معامل صواريخ في لبنان.. تقريرٌ إسرائيلي جديد يتحدّث
تاريخ النشر: 4th, November 2025 GMT
نشر معهد "ألما" الإسرائيليّ للدراسات الأمنية تقريراً جديداً تحدث فيه عن مسألة إنتاج "حزب الله" للأسلحة بشكلٍ مستقل، مشيراً إلى أن هذا الأمر يمثلُ "عقيدة هجينة في ضوء الحاجة الاستراتيجية".
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" يقول إنه "خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان في تشرين الثاني 2024، هاجم سلاح الجو، بتوجيهٍ من مديرية المخابرات الإسرائيلية، هدفاً محورياً في جنتا بالبقاع - شرق لبنان، وهو الموقع المركزيّ لتصنيع الصواريخ الدقيقة لحزب الله، علماً أن المنطقة ذاتها تعرضت لهجماتٍ إسرائيلية مُتعددة".
وذكر التقرير أنَّ "حزب الله لم يتخلّ عن جهوده في تصنيع الصواريخ على الأراضي اللبنانية"، مشيراً إلى أنه "في 26 أيلول 2025، هاجم الجيش الإسرائيلي موقعاً أيضاً في منطقة جنتا لتصنيع الصواريخ الدقيقة"، وأضاف: "يعد هذا الهجوم واحداً من 4 ضربات على المنطقة منذ دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024".
واستكمل: "بعيداً عن حقيقة أن هذه الضربات تؤكد أن حزب الله لا يزال يحاول إنشاء بنية تحتية لتصنيع الأسلحة محلياً في لبنان، فإن السؤال الأوسع هو ما إذا كان حزب الله يعتمد بشكل أكبر على التصنيع المحلي مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، نتيجة لضربة كبيرة لقدرته على تهريب الأسلحة".
وتابع: "مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، خسر حزب الله جزءاً كبيراً من ممر التهريب من إيران، سواء عبر القوافل البرية من إيران عبر العراق ومن ثم إلى سوريا ولبنان، أو عبر التهريب الجوي عبر المطارات السورية. وفي لبنان نفسه، حظرت الحكومة الجديدة أيضاً على الطائرات الإيرانية الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، الأمر الذي أدى إلى إغلاق طريق إمداد مباشر آخر".
ويقولُ التقرير إن "حزب الله يواصل تهريب الأسلحة عن طريق البر من خلال سوريا، فيما حاول إنشاء طرق إمداد بديلة"، موضحاً أنه "من المرجح أن تكون تلك الخطوط بحرية في المقام الأول وهي خاضعة لجهود المنع الإسرائيلية".
وتابع: "لقد أدى هذا الواقع الجديد إلى تحويل التصنيع المحلي للأسلحة من حاجة تكميلية لقدرات المنظمة إلى ضرورة استراتيجية وجودية لمواصلة بناء القوة، على نحو يذكرنا جزئياً بانتقال حماس في قطاع غزة إلى صناعة محلية لتصنيع الأسلحة بدعم إيراني، بعد أن أصبح التهريب أكثر صعوبة عبر ممر فيلادلفيا، لكنه استمرّ رغم كل ذلك".
وأكمل: "في تقديرنا، يعمل حزب الله على تطوير استراتيجية عسكرية صناعية هجينة تجمع بين مبادئ التصنيع المحلي التي أظهرتها حماس، ولكنها تضيف جهوداً لإنتاج قدرات متطورة ودقيقة عالية المستوى (صواريخ دقيقة، وطائرات من دون طيار متقدمة، وصواريخ مضادة للدبابات)، بدعم من المعرفة التكنولوجية الإيرانية المتقدمة".
وقال: "رغم أن هذه الجهود ليست جديدة، فإننا نعتقد أنه نظراً لوضع حزب الله المعزول إقليمياً، فإنه سوف يلجأ إلى تصنيع الأسلحة محلياً على نطاق لم نشهده من قبل".
