم من توثيق انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إلا أن عبور عتبة "الإبادة" قانونيًا يتطلب مستوىً عالياً من الأدلة، قد لا يتوافر في الوقت الراهن.
________________________________________
ثالثًا: البعد السياسي – تدويل النزاع وتحويل الاتهام إلى أداة ضغط
في السياق السياسي، يبدو أن السودان يسعى من خلال هذه الدعوى إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية:
1. عزل دبلوماسي للإمارات عبر ربطها بقوة عسكرية متهمة دوليًا بارتكاب فظائع ضد المدنيين.
2. إحياء التعاطف الدولي مع قضية دارفور وإعادة إدراجها في الأجندة الأممية.
3. خلق ضغط متعدد المستويات لدفع الإمارات نحو مراجعة مواقفها المعلنة أو المحتملة حيال النزاع.
بالمقابل، تنتهج الإمارات استراتيجية دفاع مركّزة على التشكيك في نوايا السودان، ووصفت الدعوى بأنها "مسرحية سياسية"، مع تأكيدها على النأي بنفسها عن دعم أي طرف مسلح بشكل مباشر.
________________________________________
رابعًا: السيناريوهات المحتملة ومآلات القضية
من حيث النتائج، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
1. رفض الدعوى لعدم الاختصاص: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا قانونيًا في ضوء التحفظ الإماراتي.
2. قبول جزئي للدعوى مع إجراءات تحفظية: وهو ما سيؤدي إلى فتح مرحلة جديدة من التقاضي دون حسم فوري.
3. تسوية غير علنية: عبر ضغوط دبلوماسية أو تفاهمات إقليمية قد تُفضي إلى سحب الدعوى أو تقليص آثارها السياسية.
________________________________________
ما بين القانون والسياسة – هل يتغير مسار الصراع؟
تُبرز هذه القضية الدور المتصاعد للمحاكم الدولية في فض النزاعات ذات الطابع السياسي، وتحويل ساحات التقاضي إلى امتداد لمعركة النفوذ الإقليمي. وبينما تُظهر السودان استعدادًا لاستخدام أدوات القانون الدولي لتدويل أزمته، فإن نجاح هذا النهج سيظل مرهونًا بتوازنات سياسية أكثر من كونه حسمًا قانونيًا خالصًا.
وبينما تنظر المحكمة في الجوانب الشكلية، يبقى النزاع السوداني محتدمًا على الأرض، حيث تتوالى التقارير عن مآسٍ إنسانية متفاقمة في دارفور ومناطق النزاع الأخرى، ما يزيد من الضغوط على المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات تتجاوز ساحات المحاكم.
zuhair.osman@aol.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: محکمة العدل الدولیة
إقرأ أيضاً:
بالأرقام.. حكومة غزة لـعربي21: الاحتلال يمارس الخداع ويواصل الإبادة وتجويع سكان غزة
كشف مسؤول حكومي فلسطيني في قطاع غزة عن بالأرقام عن عودة شبح المجاعة الممنهجة في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 19 عاما على قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي تجاوزت يومها الألف.
وأكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، أنه "في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو جهود التهدئة، يُمعن الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة أبشع سياسات الخداع الاستراتيجي والتضليل، ضاربا بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية والإنسانية".
آلة القتل مستمرة
وعبر معطيات رقمية وإحصائيات كارثية وموثقة، كشف الثوابتة في تصريح خاص لـ"عربي21"، عن "الوجه الحقيقي للاحتلال الذي ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار بشكل ممنهج، ويستخدم التجويع كسلاح دمار شامل لتركيع أكثر من 2.4 مليون إنسان في قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي تجاوزت يومها الألف".
ونبه أن جيش الاحتلال مستمر في خروقاته الدموية لاتفاق وقف إطلاق النار لليوم 284، مؤكدا أن "ما يجري على الأرض هو قرار سياسي وعسكري مبيت باستمرار آلة القتل، حيث سجلت طواقمنا إحصائيات فادحة شملت أكثر من 3 الاف و795 خرقا عسكريا موثقا لاتفاق وقف إطلاق النار، أدت إلى ارتقاء 1,185 شهيداً نتيجة هذه الانتهاكات والاستهدافات المتواصلة، في خرق صارخ للحق في الحياة، إضافة إلى 3 الاف و816 جريحاً ومصاباً سقطوا جراء القصف المستمر خلال فترة الاتفاق، وتسجيل 149 حالة اعتقال تعسفي نُفذت بحق المواطنين خلال ذات الفترة".
وعن شبح المجاعة، أوضح أن "الاحتلال يواصل جريمة التجويع الممنهج ومنع الإمدادات الإنسانية، حيث يحكم جيش الاحتلال خناقه على قطاع غزة، مغلقا المعابر لأكثر من 650 يوما، ومؤسسا لمجاعة حقيقية تفتك بالمدنيين، وتتجسد بالأرقام؛ فلم يسمح الاحتلال بدخول سوى 59,613 شاحنة فقط من أصل 168,000 شاحنة كان يُفترض دخولها، بنسبة التزام متدنية جداً لم تتجاوز 35 في المئة".
وأفاد مدير عام المكتب الإعلامي، أن "الاحتلال منع أكثر 390 ألف شاحنة مساعدات ووقود من الدخول منذ بدء الإبادة، كما استهدف جيش الاحتلال بشكل منهجي وواضح قوافل المساعدات 128 مرة، ومراكز التوزيع 64 مرة، ما أسفر عن ارتقاء 2,605 شهداء و19 ألف و124 جريحا فيما بات يُعرف بـ"مصائد الموت" لطالبي المساعدات".
وكشف أن "460 شهيدا ارتقوا بشكل مباشر بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم 164 طفلا"، منوها أن 650 ألف طفل يواجهون خطر الموت المحدق بسبب سوء التغذية، بينهم 40 ألف طفل رضيع (أقل من عام) مهددون بالموت جوعا لنقص حليب الأطفال".
غزة سجن كبير
وعن سياسية "الخنق الإنساني" ومنع حرية الحركة والعلاج التي يعتمدها الاحتلال في التعامل مع سكان القطاع، أكد الثوابتة أن "المأساة تتضاعف مع تحويل القطاع إلى سجن كبير، وحرمان آلاف المرضى والجرحى من حقهم الأساسي في تلقي العلاج في الخارج"، كاشفا أن الاحتلال سمح بسفر 9 الاف و268 مسافرا فقط من أصل 24 ألف و600 مسافر كان يفترض تمكينهم من السفر عبر معبر رفح البري، بنسبة التزام بلغت 37% فقط".
وتابع: "أما بالنسبة للمرضى والجرحى؛ هناك أكثر من 22 ألف مريض بينهم 12 ألف و500 مريض سرطان، بحاجة ماسة للعلاج في الخارج ويُمنعون من السفر، إلى جانب 5 الاف و200 طفل يحتاجون إجلاء طبيا عاجلا لإنقاذ حياتهم".
وأمام هذا "التردي الكارثي"، والانتهاك الفاضح للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف من قبل دولة الاحتلال، أدان مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بـ"أشد العبارات سياسة الاحتلال المنهجية في استهداف وإبادة شعبنا الفلسطيني، وتحويل ملف المساعدات الإنسانية إلى أداة للابتزاز والتطهير العرقي" وحمل "الاحتلال والإدارة الأمريكية المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية الكاملة عن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، وتفشي المجاعة، وسقوط هذا العدد المهول من الضحايا الذي تجاوز 73 ألف و311 شهيدا وصلوا المستشفيات المتبقية في القطاع.
كما طالب الثوابتة، الوسطاء، والمجتمع الدولي، والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، بـ"الخروج من مربع الصمت، والتدخل الفوري والعاجل لإلزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود الاتفاق، وفتح المعابر، وتدفق الشاحنات والمواد الأساسية ووقف سياسة التجويع الممنهجة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان".
وشرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 استمرت نحو عامين، ويسيطر جيش الاحتلال عسكريا على مختلف مناطق القطاع وينفذ بشكل مستمر عمليات تدمير ونسف واسعة، إضافة إلى تحليق مستمر لطائرات الاحتلال وشن غارات بشكل شبه يومي تستهدف المواطنين الفلسطينيين في المناطق التي أعلن أنها مناطق آمنة.