أزمة رقائق تحاصر أوروبا وواشنطن تتوسط بين الصين وهولندا
تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT
في أحدث تطورات أزمة الرقائق بين الصين وهولندا، امتنعت الحكومة الهولندية وشركة نكسبيريا عن التعليق على تقارير إعلامية نقلتها وكالة رويترز، أشارت إلى أن البيت الأبيض يعتزم الإعلان عن استئناف شحنات الرقائق من منشآت الشركة الصينية في هولندا خلال الأيام المقبلة.
وأكد مصدر مطلع للوكالة أن القرار المرتقب سيمثّل "انفراجة جزئية" لقطاع السيارات العالمي، الذي يواجه خطر خفض الإنتاج بسبب نقص مكونات إلكترونية حيوية.
وفي بيان مقتضب، قالت الحكومة الهولندية إنها تجري اتصالات مستمرة مع السلطات الصينية وشركائها الدوليين "للوصول إلى حل بنّاء يعيد التوازن إلى سلسلة إمداد الرقائق العالمية ويخدم مصالح نكسبيريا واقتصاداتنا المشتركة".
أما الشركة نفسها، فأوضحت أنها "تدعو باستمرار إلى خفض التصعيد وإيجاد حلول عملية للوضع الراهن"، بحسب ما نقلته رويترز.
بكين ترد وتحمّل لاهاي مسؤولية الاضطراباتمن جانبها، ألقت الصين باللوم على الحكومة الهولندية في "تفاقم اضطرابات الإمداد العالمية المتعلقة بشركة نكسبيريا"، متهمةً إياها بـ"التدخل غير القانوني في شؤون الشركات"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.
وجاء في بيان وزارة التجارة الصينية أن "التدخل الحكومي أدى إلى فوضى في الإنتاج وسلاسل التوريد على المستوى العالمي"، محذّرة من أن استمرار هذه الإجراءات "سيضرّ بمصالح الصناعات الأوروبية والأميركية على حد سواء".
وتعود جذور الأزمة إلى استحواذ الحكومة الهولندية في سبتمبر/أيلول على شركة نكسبيريا، المملوكة لمجموعة وينغتيك تكنولوجي الصينية، بموجب قانون طوارئ يعود إلى حقبة الحرب الباردة.
وبرّرت لاهاي القرار بأنه "إجراء احترازي لضمان توفر الرقائق في حالات الطوارئ" ولوجود "نواقص خطيرة في الحوكمة الداخلية"، بينما اعتبرت بكين الخطوة "مصادرة غير مبررة" لحقوق المستثمرين الصينيين.
إعلانوردّت الصين حينها بفرض حظر على إعادة تصدير الرقائق المكتملة من مصانع نكسبيريا داخل أراضيها إلى أوروبا، ما أدى إلى تعطّل سلاسل الإمداد في قطاعات السيارات والإلكترونيات.
وأكدت وزارة التجارة الصينية لاحقًا أنها "ستُراعي الحالات الفعلية للمؤسسات وتمنح إعفاءات محدودة للعمليات التي تستوفي الشروط"، لكنها شددت على أن لاهاي تتحمل المسؤولية عن الاضطرابات الراهنة.
نزاع يهدد صناعة السيارات العالميةوبحسب تقرير سابق للجزيرة نت، شكّل تجميد صادرات الرقائق الصينية صدمةً لصناعة السيارات العالمية، إذ أعلنت شركات كبرى مثل هوندا موتور وفورد وجنرال موتورز عن خفض أو تعليق الإنتاج في مصانعها بأميركا الشمالية وأوروبا.
وقالت هوندا إنها أوقفت العمل مؤقتًا في مصنعها بكندا وخفّضت الطاقة الإنتاجية في المكسيك بنسبة 50%، بعد نفاد إمدادات الرقائق القادمة من نكسبيريا.
وفي أوروبا، حذّرت رابطة مصنّعي السيارات الأوروبيين من أن المخزون المتاح من رقائق نكسبيريا "لن يكفي سوى لأسابيع قليلة"، مشيرة إلى أن "توقّف الإمدادات قد يؤدي إلى تعطّل واسع النطاق في مصانع القارة".
وأوضحت شركة مرسيدس بنز أنها تملك احتياطيا قصير الأمد يكفي "للمدى القريب فقط"، فيما أكدت فولكس فاغن أنها قد تواجه صعوبة في تحقيق أهدافها المالية لعام 2025 إذا استمر الحظر، رغم تأمين مكونات كافية للأسابيع الأولى من نوفمبر/تشرين الثاني.
وفي تصريحات نقلتها الجزيرة عن المدير المالي لفولكس فاغن أرنو أنتليتز، قال إن شركته تتوقع "تحقيق ربح تشغيلي في النطاق الأعلى بين 2% و3% لهذا العام"، لكنه حذر من أن "استمرار أزمة الرقائق قد يعرّض ذلك للخطر".
أما في ألمانيا، فقد أعلنت شركة أوموفيو إس إي، المنفصلة حديثًا عن "كونتيننتال"، أنها "تستعد لاحتمال تقليص ساعات العمل بسبب اختناقات الإمداد".
وفي الولايات المتحدة، قالت جمعية مصنّعي السيارات والمعدات إن المصانع الأميركية "على بُعد أسابيع من مواجهة تأثيرات كبيرة" في حال لم يُحل النزاع.
موقف الشركات الصينية والأميركيةمن جهتها، دافعت مجموعة وينغتيك -المالكة الصينية لنكسبيريا- عن موقفها قائلة إن تدخل الحكومة الهولندية "غير المدروس" ألحق أضرارًا فادحة بعمليات الشركة الأوروبية، وطالبت باستعادة السيطرة الكاملة على إدارتها ووقف "التدخل السياسي في حوكمة الشركات"، بحسب ما نقلته الجزيرة.
وفي المقابل، وصف الرئيس التنفيذي لشركة فورد موتور، جيم فارلي، النزاع بأنه "مسألة سياسية بالدرجة الأولى"، مشيرًا إلى أنه أثار القضية مع مسؤولين في واشنطن، بينما أكدت الرئيسة التنفيذية لجنرال موتورز، ماري بارا، أن القيود "قد تؤثر على وتيرة الإنتاج خلال الأشهر المقبلة".
من جانبها، أوضحت شركة تويوتا اليابانية أن تأثير الأزمة "لا يزال محدودًا"، إذ قال رئيسها التنفيذي كوجي ساتو إن الشركة "لم تتأثر بشدة حتى الآن، لكنها تراقب الموقف عن كثب"، في حين أشار مسؤول من نيسان إلى أن لدى الشركة "إمدادات تكفي حتى الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني"، لكنه أقرّ بأن المشكلة "ليست بسيطة وقد تمتد إلى مراحل لاحقة من سلسلة التوريد".
مساعٍ للتهدئة بعد لقاء شي وترامبوبحسب "بي بي سي"، فإن قرار بكين الأخير بتخفيف قيود التصدير جاء بعد لقاء الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب في كوريا الجنوبية، حيث ناقش الجانبان ملف الرقائق والتجارة.
إعلانوأوضحت "بي بي سي" أن 70% من إنتاج نكسبيريا في هولندا يُرسل إلى الصين لإكمال المعالجة ثم يُعاد تصديره إلى أوروبا، ما يجعل القارة "شديدة الاعتماد على البنية التكنولوجية الصينية".
ويتوقع أن تُعلن واشنطن وبكين خلال الأيام المقبلة تفاهما تجاريا مؤقتا يشمل استئناف صادرات نكسبيريا من الصين، وهو ما وصفته رويترز بأنه "خطوة لاحتواء الأزمة لا لإنهائها".
أما في أوروبا، فلا يزال القلق قائما من هشاشة سلاسل الإمداد التي كشفتها الأزمة، والتي جعلت القارة، كما تقول "بي بي سي"، "رهينةً للتقلبات الجيوسياسية في آسيا" أكثر من أي وقت مضى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الحکومة الهولندیة إلى أن
إقرأ أيضاً:
الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
يشير تصاعد الحديث عن "الاستقرار الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين، في أعقاب قمة مايو/أيار بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، إلى مسعى لضبط التنافس ضمن أطر قابلة للإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالمية جديدة، إلى جانب ترقب لقاء محتمل بين الزعيمين في واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، مما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4ترمب يستعد لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولةlist 2 of 4الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟list 3 of 4الصين تصدر أكثر من مليون سيارة في شهر واحد رغم التعريفات الجمركيةlist 4 of 4حرب تجارية تتسع.. كيف تستخدم الصين سلاسل التوريد في معركتها مع الغربend of listفي هذا السياق، ركزت بعض الصحف الصينية على أبعاد متعددة للعلاقات الثنائية، من فهم الخطاب المتبادل إلى التفوق الصيني في بناء السفن ومحاولات واشنطن لموازنته، وصولا إلى القيود التجارية وتوقعات الردود المقابلة، مما يضعنا أمام السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام تصعيد جديد في الحرب التجارية أم احتكاك اقتصادي يدار ضمن قواعد هذا الاستقرار؟
لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية، فضعف برامج اللغات المدنية، يفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية اللازمة لفهم الصين
بواسطة شينغ يو وانغ
توافق لغوي واختلاف جوهريبحسب ما أوردته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ، ظهر مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي" في بيانات الجانبين عقب لقاء الرئيسين في بكين في مايو/أيار الماضي، لكن بصياغتين مختلفتين تعكسان تباينا في الدلالة والرؤية.
فقد قدم البيت الأبيض العلاقة على أنها "بناءة على أساس الإنصاف والمعاملة بالمثل"، بينما اكتفت بكين بوصفها "علاقة ثنائية بناءة للاستقرار الإستراتيجي".
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس فجوة أعمق في تفسير النوايا الإستراتيجية، إذ يرى محللون أن اللغة الصينية الرسمية "غامضة بشكل مقصود" بما يمنح القيادة مرونة سياسية، في حين تعاني واشنطن من صعوبات متزايدة في تفسير الخطاب الصيني بسبب تراجع قدراتها في الكوادر اللغوية والمعرفية.
إعلانووفقا لكايل تشان، الباحث في مركز جون إل ثورنتون الصيني في معهد بروكينغز "فإن تراجع الدعم الحكومي والاهتمام بين الطلاب الأمريكيين يترك فجوة كبيرة في القدرات اللغوية الصينية"، ويؤيده في هذا الرأي شينغ يو وانغ، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا ، الذي يشير إلى أهمية اتباع نهج أوسع لبرامج اللغة.
ويقول إنه "لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية فقط، فإذا ما ضعفت برامج اللغات المدنية، فقد تفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية الأوسع اللازمة لفهم الصين كنظام متكامل".
تصعيد أم احتكاك مدروسفي السياق ذاته، أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الولايات المتحدة تقترب من فرض إطار جديد لتعريفات جمركية عالمية، قد يشمل نحو 60 اقتصادا تمثل 99% من وارداتها، ويستند هذا التوجه إلى أدوات قانونية أكثر مرونة مثل المادة 301، بما يسمح بفرض رسوم موجهة وقابلة للتوسع.
وترى أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكس ، أن هذا الإطار يمثل "أداة إستراتيجية طويلة الأجل" وليس إجراءً مؤقتا، مشيرة إلى احتمال فرض رسوم إضافية أو قطاعية إذا استمرت اختلالات التجارة أو المخاوف الأمنية.
ورغم ذلك، ترجّح الصحيفة أن التأثير الفوري سيكون محدودا، وأن المسار العام يعكس "منافسة مُدارة" أكثر من كونه قطيعة كاملة، خاصة في ظل استقرار نسبي شهدته العلاقات هذا العام بعد فترة من التصعيد الجمركي المتبادل.
الإجراءات العقابية على قطاع صناعة السفن قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية
بواسطة ماثيو فونايول
رد مقيد وقنوات مفتوحةتجمع التقديرات التي نقلتها الصحيفة على أن بكين ستتجه إلى ردود "مقيدة ومدروسة"، تشمل تعريفات مستهدفة أو قيودا غير جمركية أو ضوابط على الصادرات، مع الحفاظ على قنوات التفاوض لتجنب تداعيات اقتصادية أوسع.
ويشير شو تيان تشن من وحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن الإجراءات الأمريكية الحالية لا تستهدف الصين حصرا، وأن بكين قد "تقبل إلى حد كبير" هذه الرسوم إذا بقيت ضمن حدود معينة. ويضيف أن أي رد صيني سيكون "رمزيا في جوهره"، وقد يستخدم كورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية في ملفات أخرى.
وتظل قضية "العمل القسري" أحد محاور الخلاف المستمرة منذ الولاية الأولى لترمب، حيث تستخدمها واشنطن لتبرير القيود التجارية، وهو ما يعزز الطابع السياسي للنزاع التجاري بين البلدين.
في موازاة ذلك، تبرز صناعة بناء السفن كجبهة جديدة في التنافس، وتفيد ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الكونغرس الأمريكي يدرس فرض تعريفات ورسوم موانئ وعقوبات تستهدف هذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه كقضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه قلقا أمريكيا متزايدا من تفوق الصين، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للسفن التجارية، مقابل أقل من 1% للولايات المتحدة.
إعلانوأشار نواب أمريكيون، مثل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آمي بيرا، إلى أن واشنطن "تتخلف أكثر فأكثر عن الصين" في هذا المجال.
وتتهم الولايات المتحدة الصين بالاعتماد على دعم حكومي لتوسيع هذا القطاع، وهو ما تنفيه بكين، مؤكدة أن تفوقها يعود إلى الابتكار والكفاءة الصناعية.
كما يحذر خبراء، مثل ماثيو فونايول، من أن الإجراءات العقابية قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
من الصدمة إلى الضغط
في المقابل، تقدم تقارير صحفية أخرى قراءة مغايرة للاتهامات الغربية، معتبرة أن مفاهيم مثل "صدمة الصين" و"الفائض الإنتاجي" وصولا إلى "الضغط الصيني" تعكس جميعها "سرديات مضللة".
وترى صحيفة تشاينا ديلي أن هذه المفاهيم تخلط بين التنافسية والممارسات غير العادلة، وتتجاهل دور الصين كمحرك للنمو العالمي، ويستشهد تقرير الصحيفة بدراسة لصندوق النقد الدولي عام 2025 خلصت إلى أن الصين ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي وتأثيراته الإيجابية.
كما تؤكد تشاينا ديلي أن صعود الصين الصناعي يستند إلى عوامل هيكلية مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والابتكار، وأن اندماجها في سلاسل القيمة العالمية يخلق فرصا للدول النامية بدلا من إقصائها.
في ضوء هذه المعطيات، توحي الصحف الصينية بأن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج هجين متشكل من تصعيد محسوب ضمن إطار "استقرار إستراتيجي"، إذ بينما تطور واشنطن أدوات ضغط أكثر مرونة واتساعا، تستعد بكين لردود انتقائية تحافظ على التوازن وتتفادى الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وحيث تتوسع ساحات التنافس لتشمل قطاعات إستراتيجية كصناعة السفن والتبادلات البحثية والعلمية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا الاحتكاك دون تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما تعكسه الدلالات اللغوية التي تؤكد التنافس وتقيّده في آن واحد.