في مشهدٍ يعكس تداخلاً خطيراً بين الجماعات المتطرفة، تتجه ميليشيا الحوثي وتنظيم القاعدة إلى تبنّي خطابٍ واحد يقوم على اتهامات "التجسس" لتبرير موجات الاعتقالات والإعدامات ضد المدنيين وموظفي الأمم المتحدة والنشطاء المحليين. 

هذا التزامن في التوقيت والمضمون، وفق مراقبين، لا يبدو مصادفة بقدر ما هو سلوك ممنهج يهدف إلى ترهيب المجتمع، وإضفاء غطاء ديني وأمني على الانتهاكات المنظمة في مناطق سيطرة كل طرف.

ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة حملات الاعتقال بحق موظفي المنظمات الأممية والمدنيين، بزعم انخراطهم في "شبكات تجسس لصالح إسرائيل"، بينما تزامن ذلك مع إصدار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لفيديو جديد بعنوان "سبيل الرشاد"، يحذر فيه اليمنيين من "التجسس" ويعرض مشاهد لعمليات إعدام بحق من وصفهم بـ"الجواسيس"، في تكرار لنهج دموي يختزل العدالة في مشاهد دعائية.

وشنت ميليشيا الحوثي منذ شهر حملات مداهمة واعتقال مكثفة طالت نحو 60 موظفاً من العاملين في منظمات تابعة للأمم المتحدة، بعد اقتحام مكاتبها في صنعاء، ومصادرة سجلاتها وأجهزة الاتصالات الخاصة بها.

وزعمت الجماعة أن هؤلاء الموظفين يعملون ضمن "شبكات تجسس إسرائيلية"، وهي اتهامات رفضتها الأمم المتحدة ووصفتها بأنها "خطيرة وغير مقبولة"، مؤكدة أن ما يجري يشكل تهديداً مباشراً لأمن العاملين الإنسانيين وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

ويرى مراقبون أن هذه الحملة تأتي ضمن خطة أوسع لفرض السيطرة المطلقة على المجال الإنساني والمجتمعي، ومنع أي نشاط مستقل خارج سلطة الجماعة، خصوصاً مع توسع الاعتقالات لتطال مواطنين عاديين بتهم "التجسس" أو "التخابر".

في المقابل، نشر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، في 28 أكتوبر 2025، إصداراً مرئياً بعنوان "سبيل الرشاد"، يمتد لساعة كاملة، حذّر فيه من "التجسس"، وادّعى قدرته على كشف "المخبرين" العاملين لصالح أجهزة استخبارات أجنبية.

الفيديو، الذي تخلله اعترافات قسرية ولقطات إعدام بحق يمنيين اتهموا بالتعاون مع قوى غربية، يعيد إنتاج ذات النموذج الذي استخدمته التنظيمات الإرهابية سابقاً لتبرير القتل خارج نطاق القانون، وترسيخ سلطتها المطلقة عبر الخوف.

وقدّم أحد قادة التنظيم المكنى بـ"أبي إسلام المهاجر" نفسه بصفته مسؤولاً أمنياً، متحدثاً عن "شبكات جواسيس" تم كشفها ومحاكمتها "وفقاً للشريعة الإسلامية"، في سردية لا تختلف كثيراً عن تلك التي يروّجها الحوثيون في صنعاء.

منظمات حقوقية نددت بمضمون الفيديو، مؤكدة أن عمليات الإعدام العلنية والاعترافات المنتزعة بالإكراه تُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وأن التنظيم يستخدم هذه الممارسات لتثبيت نفوذه عبر الإرهاب الفكري والدعائي.

ويرى محللون أن التزامن اللافت بين تصعيد الحوثيين ضد العاملين الأمميين وإصدار القاعدة للفيديو التحريضي، يعكس وجود قاسم أيديولوجي مشترك بين الطرفين يقوم على استغلال مفهوم "التجسس" لتبرير القمع، وإعادة إنتاج الخوف المجتمعي كسلاح للهيمنة.

ويذهب بعض المراقبون إلى أن كلا الطرفين يسعيان عبر هذه الحملات إلى تحويل "نظرية المؤامرة" إلى أداة تعبئة جماهيرية، وإغلاق المجال العام أمام أي صوت مستقل أو مراقب خارجي، ما يجعل من "التجسس" ذريعة شاملة لتصفية الخصوم وتخويف السكان.

وأشاروا إلى أن النتيجة واحدة في الحالتين: إعدامٌ علني واعتقالٌ سري وخنقٌ لأي مساحة حرية. ففي مناطق الحوثيين، يُستخدم "التجسس" كذريعة لإرهاب العاملين في المجال الإنساني وتكميم أفواه المعارضين، وفي مناطق القاعدة يُستخدم لتبرير سفك الدماء وتعزيز السيطرة الأيديولوجية. وبين هذا وذاك، يدفع المدنيون ثمن لعبة الإرهاب والاتهامات المصطنعة.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

إقرأ أيضاً:

كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني

وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.

ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".

وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".

كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.

وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"


ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.

وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.

وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.

وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".

ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.

وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".

مقالات مشابهة

  • كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
  • «صدقة جارية وأثر طيب».. عميد آداب بني سويف تشكر أحد العاملين بالكلية لتبرعه بمبرد مياه|صور
  • إيران ترفض استئناف زوجين بريطانيين محكوم عليهما بالسجن 10 سنوات بتهمة التجسس
  • المدية.. الإطاحة بـ 3 شبكات للاتجار بالمخدرات وحجز 2520 قرصًا مهلوسًا
  • وزير الأوقاف يدشّن أول تأشيرة عمرة لموسم 1448هـ ويعلن انطلاق ترتيبات خدمة المعتمرين اليمنيين
  • المدية.. الإطاحة بـ 3 شبكات لإتجار بالمخدرات وحجز 2520 قرص مهلوسة
  • أمن المدية يُطيح بـ3 شبكات إجرامية للإتجار بالمخدرات
  • شبكات تهريب النفط الليبي.. نزيف اقتصادي وخسائر تلاحق الدولة
  • إحالة 57 من العاملين المقصرين في العمل بالجهاز الإداري بالشرقية للتحقيق
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي