عربي21:
2026-06-03@02:45:49 GMT

لماذا لا يثق العوا بتجربة الشرع في حكم سوريا؟!

تاريخ النشر: 20th, November 2025 GMT

المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا، من الشخصيات التي تثير الإبهار والجدل معا عند حديثه، سواء كان حديثا شفيها أم كتابة، فالرجل لا يتحدث إلا إن كان لديه جديد، وجديده سواء كان متعلقا بالفكر الإسلامي، أو الواقع السياسي، هو مثار جدل وإعجاب، وفي معظم ما يصدر عنه يكون عن تأمل ودرس، ولا يخلو طرحه من النقد المباح، الذي هو موضع ترحيب لديه، ولدى كل عاقل وصاحب طرح فكري حقيقي.



وقد أثار البودكاست الذي أجرته معه الدكتورة رباب المهدي، في حوار امتد لما يقرب من ساعة ونصف، طوفت به في عدة ميادين، ربما ظن البعض أن بعضها يتعلق بقضايا تراثية، لكن العوا بطرحه الذي دائما يستلهم الأصالة من التراث، لينزل بها على واقعنا، مع عدم إغفال تفسير ما كان مرتبطا بمرحلة زمنية، وما هو دائم ثابت يصلح لكل زمان ومكان.

يمتلك العوا رصيدا ليس قليلا، من معرفته بالفرق والجماعات الإسلامية، ومن يقرأ كتابه: المدارس الفكرية الإسلامية، يعي جيدا مدى إلمام العوا بعالمي الأفكار والمشاريع، وبميزان الفقيه السياسي، أنصف كل هذه المدارس، وبين ما أضافوه للفكر الإسلامي، وما يستفاد منهم فيه، وبين ما عليهم من أخطاء يجب علينا تجنبهاوقد نالته سهام عديدة لأجل جملة قالها عن عبد الفتاح السيسي، جاءت في سياق معين، وبهدف محدد، وقد كانت معظم هذه السهام من الرافضين لحكم السيسي، والرافضين لمظالمه، وهو أمر متفهم ومقدر، وإن تجاوز البعض خلقا وشرعا، ولم يكن من رفضوا كلامه من الإخوان المسلمين فقط، بل من شريحة كبيرة من هذا التيار الرافض للسيسي وحكمه وممارساته.

لكن هناك جملة أو فقرة، لم ينتبه إليها وينقد العوا فيها، سوى من شاهد البودكاست كاملا، إذ إن الرافضين لجملته عن السيسي اكتفوا بالفيديو التشويقي للحلقة وهو لا يتجاوز بضع دقائق، الجملة تتعلق برأي العوا في حكم الرئيس السوري أحمد الشرع، وتجربته في الحكم، فكان مما قاله العوا: أنا لا أثق في حكم شخص تلوثت يده بدماء بني وطنه. في إشارة للتوجه الذي كان يتنباه الشرع قبل حكم سوريا، وتخوفه فيما هو قادم.

هذا الكلام المقتضب، أثار بعض المؤمنين بمشروع الشرع لحكم سوريا، وغضوا الطرف عن الأسباب والدوافع التي تجعل العوا وغيره من أهل الفكر يبدون نفس التخوفات والتوجسات، مما قد تؤول إليه تجربة الشرع في سوريا.

هناك عوامل لا يمكن أن تدفع بالعوا سوى لهذا التوجس، وليس العوا فقط، بل إن كثيرا ممن طال تأمله وتبصره بالتاريخ البعيد والقريب لتجارب الحكم، تجعله ينظر بريبة شديدة للشرع وتوجهاته، نعم القلوب كلها تتمنى له التوفيق والنجاح، وتتمنى لسوريا وأهلها كل خير، فالسوريون ذاقوا ويلات الاستبداد والظلم، ومورس عليهم جل أنواع الاستبداد، ولا نكاد نرى شعبا يأتي في الترتيب بين شعوب العرب والمسلمين في المعاناة بعد أهل فلسطين، كأهل سوريا.

لكن هل تمني الخير لسوريا، يكون بالأماني والدعوات الصالحات فقط؟! يصعب على شخصية المفكر والفقيه أن يكون أداة من أدوات التخدير للناس، وهذا ما أبداه العوا، وليس العوا وحده من يتخوف من تجربة الشرع، بل هناك إسلاميون أيضا يختلفون اختلافا جذريا مع العوا وفكره، وقد كانوا أقرب للشرع من العوا، لكنهم بدأوا في بث مخاوفهم، وهناك جهاديون سابقون، ورفقاء سلاح مع الشرع، جل هؤلاء يبدون تخوفاتهم، سواء عن طريق معرفتهم الشخصية بالشرع، أو بتوجهه، لكن الناقمين صبوا جام غضبهم على العوا وحده!

يمتلك العوا رصيدا ليس قليلا، من معرفته بالفرق والجماعات الإسلامية، ومن يقرأ كتابه: المدارس الفكرية الإسلامية، يعي جيدا مدى إلمام العوا بعالمي الأفكار والمشاريع، وبميزان الفقيه السياسي، أنصف كل هذه المدارس، وبين ما أضافوه للفكر الإسلامي، وما يستفاد منهم فيه، وبين ما عليهم من أخطاء يجب علينا تجنبها، ولإنصافه أطلق عليهم: المدارس، ولم يطلق مصطلح: الفرق، لما يوحي الأخير بالنظرة السلبية، وفي خاتمة كتابه كتب فصلا مستقلا عن ما نستفيده من هذه المدارس، وتمنيت عليه أن يخرج هذا الفصل وحده مستقلا، مع شيء من التفصيل لأهميته.

تجربة العوا وجيله من المفكرين مع حملة السلاح، سواء من إسلاميين أو عسكر، ليست مريحة، ولم يجنوا منها سوى المر والعلقم، ولا زلت أذكر جملة قالها العوا في جمعية مصر للحوار في إحدى محاضراته، كان يتكلم عن العسكر، أنه لو قلنا لعسكري متدين: لو سمحت سنترك لك هذه الجمعية تحرسها ليوم، ثم جئنا لنطالبه بردها، لن يردها، وسيحتمي بالسلاح الذي أعطيناه له. مشيرا بذلك إلى أن منطق القوة المسلحة يفرض واقعا مختلفا عما تتصوره أنت. وما قاله العوا قاله شيخنا القرضاوي، حين قال ذات مرة لجمع من الإخوان: أنا لا أثق في عسكري يحكم، ولو كان من الإخوان المسلمين!

مخاوف العوا من تجربة الشرع، تأتي لما مضى من أسباب، ولأسباب أخرى من واقع التجربة السورية حاليا، منها: غياب المجتمع والمؤسسات، فجل الإجراءات التي قام بها الشرع لا وجود للمجتمع فيها، ولا للمؤسسات المدنية والسياسية، بل يريد صنعها على طريقته، وعلى عينه هو، وبشروطه، وما يجبر عليه بحكم الواقع، يفرغه من مضمونه، أو يضم له شخصيات يطرحها هو، ومن يتأمل نموذج مجلس الإفتاء الذي شكله، يجد ذلك بوضوح، فكثير من الذين عينهم، لا علاقة لهم بالفتوى، أو الإفتاء، بل هم إلى الوعظ أقرب.

الفردية ملمح واضح وبارز في سلوك الشرع، وهو سلوك يخيف أي صاحب فكر، أو تجربة فقهية سياسية كالعوا. والعامل الأخطر: هو البراجماتية الواضحة والفجة في سلوك الحكم السوري حتى الآن، فمن يتأمل مواقفه فيما يتعلق بالتطبيع، والعلاقة مع الغرب، وفي جل تصرفاتهم لا يبرز سوى المصلحة ولو على حساب مبادئ وقيم كانت الجماهير السورية والثورية تنال ممن يقترف بعضا منها ولو مضطرا.فالفردية ملمح واضح وبارز في سلوك الشرع، وهو سلوك يخيف أي صاحب فكر، أو تجربة فقهية سياسية كالعوا. والعامل الأخطر: هو البراجماتية الواضحة والفجة في سلوك الحكم السوري حتى الآن، فمن يتأمل مواقفه فيما يتعلق بالتطبيع، والعلاقة مع الغرب، وفي جل تصرفاتهم لا يبرز سوى المصلحة ولو على حساب مبادئ وقيم كانت الجماهير السورية والثورية تنال ممن يقترف بعضا منها ولو مضطرا.

والعامل الأخير المخيف، له علاقة بالجملة الأخيرة، وهي الجماهير السورية، والتي لا يبرز منها سوى المتعصبين للشرع، والرافضين لأي توجه نقدي، والذين أصبحوا لا يقبلون أي جملة تنتقد سلوكا للشرع، تبرز فيه البراجماتية بشكل فج، وباتوا يقبلون ويرحبون بكل ما كانوا يرفضون بعضه من غيرهم، بل يكيلون الاتهامات لمن ينتقد، بأنه كاره لتجربتهم، وتعيير الناقدين، بمرارات الاستبداد التي يعانون منها في بلدانهم، بداعي أنهم فشلوا في إدارة ثورتهم وتجربتهم، ويريدون بذلك إفشال تجربتهم السورية!!

أستطيع أن أتفهم موقف كثيرين من الجماهير السورية، فما تعرضوا له ليس قليلا، وهم لا يملكون من أمرهم حيلة ولا يهتدون سبيلا، فماذا سيفعلون لو كانوا رافضين لسلوك يمارسه الشرع ورفاقه؟ لا شيء، والبديل لديهم ماذا؟ أيضا لا بدائل، وهو ما يجعلنا نعذر بعض العذر، لكن نلوم كل اللوم على التسليم المطلق بذلك، فعواقب ذلك لن تكون على المدى البعيد حميدة، ما لم يدرك المجتمع السوري أن قوته وقوة مؤسساته هي حماية للحكم، وضمانة للشرع في حكمه عن الانجراف نحو الاستبداد، ولو أن الشرع عمل على ذلك، لكان خيرا له، فهذا المجتمع والمؤسسات القوية، هي ظهير وسند كبير له، في كل التحديات التي تواجهه، سواء داخليا أو خارجيا.

[email protected]

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء العوا حكم سوريا مخاوف سوريا حكم سياسة مخاوف العوا قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات صحافة رياضة سياسة مقالات سياسة اقتصاد صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الجماهیر السوریة تجربة الشرع وبین ما فی سلوک فی حکم

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • ما حكم البيع بالتقسيط؟.. تعرف على رأي الشرع وشروط جوازه
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • عضو خطة النواب : مخصصات بند التغذية المدرسية عبء كبير على موازنة التعليم
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • تعميم صورة سيّدة مجهولة الهويّة عُثر عليها على مقربة من الحدود اللبنانية – السورية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • مد فترة التقديم في المدارس المصرية اليابانية الجديدة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • اتصال هاتفي بين الشرع وترامب.. ودمشق تطالب برفع العقوبات