تكشف التهديدات الأخيرة للقائم بأعمال رئيس حكومة ميليشيا الحوثي الإرهابية، حجم الأزمة الداخلية التي تعانيها الميليشيا اليوم في مواجهة مرحلة ما بعد وقف الحرب في قطاع غزة.

وخلال فعالية داخلية، أطلق القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية، محمد مفتاح، تهديداتٍ إلى من أسماهم بـ"العملاء والخونة ومن يقفون وراءهم"، واتهمهم باتخاذ "إجراءات للتضييق على شعبنا والتضييق على تدفق السلع".

وقد هدد مفتاح قائلاً إن "معادلة البنك بالبنك والمطار بالمطار والميناء بالميناء لم تسقط"، في تذكيرٍ بالتهديدات التي كان زعيم الميليشيا الحوثية قد وجهها نحو السعودية في منتصف عام 2024م.

وجاءت تلك التهديدات حينها ردًّا على قرارات البنك المركزي اليمني بنقل مراكز البنوك التجارية اليمنية من صنعاء إلى عدن، وتجميد الرحلات من مطار صنعاء إلى الأردن، بسبب احتجاز الميليشيا لأرصدة شركة "اليمنية".

وفي حين لم يحدد مفتاح الجهة المستهدفة بالتهديدات، وما إذا كانت السعودية التي تقود تحالفًا عربيًا منذ 10 سنوات لدعم الحكومة الشرعية أم لا، إلا أن الواضح والمؤكد أن تلك التهديدات تشير إلى الأزمة المستمرة التي تعانيها الميليشيا اليوم، بسبب توقف نشاط مطار صنعاء وتقلص نشاط موانئ الحديدة.

ويعود ذلك إلى سلسلة الغارات الإسرائيلية والأمريكية، ومعها البريطانية، التي استهدفت مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية منذ يناير من عام 2024م، ردًّا على هجمات الميليشيا ضد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، تحت لافتة "إسناد غزة" و"حظر الملاحة الإسرائيلية".

هذه الغارات، وخاصة الإسرائيلية منها، أدت إلى توقفٍ تام لنشاط مطار صنعاء منذ أواخر مايو الماضي، بعد تدمير جميع الطائرات التابعة لشركة "اليمنية" التي اختطفتها الميليشيا، في حين تواصل تل أبيب استهداف موانئ الحديدة لمنع الميليشيا من استئناف نشاطها.

وهو ما يطرح تساؤلاتٍ حول التهديدات الأخيرة للقيادي الحوثي محمد مفتاح، واستخدامه صيغة التهديدات التي أطلقها زعيم الميليشيا منتصف العام الماضي ضد السعودية، على خلفية أزمة قرارات البنك المركزي ووقف الرحلات من مطار صنعاء.

ففي حين نجحت حينها تهديدات زعيم الميليشيا نحو الرياض في إلغاء قرارات البنك المركزي وعودة الرحلات إلى مطار صنعاء، إلا أن الأمر مختلف تمامًا هذه المرة؛ فمن يقف خلف وقف نشاط مطار صنعاء وموانئ الحديدة ليست السعودية أو الشرعية، بل هي إسرائيل ومن خلفها دعم مطلق من أمريكا والغرب.

وما تصفه الميليشيا الحوثية اليوم من إجراءات للتضييق على اليمنيين في مناطق سيطرتها والتضييق على تدفق السلع، كما زعم مفتاح، ليس إلا أحد تداعيات التصعيد المتهور الذي قادته الميليشيا المدعومة من إيران ضد العالم باستهداف ملاحته، وضد خصمٍ عسكري قوي كإسرائيل.

ما يجعل من قدرة الميليشيا الحوثية على تنفيذ تهديداتها على لسان مفتاح بـ"معادلة البنك بالبنك والمطار بالمطار والميناء بالميناء" ضد إسرائيل مثلًا، أمرًا مثيرًا للسخرية، بعد أن فشلت طيلة عامٍ كامل في تنفيذ تهديداتها بفرض حصارٍ جوي وبحري على تل أبيب، في حين أن مجرد تهديدها بفرض أمرٍ كهذا على أمريكا مثلًا يُعد تهريجًا سياسيًا.

وهو ما يجعل من هذه التهديدات أمرًا مُلحًّا للميليشيا الحوثية، بغرض الاستهلاك المحلي أمام اليمنيين في مناطق سيطرتها، لمحاولة احتواء أي تداعياتٍ صادرةٍ منهم على تكلفة إغلاق منافذهم الجوية والبحرية بسبب مقامرة الميليشيا بالبحر.

وتتضاعف مخاوف الميليشيا من أي تداعياتٍ شعبية على حالة الحصار التي تسببت بها، مع مخاوفها من تداعيات وقف الحرب في غزة التي مثلت متنفسًا أنقذ الميليشيا الحوثية من مأزق وقف الحرب في اليمن باتفاق الهدنة الأممية مطلع أبريل عام 2022م.

فالحرب التي اندلعت في مارس من عام 2015م حتى اتفاق الهدنة مثلت ذريعة قوية بيد الميليشيا الحوثية للهرب من التزاماتها كسلطة أمرٍ واقع تجاه اليمنيين في مناطق سيطرتها، وعلى رأسها دفع المرتبات وتقديم الخدمات، ومثلت الحرب لافتةً لنهب كل الإيرادات وفرض الجبايات.

إلا أن توقف الحرب باتفاق الهدنة في أبريل 2022م أسقط ذرائع الميليشيا الحوثية تجاه ملفات الرواتب والخدمات، ودفع بوجود مطالباتٍ شعبيةٍ تصاعدت خلال العام الأول للهدنة، ومثلت أزمةً غير مسبوقةٍ للمليشيا لم تنجُ منها إلا باندلاع الحرب في غزة مطلع أكتوبر من عام 2024م.

لتجد الميليشيا الحوثية اليوم نفسها تعود إلى ذات المأزق مع توقف الحرب في غزة بضغوطٍ أمريكيةٍ باتفاقٍ مطلع الشهر الجاري، ليتوقف مع الاتفاق ذريعة الميليشيا في التصعيد بالبحر أو في شن هجماتٍ صاروخية نحو إسرائيل.

بل إن الميليشيا الحوثية ترى أن مأزقها اليوم بتوقف الحرب أشدّ مما حصل عقب اتفاق الهدنة؛ فهي تعاني من جهةٍ مخاوفَ شعبيةٍ من استمرار تداعيات التصعيد بوقف نشاط مطار صنعاء وموانئ الحديدة، ومن جهةٍ أخرى تعيش تداعياتٍ غير مسبوقةٍ لنجاح الغارات الإسرائيلية، ومن قبلها الأمريكية، في استهداف قياداتٍ بارزةٍ ومواقعَ حساسةٍ لمخازن أسلحتها ومعامل تجميعها.

فهذه الغارات، وخاصة الأخيرة التي نجحت إسرائيل فيها في استهداف حكومة الميليشيا الحوثية وأبرز قادتها العسكريين، وعلى رأسهم رئيس أركانها محمد الغماري، كشفت عن هشاشةٍ صادمةٍ للحوثية في مواجهة الاختراق الاستخباري لصفوفها، ما نسف أسطورة الميليشيا بأنها منيعة من الاختراق، كما حصل مع النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة.

هذا الخرق الاستخباري الذي مثّل "زلزالًا" هز كيان الميليشيا الحوثية، ووضعها أمام تحدٍّ غير مسبوقٍ في محاولة إعادة ترتيب صفوفها أمنيًا وتحصين قياداتها ومواقعها من الاختراق، وهو أمرٌ بلا شك سيمثل تحديًا أمام أي رغبةٍ للميليشيا في خوض تصعيدٍ عسكري نحو الداخل أو الخارج.

مأزقٌ مركّبٌ تعانيه الميليشيا الحوثية اليوم في قدرتها على التعامل مع مرحلة ما بعد وقف الحرب في غزة، والتعامل مع تداعيات أو كلفة التصعيد الذي خاضته تحت لافتة هذه الحرب، في حين أن خياراتها في كل ذلك صعبةٌ ومكلفة.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: المیلیشیا الحوثیة نشاط مطار صنعاء الحرب فی غزة وقف الحرب فی فی حین

إقرأ أيضاً:

ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة

لكن قانون التوازن الاستراتيجي لا يرحم وإن بلغت المسيرات الانتحارية ذروة مجدها لأن مايحدث اليوم على قدم وساق في الشركات المصنعة للأسلحة هو البحث عن المنظومات الدفاعية المنخفضة التكلفة وربما قريبا سيتم سد هذا الأفق وإغلاق هذا الفصل من تاريخ الحروب.

فالمنحنى الطبيعي لأي سباق تسلح يقضي بأن يولد السلاح الثوري دفاعات مضادة تتفوق عليه اقتصاديًا، وهذه الدفاعات المنخفضة التكلفة والأكثر فعالية، من مشوشات رقمية ذكية إلى أسلحة الطاقة الموجهة الميكروية وشبكات الحساسات الموزعة، تجبرنا الآن على التساؤل: ما هو النظام الهجومي القادم الذي سيرث دور المدفعية الجوية الرخيصة؟ الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في نسخة مطورة من المسيرة، وإنما في نقلة نوعية نحو مفهوم "الذخائر المتسكعة فائقة الصغر والأسراب ذاتية التشغيل".

وإذا كانت المسيرات الحالية تعتمد على التفرد النسبي والتوجيه عن بعد، فإن البديل سيكون سربًا من مئات الكيانات الطائرة بحجم كف اليد، تدار بواسطة ذكاء جمعي اصطناعي لا يحتاج إلى رابط اتصال دائم مع المشغل. هذه الأسراب ستشكل تحديًا وجوديًا للدفاعات منخفضة التكلفة لأنها لا تهاجم المنظومة الدفاعية بل تتجاوز قدرتها الاستيعابية وحتى لو تمكن الدفاع من إسقاط تسعين بالمئة من أفراد السرب بتكلفة زهيدة، فإن العشرة بالمئة المتبقية كافية لإحداث ضرر كارثي.

إن معادلة التكلفة والفائدة تنهار هنا لصالح المهاجم، لأن المهاجم يشتري "تأكيد الاختراق" عبر التشبع الكمي والنوعي وهذا السرب لن يكون مجرد طائرات وانما عقدة شبكية مستقلة، بعض أفراده مهمته التشويش والتضحية لاستنزاف الدفاعات، والبعض الآخر للتضليل الحراري والراداري، ولبّه مجموعة ضاربة تختار أهدافها بتنسيق صامت، متخذة قرار الاشتباك في أجزاء من الثانية دون انتظار إذن بشري.

في موازاة ذلك، وعندما تتصاعد فعالية الدفاعات الجوية إلى درجة تنفي فيها جدوى الهجوم الجوي المادي المباشر، سينتقل مركز الثقل إلى مجال آخر تمامًا... سيكون النظام البديل التالي هو أجهزة الهجوم السيبراني-الفيزيائي المدمجة، وهي ذخائر ذكية لا تصمم لتدمير الهدف عبر الانفجار، بل لإسكات الحواس الإلكترونية للدرع الدفاعي. تخيل "مسيرة" ليست مسيرة بالمعنى التقليدي، وانما جراب استطلاع صغير يصل إلى عمق أراضي العدو، ليسقط بهدوء ويمدد مجساته نحو كابلات الألياف الضوئية المدفونة، أو ليزرع فيروسًا خاملًا في شبكة الكهرباء المغذية لرادارات الدفاع منخفضة التكلفة.

في هذه اللحظة، لا يتم تدمير الدرع، فالدرع يُصاب بالعمى والشلل الكلي، ليعود بعدها أرخص درون انتحاري في الترسانة قادرًا على الطيران في سماء باتت مفتوحة وميتة استخباراتيًا. إنها حرب إعادة تعريف "الاختراق"، حيث تصبح الجبهة الأولى هي الطيف الكهرومغناطيسي وشبكات البيانات قبل أن تكون المجال الجوي.

هذا السلاح الهجين سيعمل في المنطقة الرمادية بين الحرب الإلكترونية والتخريب المادي، متجاوزًا بذلك معضلة مواجهة دفاع جوي قوي عبر الالتفاف عليه من الأساس. إن التحول الأعمق الذي تحمله هذه البدائل هو الانتقال من عصر "الطائرة بدون طيار" كمنصة مستقلة إلى عصر "الذخيرة الذكية متعددة المجالات". المنصة القادمة ستكون قادرة على الانتقال بين الأوساط. قد تطلق من اي مكان على بعد مئات الأميال، لتطير مئات الكيلومترات، ثم تغوص في نهر داخل مدينة لتسبح كطوربيد صغير نحو جسر، أو تزحف على اليابسة كحشرة روبوتية لتدخل ملجأً محصنًا.

هذه القدرة على الانتقال بين الجو والبر والماء والفضاء السيبراني في المهمة الواحدة ستجعل عملية بناء دفاع متكامل مضاد لها معضلة اقتصادية وعسكرية لا حل لها تقريبًا. سيتطلب الدفاع ضدها شبكة كثيفة ومعقدة تغطي كل وسط، وهي تكلفة لا تستطيع حتى أغنى الجيوش تحملها لفترة طويلة، مما يعيد عقارب الساعة لصالح المهاجم مجددًا.

في الجوهر، إن نهاية عصر المسيرات بشكله الحالي هي بداية عصر "العتاد المهجور"، حيث تُطلق الذخيرة الذكية وتُنسى، وتتشاور مع مثيلاتها لتشكيل جيش مصغر من الأشباح الإلكترونية في عمق أراضي العدو. القيمة في السلوك المستقل والأثر المتشعب.

ساحة المعركة المستقبلية لن تعرف مصطلح خط الدفاع ستكون فسيفساء من الاختراقات الصامتة والاشتباكات الخاطفة بين أسلاك الكود ونبضات الليزر والمتفجرات الدقيقة.

سيكون النصر فيها لمن يتمكن من إغراق خصمه بفيضان من التهديدات الذكية الرخيصة التي لا ترى بالعين المجردة، ولا تسمع بالأذن البشرية، ولا تستأذن أحدًا قبل أن تغير مسار الحرب. وهكذا، فإن المسيرة الانتحارية التي نعرفها اليوم ليست سوى يرقة بدائية لما هو قادم.

النظام البديل ليس طائرة أفضل، إنه كائن حربي متعدد الأبعاد يرفض تصنيفه كطائرة أصلاً. قد يخرج من فوهة هاون، ثم يسبح في نهر، ثم يزحف على جدار، ثم يطير لمسافة عشرة أمتار فقط ليعبر ساتراً ترابياً، كل ذلك في المهمة الواحدة. قد يتخذ شكل حجر طريق، أو علبة مشروبات غازية ملقاة، ينتظر بصبر الصياد لأيام قبل أن يقرر أن لحظة الاشتباك قد حانت بناء على خوارزمية تقييم ذاتي.

في هذه البيئة، لن يجدي نظام الدفاع منخفض التكلفة الذي تلوح به الجيوش اليوم نفعا فالحرب التي ترسم ملامحها اليوم معامل الأسلحة في كييف وموسكو وغيرها هي حرب زوال المنصة وظهور الذكاء الموزع؛ حرب تذوب فيها الآلة القاتلة في البيئة المحيطة، فتصبح غير مرئية ليس للرادار فحسب، بل للفهم البشري ولقواعد الاشتباك ذاتها. إنها حرب ستجعل من جندي المستقبل يخشى الأرض التي يدوسها أكثر مما يخشى السماء التي تظله، مدركاً أن آلاف القتلة الصغار الصامتين يشاركونه الخندق، بلا قلب وبلا تردد، في انتظار أمر لم يعد يصدر عن بشر.

مقالات مشابهة

  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • أفضل مشروبات التخسيس.. خيارات طبيعية تدعم فقدان الوزن
  • جمود المفاوضات يُطيل أمد الحرب.. وجون بولتون: ترامب في مأزق حقيقي
  • رئيس وزراء فرنسا: مرتكبو أعمال العنف يجب أن يتحملوا تكلفة الأضرار
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • إسرائيل ترسم «منطقة عازلة» في جنوب سوريا
  • ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة
  • زيارات الجبهات.. رسالة تعزز التلاحم والصمود لمواجهة الأعداء
  • تركيا: إصابة مواطنين اثنين في استهداف سفينة شحن بالبحر الأسود
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي