ما الذي على ترامب أن يسمعه في الرياض غدًا؟!!
تاريخ النشر: 13th, May 2025 GMT
تختلف القمة الخليجية الأمريكية التي يحضرها الرئيس الأمريكي ترامب هذه المرة عن تلك التي حضرها في ولايته الرئاسية الأولى، فالعالم لم يعد هو العالم والشرق الأوسط تغير كثيرا عما كان عليه في عام 2017، حتى أفكار ترامب نفسها تغيرت رغم أن استراتيجية «الصفقة» ما زالت هي التي ترسم تفاصيل المشهد في مجمله.
عودة ترامب إلى المنطقة هذه المرة لا تمثل استئنافا لتحالفات تقليدية ولكنها اختبار لتوازنات جديدة تتشكل بهدوء في شرق العالم وغربه.
أحد أهم الأفكار التي على ترامب أن يسمعها غدًا في الرياض أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تجاوزت كل الحدود وباتت عبئا أخلاقيا واستراتيجيا على حلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم دول الخليج. وإذا كانت دول الخليج لا تستطيع، منطقا، الطلب من أمريكا أن تتخلى عن إسرائيل، فإن عليها في هذه القمة أن تطلب من أمريكا قبل ترامب إعادة تعريف العلاقة معها ضمن إطار يحفظ للمنطقة استقرارها ويكبح جماح السياسات التي تهدد بإشعال صراعات لا يمكن احتواؤها.
ورغم أن الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بات مريرا، بعد سلسلة الجرائم التي ارتُكبت في غزة ولبنان وسوريا واليمن خلال الأشهر الماضية، فإن من الضروري أن توضح دول الخليج موقفها للرئيس الأمريكي إذا ما أعاد طرح ملف الاتفاقيات الإبراهيمية وتحيله إلى شروط المبادرة العربية التي تشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، ودون ذلك، إن الدفع باتجاه تطبيع غير مشروط يعكس ما وصفته دراسات غربية بأنه «تسوية وظيفية» لا «تسوية سياسية»، أي بناء علاقات سطحية دون معالجة جذور الصراع، مما يهدد بإعادة تدوير العنف، إضافة إلى أنه تخلٍ واضح عن القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، فإن ملف الطاقة لا يُمكن فصله عن مفهوم الشراكة الاستراتيجية. فالاستقرار الاقتصادي الذي تسعى إليه واشنطن مرهون باستقرار سياسي لا تصنعه السوق وحدها، بل يضمنه التفاهم العميق مع الحلفاء.
ولا يجب هنا أن يغيب عن بال ترامب أن موازين القوى في الخليج لم تعد أمريكية بالكامل. فالصين بعد الاتفاق النفطي في عام 2023 مع الرياض، أصبحت شريكا موازيا في التجارة والاستثمار، فيما تتقدم الهند كمحور جيو ـ اقتصادي بديل، كما أن المستثمرين الروس، وهم كثر، نقلوا الكثير من ملياراتهم إلى الخليج منذ فبراير 2022 إلى اليوم. وعلى ترامب أن يسمع بوضوح أن الحديث عن «العودة إلى الشرق الأوسط» لا يكفي وعليه أن يعرف جيدا أن الشراكة اليوم لم تعد عمودية، بل أفقية، قائمة على التوازن لا التبعية.
ثمة أمر آخر شديد الأهمية، وهو إشكالية عميقة تراكمت منذ ولاية ترامب الأولى وتتمثل في تداخل المصالح الخاصة مع مصالح الدولة، ومن حق الدول الخليجية أن تسمع إجابة واضحة: هل الشراكات التي أبرمت منذ ولاية ترامب الأولى إلى اليوم هي عميقة مع واشنطن أم مرحلية عمرها الافتراضي لا يتجاوز أربع سنوات!
هذا السؤال وما شابهه من الأسئلة ليست هامشية؛ فالثقة الاستراتيجية تُبنى على مؤسسات، لا على أفراد. والدول الخليجية لا تريد بناء علاقات استراتيجية قائمة على أفراد وإلا فإنها قادرة على البحث عن توازنات جديدة أكثر موثوقية في لحظة مفصلية من لحظات التغير العميق في العالم.
وفيما يخص الطاقة وهو موضوع لا يمكن فصله عن العلاقات الاستراتيجية والاستقرار السياسي فمن المهم أن يسمع ترامب وجهة نظر خليجية قوية مفادها أن ليس في مصلحة أمريكا أن تضعف أصدقاءها وحلفاءها عبر العمل على انهيار أسعار النفط، وكذلك فرض رسوم جمركية تنهار معها اتفاقيات التجارة الحرة بين أمريكا ودول الخليج.. تحتاج دول الخليج إلى أخذ التزامات من واشنطن تضمن استقرار المنطقة سياسيا واقتصاديا.
سيكون على الرئيس الأمريكي، إذا أراد استعادة ثقة حلفائه، أن يُظهر استعدادا للاستماع إلى الكثير من الملاحظات الاستراتيجية وفي مقدمتها أن الخليج بات قادرا على بناء شراكات استراتيجية أمنية واقتصادية مع أقطاب جديدة في العالم، وأن تكلفة دعم إسرائيل باتت عالية سياسيا وأمنيا، وأن الشراكة الاقتصادية لا يمكن أن تغطي على فجوات الثقة.
لن تكون قمة الرياض، إذن، اختبارا لشكل العلاقة مع إدارة ترامب فقط، ولكن للحظة الخليج نفسها: هل ما زالت ترى في أمريكا شريكا حصريا، أم أصبحت شريكا بين شركاء في نظام عالمي يعاد تشكيله بلا قيادة مركزية؟ الجواب لن يظهر في البيان الختامي ولكن في الخيارات الفعلية التي تتخذها العواصم الخليجية بعد القمة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: دول الخلیج ترامب أن
إقرأ أيضاً:
ترقب في طهران لزيارة ترامب لمنطقة الخليج
طهران- على وقع التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، يحزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غدا الاثنين، حقائبه قاصدا منطقة الخليج، في حين يتسع التباين في الخطوط الحمراء بين واشنطن وطهران بشأن برنامج إيران النووي، ما يجعل الأجندة التي يحملها في جعبته محل اهتمام واسع لدى الأوساط الإيرانية.
وقبيل زيارته، أعلن ترامب وقفا لإطلاق النار مع الحوثيين، لكن تصعيد المقاومة الفلسطينية في غزة يذكّره بوعده إبان حملته الانتخابية لوقف العدوان على القطاع المحاصر، ما يرسم علامات استفهام عن مدى التزام ترامب بمهلة شهرين -التي أوشكت على الانتهاء- للتوصل إلى اتفاق نووي جديد أو اللجوء إلى الخيار العسكري.
وبينما يستذكر الإيرانيون رؤية ترامب قبل نحو 100 يوم -في خطاب التنصيب- وقوله "أميركا أولا"، ومواقفه المتكررة التي تعتبر الصين التهديد الأول لبلاده، تستحوذ جولته الخليجية على القسم الأكبر من نقاشات الأوساط السياسية في طهران، بحثا عن تحليل لما ستخلِّفه الزيارة على الملفات الإقليمية.
أسبوع "مصيري"وفي حين يقرأ خبراء إيرانيون الزيارة في سياق مساعي ترامب لعقد صفقات بمئات المليارات لتحسين اقتصاد بلاده، وتعويض الأضرار جراء حرب الرسوم الجمركية لا سيما مع بكين، تصف شرائح أخرى الأسبوع الجاري بـ"المصيري" لمستقبل المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة.
إعلانويعتقد أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة الخوارزمي، يد الله كريمي بور، أن الزيارة تحظى بأهمية كبيرة جدا، انطلاقا من توقيتها والأجندة التي يحملها ترامب، موضحا أنها تأتي عقب الجولة الرابعة من المفاوضات النووية وإصرار طرفيها على عدم النزول من على شجرة الخطوط الحمراء.
وفي تعليق نشره على حسابه بمنصات التواصل، يرجح كريمي بور، أن يبحث ترامب سبل خفض التوتر أو إنهاء الحروب بالشرق الأوسط وعلى رأسها العدوان على غزة والحد من نشاط حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في القطاع، كما لم يستبعد أن يفكر ترامب باعتراف بلاده -ولو بشكل منقوص- بتشكيل دولة فلسطين.
ويعتقد أن مواجهة الصين ستبقى الهم الأساس للإدارة الأميركية خلال الفترة المقبلة، وعليه، يضطر ترامب للتباحث مع أصدقائه الخليجيين بشأن قضايا الطاقة ومنها النفط والغاز لتعزيز الدولار الأميركي، ما سيجعل المطالب الإسرائيلية في المرتبة التالية الآن.
ملفات عربيةفي المقابل، يولي إيرانيون آخرون أهمية في الملفات التي سيبحثها العرب مع ترامب، ويعتقد الباحث الإستراتيجي آرين خانقاهي رضائي، أن الدول العربية المجاورة تخشى احتدام التوتر بالمنطقة من بوابة الصراع الإسرائيلي الإيراني لا سيما على الأراضي اللبنانية والسورية واليمنية، ما يرفع احتمالات نشوب حرب إقليمية تنعكس سلبا على الاقتصادات الخليجية.
وفي مقال مطول تحت عنوان "الساحر في الصحراء" نشره بصحيفة "اعتماد"، يعتقد رضائي، أن الدول العربية ستطالب ترامب بإعادة النظر في سياسات واشنطن حيال سوريا الجديدة وإلغاء قانون قيصر عنها تمهيدا لعودة دمشق للمعادلات الإقليمية.
وحسب رضائي، فإن بعض الدول العربية المضيفة ستبحث مع ترامب تزويدها بأسلحة متطورة مثل المقاتلات والمضادات الجوية والمُسيَّرات، وكذلك برنامج نووي مدني لموازنة القوة مع إيران، إضافة للمطالبة بتقنيات الذكاء الاصطناعي وضمانات أمنية لبعض آخر منها.
إعلان محور المقاومةأما الباحث السياسي علي رضا تقوي نيا، فيعتقد أن ترامب يبدو بحاجة إلى مناورة سياسية في الشرق الأوسط -للاستهلاك الداخلي- إثر فشله في تحقيق وعوده الانتخابية لا سيما بشأن وقف العدوان على غزة والحرب على أوكرانيا.
لكنه اصطدم -يقول تقوي نيا- بالحرب على الحوثيين التي كلفته غاليا، وما كان لطائرته أن تهبط في المطارات الخليجية إلا بعد الاتفاق شفهيا بوقف الهجمات المتبادلة بالبحر الأحمر، مستثنيا القصف الحوثي على مطار بن غوريون في إسرائيل.
ورأى، أن بلاده ساهمت في التهدئة بين صنعاء وواشنطن، بالرغم من أن وتيرة الصراع كانت تسير لصالح سياساتها من أجل إيصال رسالة بأن محور المقاومة لا يزال يمتلك أوراقا قد تفاجأ الجانب الصهيو-أميركي.
ويوضح تقوي نيا، أن طهران تدخلت إيجابيا بين واشنطن وصنعاء لدفع مفاوضاتها النووية المتواصلة مع الأميركيين لحل سياسي، وبين أنه يمكن لبلاده الاستفادة من التجربة اليمنية والصينية لحث ترامب على التراجع عن مواقفه المتشددة حيالها.
ويتابع، أن ترامب قد يجني منافع اقتصادية كبيرة جراء زيارته الخليجية لكنه سيعود "صفر اليدين" بخصوص أمنيته حول تطبيع دول عربية مع إسرائيل، أو التوصل لاتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، مضيفا أن تلميح ترامب حول عزمه إعلان "خبر مذهل" قبيل الزيارة قد يتعلق بفلسطين أو غزة.
حرب نفسية
وقال الباحث السياسي رضا بردستاني، إن تسريب بعض القضايا للإعلام، يأتي في سياق "الحرب النفسية" التي تمارسها واشنطن للتأثير على سلوك وفدها المفاوض الإيراني في مسقط، وإنها تحمل في طيّاتها مؤشرات سلبية حول جدية أميركا للتوصل إلى اتفاق يضمن عدم تصنيع إيران قنبلة ذرية.
وفي حديثه للجزيرة نت، يعتقد بردستاني أن حل القضايا الشائكة على مدى 46 عاما بين إيران وأميركا لا يمكن خلال 46 يوما ولا في مهلة شهرين، كما يخيّر ترامب بلاده بين الاتفاق بشأن ملفها النووي خلال هذه المدة أو الحل العسكري.
إعلانوأكد أن الأميركيين تفاجؤوا بجدية إيران في المفاوضات المتواصلة وطرحها حلولا لملفها النووي، خلافا للجانب الأميركي الذي يعرف ماذا يريد لكنه يبدو متخبطا بشأن كيفية تحقيقه.
وأكد بردستاني أن بلاده ستراقب عن كثب مباحثات ترامب مع دول الجوار وستعلن مواقفها رسميا بشأن ما سيتمخض عنها.