واستكمل: "لكي نفهم الإلحاح الاستراتيجي الذي يدفع حزب الله نحو التوسع الصناعي لتصنيع الأسلحة محلياً، يتعين علينا أولاً أن ندرك التغيير الجوهري في خريطته الإقليمية. لقد شكّل انهيار نظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول 2024 ضربة استراتيجية كبرى للمحور الإيراني الشيعي. مع هذا، فقد أدى هذا الحدث بين عشية وضحاها إلى تفكيك أجزاء كبيرة من ممر الإمداد الذي كان بمثابة الشريان الرئيسي لنقل الأسلحة المتطورة والتمويل والعمق الاستراتيجي من إيران إلى حزب الله في لبنان".
وأضاف: "على مدى سنوات، لم توفر سوريا تحت حكم الأسد لحزب الله وإيران طريق عبور آمن نسبياً فحسب، بل وفرت أيضا قاعدة خلفية للعمليات وتخزين الأسلحة المتقدمة والتدريب. كذلك، لقد أدى صعود نظام أحمد الشرع في دمشق، إلى تحويل سوريا من بيئة داعمة إلى منطقة عبور معادية للمحور الشيعي".
وتابع: "حتى سقوط الأسد، كان النشاط العسكري الإسرائيلي المستمر يشكل تحدياً لطرق التهريب، ولكن ليس بطريقة تضرُّ بشكل كبير بتعزيز قوة حزب الله، كما يتضح من حجم ترسانة المنظمة عشية حرب السيوف الحديدية. لقد خسر حزب الله حليفاً وهي الدولة في دمشق والتي كانت تربط خطوط إنتاج الأسلحة، سواء في إيران نفسها أو في سوريا، بمستودعات حزب الله (في سوريا ولبنان)".
يلفت التقرير إلى أنه "في الوقت نفسه، تزايدت الضغوط في الأشهر الأخيرة على نقاط الدخول الرسمية إلى لبنان"، وأضاف: "لقد أصبح مطار رفيق الحريري الدولي والموانئ البحرية هدفاً للرقابة اللبنانية المشددة، وحتى الحكومة اللبنانية، تحت ضغوط داخلية وخارجية، عززت (ولو بشكل محدود) جهودها لمنع التهريب. وإلى هذا، يمكن أن نضيف تصرفات قوات الأمن السورية التابعة للنظام الجديد، والتي تعلن أسبوعياً عن نجاحها في إحباط عمليات التهريب من سوريا إلى لبنان، وخاصة في منطقة القصير (جنوب غرب حمص / منطقة الحدود الشمالية الشرقية للبنان)".
واستكمل: "لقد أدى هذا الضغط المتعدد المجالات إلى جعل كل طرق الإمداد ــ البرية والجوية والبحرية ــ خطيرة وغير متوقعة لنقل أنظمة أسلحة كبيرة وكاملة. إن التقارب بين هذه العوامل ــ الممر البري الذي انهار بشكل كبير (ولكن ليس بشكل كامل)، ودولة عبور معادية جديدة في سوريا تعمل بانتظام على اعتراض جهود التهريب إلى حزب الله، والتعطيل المستمر للطرق البديلة ــ أدى إلى تحويل اعتماد حزب الله على الإمدادات الخارجية من ميزة استراتيجية إلى نقطة ضعف حرجة. وعليه، فإن الاستنتاج الضروري لقيادة المنظمة هو أن مفهومها لبناء القوة في العصر الحالي لم يعد من الممكن أن يعتمد على لوجستيات خارجية هشة".
وتابع: "من هنا تأتي الحاجة الاستراتيجية الواضحة وهي تحويل مركز الثقل من التهريب إلى التصنيع. إن الوضع الجديد يتطلب من حزب الله إعادة المصنع إلى الوطن في لبنان، والفهم أن القدرة على إنتاج الأسلحة محلياً هي الضمانة الأساسية لمستقبله كقوة عسكرية مهمة وكوكيل لإيران".
وقال: "من المهم أن نلاحظ أن هذه العملية كانت تسعى إيران وحزب الله إلى تحقيقها منذ سنوات عديدة، وبعد ذلك شهدنا اتجاهاً متزايداً لنقل الإنتاج من إيران إلى سوريا ومن هناك إلى الأراضي اللبنانية. لكن كما ذكرنا آنفاً، أصبح هذا اليوم ضرورة أساسية وإستراتيجية بالنسبة لحزب الله".
التقرير يرى أن "النموذج الذي طورته حماس في قطاع غزة، يُشكل دراسة حالة فريدة لصناعة عسكرية محلية (ذات قدرات ذاتية الاكتفاء)، والتي تطورت وصقلت في ظل ظروف الحصار الأمني الإسرائيلي، وتقدم دروساً أساسية في المرونة والتكيف"، وتابع: "نجح الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب عز الدين القسام، في الوصول إلى مستوى متقدم من الاستقلال الصناعي، على الرغم من الحصار الأمني المستمر على القطاع".
وأكمل: "كذلك، أنشأت حماس شبكة من الورش والمصانع المحلية، كثير منها تحت الأرض، قادرة على إنتاج مجموعة متنوعة من الأسلحة. أيضاً، طوّرت حماس قدرة منهجية لتحويل المواد ذات الاستخدام المزدوج، والتي تبدو مدنية، إلى احتياجات عسكرية".
وأضاف التقرير: "من الأمثلة البارزة على ذلك استخدام أنابيب المياه الفولاذية لإنتاج أجسام الصواريخ، والمركبات الكيميائية البسيطة، مثل السكر ونترات البوتاسيوم (سماد شائع)، المستخدمة في إنشاء وقود الصواريخ الصلب. مع هذا، فقد بُنيت صناعة الأسلحة في غزة بتمويل وتوجيه إيراني، وفي الواقع، بُني برنامج حماس التسليحي على الاقتصاد المدني".
وتابع: "إن أحد المكونات الأساسية للنموذج هو العملية المنهجية لجمع وتفكيك الذخائر الإسرائيلية غير المنفجرة، وهي العملية التي تجري في مناطق القطاع الخاضعة لسيطرة حماس التي تستحوذ حالياً على 47% من أراضي القطاع".
واستكمل: "تشير التقديرات إلى أن ما بين 10% و15% من الذخائر التي يطلقها الجيش الإسرائيلي لا تنفجر، وقد أنشأت حماس فرقاً فنية ماهرة وطوّرتها لتحديد مواقع هذه الذخائر غير المنفجرة وجمعها وتفكيكها بأمان، وبالتالي استخراج متفجرات عسكرية عالية الجودة ومكونات مختلفة".
وقال إن "شبكة الأنفاق الواسعة في غزة، والتي يطلق عليها مترو غزة، لا تعمل فقط كأصل عسكري، بل تعمل أيضاً كقاعدة صناعية متفرقة ومخفية ومرنة"، وتابع: "تضم هذه الأنفاق ورش عمل لإنتاج وتجميع الأسلحة، ومستودعات تخزين آمنة، ومراكز قيادة، وهذا يوضح مبدأ دمج القدرة الصناعية داخل البنية التحتية الجوفية واللامركزية، مما يجعل تدميرها الكامل مهمة صعبة للغاية وطويلة الأمد".
وتابع: "اللامركزية ليست مجرد تكتيك صناعي، بل هي عقيدة متكاملة. وكما هو الحال في عقيدة حماس القيادية اللامركزية، فإن قاعدة إنتاجها لا تتركز في مصنع كبير واحد، بل تتوزع في شبكة من الورش الصغيرة الخفية. وفعلياً، تنبع قدرة النظام على الصمود من حقيقة مفادها أن تدمير ورشة عمل واحدة لا يؤدي إلى تحييد القدرة الإنتاجية الإجمالية".
وختم: "رغم أن حزب الله يتربع على قمة السلسلة الغذائية بالوكالة عن إيران، فإنه يستطيع أن ينظر إلى قطاع غزة ويستخلص الدروس ذات الصلة في الجوانب الموصوفة أعلاه في سياق إعادة تأهيل وبناء البنية التحتية الإنتاجية بطريقة تسمح له بالصمود في وجه حملة جوية إسرائيلية مستدامة في المستقبل". المصدر: ترجمة "لبنان 24" مواضيع ذات صلة ماذا تنتظر "حماس" في غزة؟ تقريرٌ إسرائيلي يتحدث عن "جائزة" Lebanon 24 ماذا تنتظر "حماس" في غزة؟ تقريرٌ إسرائيلي يتحدث عن "جائزة"
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: الجیش الإسرائیلی الأسلحة محلیا إلى لبنان فی لبنان حزب الله من إیران فی سوریا فی منطقة ما جدید إلى أن فی غزة
إقرأ أيضاً:
حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني
أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون أول زيارة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب منذ 17 عاما، وهنا يجب أن نشير إلى أن ركيزة السياسة الأمريكية تسند للمصلحة، وهي ركيزة ينبغي للجميع إدراكها تماما، وأحسب أن أكثر من يعيها هم حلفاء أمريكا على امتداد هذه المنطقة، وقد نوه إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عندما قال:"المتغطي بالأمريكان عريان".
فكل ما تبتغيه أمريكا في هذه المنطقة هو مصالحها، تليها بالتبعية مصلحة إسرائيل، ومن يظن خلاف ذلك فهو مخطئ تماما. فالمسألة هنا لا تقف عند حدود الشعار، ولا تنطلق من أبعاد أيديولوجية أو قومية معينة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالقراءات التاريخية لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة.
حقيقة الموقف الأمريكي من السيادة اللبنانية
القول إن لقاء الرئيسين اللبناني والأمريكي يثبت ثقة واشنطن بسيادة لبنان ومساعدتها له، يجافيه الواقع؛ فواشنطن لا تثق بأحد، بل تبتغي حلفاء كالموظفين لتنفيذ إملاءاتها. وما تضخيم تصريح ترمب بأن الرئيس اللبناني: "عرف كيف يخاطبني وسأعطيه ما يشاء" إلا ادعاء باطل؛ فلو صدق، لطالب بانسحاب إسرائيل، ولما اكتفى بكلمة "لنرى" ردا على اعتداءاتها على الجيش اللبناني، متجاهلا بيانات الإدانة الرسمية.
هذا يبرهن وضوح السياسة الأمريكية؛ فالمراهن على كسب ثقتها واهم، ولو أتاها زاحفا. وتاريخهم شاهد على ذلك؛ بدءا من تصريحات "أورتاغوس" الشاكرة لإسرائيل لقتلها اللبنانيين، مرورا باعتبار "توم براك" لبنان دولة فاشلة ينبغي ضمها لسوريا، وصولا لوصف "شولتس" لبيروت بـ"مدينة الطاعون" إبان الاجتياح. تلك حقائق تؤكد استمرارية النهج الأمريكي في لبنان منذ عقود.
عقبات السيادة والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة
هل يثبت هذا اللقاء ثقة واشنطن بقدرة الدولة اللبنانية؟ الواقع أن سيادة لبنان صودرت بالاحتلال الإسرائيلي ووصايات متعددة حظيت بغطاء أمريكي تاريخي، لتغدو الوصاية الأمريكية اليوم هي الحاكمة. فإن أرادت أمريكا حقا استعادة هذه السيادة، فليكن بوقف العدوان فعليا، لا بوقف مزيف لإطلاق النار؛ فمنذ 27 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته، مرتكبا جرائم واغتيالات طالت المدنيين والمقاومين، وسط صمت مطبق من واشنطن وباريس رغم صفتهما كضامنين.
إعلانواليوم، يتكرر المشهد ذاته مع "اتفاق الإطار" -الذي تحفظت عليه المقاومة وقوى لبنانية- إذ تواصل إسرائيل غاراتها جنوبا، مختلقة ذرائع واهية كقضية "تلة علي الطاهر" لتبرير انتهاكاتها المستمرة للاتفاق.
في الواقع، لم يثمر لقاء الرئيس اللبناني بترمب عن أي مكسب حقيقي، وما تصريحات الأخير سوى وعود جوفاء لا رصيد لها من الواقع.
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة
السيادة تتجاوز مطار بيروت
هل يجسد استئناف الرحلات المباشرة اعترافا أمريكيا بكفاءة الأمن اللبناني؟ الحقيقة أن واشنطن هي المهيمنة الفعلية على المطار والمرافق الحدودية. وما يشاع عن سيطرة "حزب الله" تفنده الوقائع؛ فتفتيش حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين (كـ"لاريجاني")، خلافا للأعراف الدولية، يدحض هذه المزاعم تماما.
إن تشديد الإجراءات الأمنية في مطار بيروت لتبلغ مستويات قياسية عالميا، لا يعكس حضورا للسيادة الوطنية، بل يبرهن على خضوع المطار والمرفأ لوصاية أمنية أمريكية باتت مكشوفة للعيان.
وعليه، فإن السيادة لا تختزل في إدارة المرافق، بل تتحقق فعليا عبر دحر الاحتلال المتمثل في انسحاب العدو الإسرائيلي ووقف عدوانه بالكامل. وكذلك استقلالية القرار المتجسدة في حرية الدولة في قراراتها بمساندة دولية مجردة من الإملاءات.
ومن ينشد السيادة، الأجدر به ألا يقترف هذا الخطأ البروتوكولي، كأن يسعى رئيس الدولة لزيارة وزير خارجية البلد المضيف في مقره، بدلا من أن يقصده الوزير، وهو تجاوز تجاهله الرئيس اللبناني تماما في زيارته الأخيرة.
دور المقاومة وعقيدة الجيش اللبناني
هل يسقط انتشار الجيش مبرر المقاومة؟ إن وجود المقاومة مرهون بالاحتلال والعدوان، وبزوالهما تنتفي الحاجة إليها؛ إذ نشأت كبديل لجيش حالت الانقسامات اللبنانية دون قيامه بواجب الحماية.
تاريخيا، روج اليمين لمقولة "قوة لبنان في ضعفه" لعزله عن محيطه العربي والقضية الفلسطينية. لكن الوقائع دحضتها؛ فإسرائيل لم تحيد لبنان يوما. ورغم نأيه الرسمي عن الحروب العربية، اجتيح لبنان عام 1978، وتعرض لاعتداءات ومجازر سافرة منذ عام 1948 (مرورا بأعوام 68 و69 و73)، أي قبل توقيع "اتفاق القاهرة" ووجود المقاومة الفلسطينية، مما يؤكد أن الجيش لم يتول الدفاع عن البلاد قط.
أما اليوم، فلا يراد للجيش أن يواجه العدو، بل يسعى للعبث بعقيدته القتالية وإخضاعه لوصاية أمريكية-إسرائيلية مبطنة عبر "اتفاق الإطار" و"المناطق التجريبية". ولأن الجيش اللبناني يرفض هذه التبعية، تتعرض قيادته وقائده لحملات استهداف ممنهجة.
موقف حزب الله وتطلعاته
وفي نقاش مع أحد قياديي حزب الله حول ما يسمى بـ"المناطق التجريبية"، استنكر الأمر متسائلا: "كيف تخضع قرية محررة لتجارب يمليها الإسرائيلي؟ وهل هذا هو الدور المراد للجيش؟". ورغم ذلك، يثق الحزب بالجيش اللبناني، ويرى أن رؤيته أوعى بكثير من السلطة السياسية؛ فالمقاومة والجيش نسيج وطني واحد، وتجمعهما رابطة الأخوة والدم.
إعلانيتبنى حزب الله حاليا إستراتيجية الترقب الحذر لمجريات الأحداث خطوة بخطوة، متجنبا الخوض في السجالات أو إطلاق المواقف الاستباقية. وهو يكتفي بثوابته المعلنة: الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع العدو، واعتبار "اتفاق الإطار" انحيازا جليا لإسرائيل. ويوقن الحزب تماما أن العدو الإسرائيلي -كما عودنا تاريخيا- سينكث بأي اتفاق، حتى وإن كان يحقق مصالحه.
تريدوننا بلا سلاح؟
لا ينتفي مبرر وجود المقاومة بمجرد انتشار الجيش، بل هو مرهون بانسحاب إسرائيلي شامل، ووقف قاطع للعدوان مع ضمانات أكيدة بعدم تكراره؛ فلبنان لا يزال تحت تهديد إسرائيلي مستمر.
لذا، يعد تسليم السلاح استنادا لوعود باتفاق مرتقب مجازفة خطيرة؛ إذ يجب أن يخضع هذا الملف لتوافقات وطنية خالصة لا لإملاءات خارجية. وهذا الموقف راسخ لدى حزب الله، ولن يزحزحه اشتداد الضغوط أو الحصار.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار
حزب الله والسلم الأهلي
سلاح المقاومة كما يؤكد حزب الله، وسيلة لغاية وليس غاية مقدسة بذاتها؛ لذا لا يمانع الحزب إقرار "إستراتيجية دفاع وطني" توافقية، تخضع بالكامل لإمرة الدولة اللبنانية سياسيا وعسكريا.
أما اختزال استعادة السيادة بانتشار الجيش وحده، واعتبار السلاح منتقصا لها، فمقاربة تجافي الواقع اللبناني. ورغم الانفتاح على مناقشة ملف السلاح ضمن حوار داخلي بحت فإن نزعه كشرط إسرائيلي للانسحاب دونه استحالة قاطعة.
إن الزعم بضعف المقاومة وتسهيل الانقضاض عليها واهم؛ فهي ليست عدوا داخليا، بل محررة الأرض وصانعة الانتصار بدماء أبنائها. لذا، من المعيب التفكير بالاستعانة بالخارج أو بالجيش لضربها. فالمقاومة ليست مجرد فصيل يستأصل، بل هي شعب راسخ وفكرة عصية على الاقتلاع.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار؛ إذ إن الكلمة الفصل تعود لأصحاب الأرض والدم والتضحيات، ولا تصادر إرادتهم بجرة قلم سياسي.
كما تكتنف "اتفاق الإطار" شبهات دستورية وقانونية تجعله فاقدا للشرعية ومحط جدل مستمر، رغم توقيعه ديبلوماسيا ونفي إبرامه نهائيا. وعليه، فإن اندفاع الرئيس لإرساء سلام مع العدو مرفوض ولن يمر، ولن تسعفه أي أكثرية نيابية هشة في تشريع ملف سيادي بهذه الخطورة.
مستقبل المقاومة
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة، مستندة إلى عقلها الإستراتيجي وتماسها الجغرافي المباشر مع الكيان الإسرائيلي في بلد صغير كلبنان.
وعليه، فإن الزعم بضعفها الوجودي يجافي المنطق والتاريخ، والمستقبل كفيل بإثبات تعاظم قوتها. وفي هذه الأثناء، تترقب المقاومة المشهد الإقليمي بيقين تام بأن ثبات إيران سيكسر المشروع الأمريكي ويجبر واشنطن على التفاوض، لتطرح طهران حينها "البند اللبناني": الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline