تخيّل أنك مزارع يعيش في قرية بالضفة الغربية المحتلة، تستيقظ صباحًا فتلمح عدداً من الكرفانات على التلّ المقابل. إنه بؤرة استيطانية جديدة غير شرعية. ينزل المستوطنون من التلّ مسلحين. يرتدي بعضهم الزي العسكري.

في البداية يضايقونك ويهددونك، ويطلقون النار في الهواء كلما حاولت الذهاب إلى حقلك، ثم تظهر كرفانات جديدة، ويقتحم المستوطنون قريتك.

يدمرون أدواتك الزراعية، ويسرقون ماشيتك، ويخرقون خزان الماء بالرصاص. يضربونك بقضبان الحديد، وربما يعتدون على زوجتك أيضًا، ويروّعون أطفالك. يدخلون منزلك، ويبعثرون أغراضك، ويسرقون نقودك وأوراقك ومجوهراتك وأجهزتك المنزلية. وإن كنت تملك سيارة، فإنهم يحرقونها. وإن كان لديك بئر أو خزان فإنهم يستولون على الماء فيه.

تحاول الاتصال بالشرطة، فلا أحد يأتي. وإن قاومت يستدعِ المستوطنون الجيش الإسرائيلي. الجنود يعتقلونك ويعاملون المستوطنين كضحايا.

التهجير القسري

عائلتك عاشت على سفوح تلال الضفة منذ القدم، وترفض أن يطردك حفنة من المتطرفين القادمين من بروكلين أو أوروبا الشرقية. لكن بؤرة أخرى تُقام، والمضايقات تتضاعف.

في النهاية تنهار وتغادر قريتك مع أسرتك، وتعيش على هامش إحدى المدن، بالكاد تكسب قوتك. تفقد ذكرياتك، وتاريخك، وأغانيك، وثقافتك. لا أمل، ولا رزق، ولا مستقبل؛ نصر جديد للمستوطنين.

قصص كهذه تتكرر يوميًا في أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب تقرير صحفي بارز للكاتبة هَغَر شزاف في صحيفة هآرتس -وهو أحد المصادر الرئيسة لهذه المقالة- فقد أُبيد أكثر من 80 تجمعًا فلسطينيًا منذ 7 أكتوبر 2023.

تقول الأمم المتحدة: إن النصف الأول من هذا العام شهد 757 اعتداءً نفذه مستوطنون ضد فلسطينيين أو ممتلكاتهم بمعدل أربعة اعتداءات يوميًا في المتوسط، وربما أكثر بكثير؛ لأن الكثير لا يُبلّغ عنه. ومنذ ذلك التاريخ أدت عمليات الهدم الإسرائيلية إلى تهجير أكثر من 2900 فلسطيني بينما هجّر المستوطنون قسرًا نحو 2400 آخرين نصفهم تقريبًا أطفال.

وتحذّر الأمم المتحدة قائلة: «التهجير الدائم للسكان المدنيين داخل الأراضي المحتلة يُعد نقلًا غير قانونيّ، وانتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وقد يرقى في بعض الحالات إلى جريمة ضد الإنسانية».

وقد تسارعت وتيرة الاستيلاء على الأراضي هذا الخريف بينما يقود بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي ومسؤول الإدارة المدنية في الضفة حملةً واسعة لمصادرة الأراضي، وبناء مستوطنات جديدة في محاولة لإفشال أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية وطرد الفلسطينيين من أرضهم.

تواطؤ بريطاني

ورغم خطورة ما يحدث فإن بريطانيا اكتفت باحتجاجات باهتة. فرضت عقوبات رمزية على عدد محدود من المستوطنين (بينهم سموتريتش نفسه)، وهي خطوة مرحّب بها لكنها ضئيلة للغاية، وتعبّر عن نهجٍ متكرر لحكومات بريطانيا المتعاقبة. في الواقع؛ ظلت بريطانيا ولا تزال متواطئة في ضمّ إسرائيل للضفة الغربية، كما تواطأت في تدميرها غير القانوني لغزة.

الدليل الأول على هذا التواطؤ هو موقف لندن المخزي من حكم محكمة العدل الدولية الذي قضى في يوليو 2024 بعدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكد أن المستوطنات نفسها غير قانونية بموجب القانون الدولي. مرّ أكثر من عام على الحكم، ولم تُصدر بريطانيا أي ردّ رسمي حتى الآن.

بل إنها تنتهك الحكم بشكل مباشر؛ إذ تنص قرارات المحكمة على أنه يُحظر على الدول الأعضاء «تقديم أي مساعدة أو دعم» يُمكّن إسرائيل من استمرار احتلالها. ومع ذلك تواصل بريطانيا تجارتها مع المستوطنات ما يساعدها اقتصاديًا على البقاء.

وتجدر الإشارة إلى أن الزراعة تشكّل مصدر الدخل الأساسي للمستوطنين؛ إذ يعتمدون على تصدير الفواكه والخضروات. ويُصدّر نحو 60 في المائة من المنتجات الزراعية الإسرائيلية إلى بريطانيا، وغالبًا ما تُسوّق بملصق «منتج من الضفة الغربية» في خداعٍ متعمّد للمستهلكين يوهمهم بأنها فلسطينية المنشأ.

في المقابل؛ تُستخدم الأسلحة البريطانية المباعة لإسرائيل في قصف غزة وفي عمليات الضفة الغربية أيضًا. فالمملكة المتحدة تصدّر مكونات لطائرات مسيّرة تُجمّع في المصانع الإسرائيلية. ووفقًا لمنظمة أوكسفام؛ فإن هذه الطائرات «تحلّق باستمرار فوق غزة والضفة؛ تُستخدم في المراقبة، وفي تنفيذ هجمات على المدنيين».

لحظة تستوجب الفعل

كما أن بريطانيا تجاهلت بندًا أساسيًا في قرار محكمة العدل الدولية الذي يلزم الدول الأعضاء بضمان امتثال إسرائيل للقانون الدولي في الأراضي المحتلة. لكن لندن -مثل غيرها من الدول الغربية- لم تتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه. هناك الكثير مما يمكن لبريطانيا فعله لو أرادت إرسال رسالة واضحة. كان يمكنها فرض عقوبات حقيقية حتى تلتزم إسرائيل بالقانون الدولي، أو إيقاف تبادل المعلومات الاستخباراتية معها. والأخطر من ذلك أن بريطانيا شريكة في جريمة الفصل العنصري، كما يعرّفها نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وهي «أفعال لا إنسانية تُرتكب في سياق نظامٍ مؤسسي قائم على القمع والهيمنة المنهجية لجماعة عرقية على أخرى». وقد اعترفت أبرز منظمات حقوق الإنسان بما فيها منظمة بتسيلم الإسرائيلية بأن إسرائيل تمارس نظامًا عنصريًا. ومع ذلك؛ ترفض لندن الاعتراف بذلك ما يجعل موقفها شبيهًا بموقفها القديم حين كانت تحمي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

بعد مرور عام على صدور الحكم قال غيرويد أو كوين مدير «شبكة العمل القانوني العالمية»: إن تجاهل بريطانيا له «ليس حيادًا، بل تواطؤًا». وأضاف: «من خلال استمرار بريطانيا في تسليح إسرائيل والتجارة معها، وتوفير الغطاء السياسي لها؛ تسهم لندن في إطالة أمد احتلالٍ غير قانوني أعلن أعلى قضاء في العالم أنه يجب أن ينتهي. هذه لحظة تستوجب الفعل، لا التلكؤ المتعمّد».

خضوع لا سياسة

من الواضح تمامًا سبب هذا الصمت البريطاني؛ فكير ستارمر لا يريد إغضاب نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فضلًا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومن المثير للانتباه أن خطة السلام الأمريكية المكونة من 20 نقطة التي يتباهى بها البيت الأبيض تخلو تمامًا من أي إشارة إلى الضفة الغربية، ولعل ذلك مقصود.

فلكي يحافظ نتنياهو على موقعه؛ يحتاج إلى دعم حزب «الصهيونية الدينية» اليميني المتطرف بزعامة سموتريتش الذي يريد إطلاق يده في الضفة الغربية. اتفاق ترامب - نتنياهو يتيح له ذلك تمامًا، فيما يبدو أن بريطانيا بقيادة ستارمر لا ترغب في إفساد هذا التفاهم المريح.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالمشاهد الدبلوماسية يواصل المستوطنون زرع بؤرٍ جديدة فوق تلال الضفة، كل واحدة منها إعلان وفاةٍ لقرية فلسطينية جديدة عمرها مئات السنين.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الضفة الغربیة

إقرأ أيضاً:

واشنطن بوست تحذر من قمع الحريات في بريطانيا بعد حظر دخول مؤيدين لفلسطين

انتقدت صحيفة "واشنطن بوست" قرار وزارة الداخلية البريطانية إلغاء تأشيرات دخول المعلقين الأمريكيين جينك أويغور وحسن بايكر، مما منعهما من المشاركة في فعاليات ثقافية وسياسية كان من المقرر عقدها في لندن وأكسفورد، بسبب تأييدهما للفلسطينيين.

وفي افتتاحيتها، قالت الصحيفة إن بريطانيا تتجه نحو ترسيخ عادة سيئة تتمثل في منع الزوار من دخول أراضيها إذا لم يعجب الحكومة ما يقولونه، محذرة من أن تحديد أي خطاب باعتباره عنفاً؛ فإنه سيقوض دعائم المجتمع الحر.

وأكدت وزارة الداخلية البريطانية، الاثنين، منع الرجلين من دخول البلاد للتحدث في مؤتمر "ساوث باي ساوث ويست" هذا الأسبوع في لندن، بزعم إدلائهما بتصريحات بغيضة عن اليهود، معتبرة زيارتهما "قد لا تصب في المصلحة العامة"، وفق الصحيفة.


ووفقاً للصحيفة، فإن "قمع حرية التعبير، مهما كان الخطاب بغيضاً، هو أكثر خطورة وأقل فائدة للمصلحة العامة"، واعتبرت كلاً من جينك أويغور وحسن بايكر "مثيري فتن"، وليسوا محرضين مباشرين على العنف.

وأضافت أن منعهم من الدخول لا يزيد الأمر إلا سوءاً. وما لم تصبح المملكة المتحدة مثل كوريا الشمالية، فسيظل بإمكان سكانها رؤيتهم عبر الإنترنت.

وكتبت: "اتهم أويغور، مقدم برنامج حواري سياسي على الإنترنت بعنوان "الأتراك الشباب"، إسرائيل باستخدام اليهود كـ"دروع بشرية". ووصف بيكر، وهو مذيع على منصة تويتش، اليهود الأرثوذكس بأنهم "متخلفون عقلياً"، وزعم أن اغتصاب مقاتلي حماس لنساء إسرائيليات في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان أوهاماً وهلوسات".

وتصف الصحيفة هذه التعليقات بـ"المثيرة للاشمئزاز"، لكن السماح للسياسيين بتحديد الآراء التي تستحق أن تُعرض في جلسة نقاش في مؤتمر خاص سيؤدي حتماً إلى مزيد من التجاوز من قبل السلطات".

تستشهد الصحيفة بأمثلة عديدة على منع الحكومة البريطانية مغنين ومشاهير من دخول البلاد، بسبب تعليقات معادية للسامية؛ "ففي الشهر الماضي، مُنع 11 شخصاً من دخول البلاد للتحدث في تجمع نظمه الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون".

وتستشهد كذلك بقرار حزب العمال تعليق عضوية زعيمه السابق، جيريمي كوربين، بعد رفضه الاعتذار عن تصاعد معاداة السامية الصريحة خلال فترة رئاسته، وترى الصحيفة أنه كان من الأجدر ترك منظمي مهرجان (ساوث باي ساوث ويست) يتحملون تبعات قرارهم بدعوة أويغور وبيكر.


وتوجه الـ"واشنطن بوست" الانتقاد نفسه لإدارة الرئيس الأمريكي، قائلة: "لقد وجّهت إدارة ترامب مسؤولي الهجرة إلى مراجعة منشورات وسائل التواصل الاجتماعي للأجانب المتقدمين للحصول على تأشيرات دخول".

وأضافت: "إذا ما أُفرط في هذه المراقبة، فإنها تُخاطر بجعل الولايات المتحدة أقرب إلى الدولة التي أعلنت استقلالها عنها قبل 250 عاماً"، وذلك في إشارة إلى بريطانيا.

مقالات مشابهة

  • مجلة: بريطانيا تلاحق منتقدي "إسرائيل" وتتجاهل مجرميها
  • ارتفاع هجرة الإسرائيليين من حملة الشهادات العليا منذ 2022
  • مهاجمة منازل بالمنية وصوريف واعتداءات للمستوطنين على مزارعين بالضفة
  • مهاجمة منازل بالمنية واعتداءات للمستوطنين على مزارعين بالضفة
  • استمرار اعتداءاتهم.. المستوطنون يهاجمون منازل المواطنين بقرية المنية
  • واشنطن بوست تحذر من قمع الحريات في بريطانيا بعد حظر دخول مؤيدين لفلسطين
  • وزير الخارجية الأمريكي: ترامب يعارض تغيير الوضع في الضفة الغربية
  • روبيو: الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • الاحتلال يتجه لبناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية