فيلم مكفاي الشعبوية والتطرف اليميني من خلال يوميات شخصية معزولة انطوائية
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
طاهر علوان -
إذا نظرنا الى تاريخ السينما وطيلة عقود مضت، لوجدنا أن أحداثا تاريخية ومواقف وسيرة شخصيات كانت وما تزال من الموضوعات التي طالما تم تقديمها من خلال العديد من الأفلام لاسيما تلك التي لامست المجتمع أو أثرت فيه أو تركت أثرها في الذاكرة الجمعية، وذلك ما يفتح أفقا واسعا لأشكال شتى من الأساليب والمعالجات السينمائية التي تتباين بتباين أساليب المخرجين وكتاب السيناريو.
ولعل السينما الأمريكية التي هي الأكثر غزارة انتاجيا والأكثر سعة وانتشارا هي من يبحث عن موضوعات كهذه ومن ذلك القصص التي تلامس الحياة الأمريكية بما في ذلك الاحداث والمواقف التي اثرت في المجتمع وشغلت الرأي العام وكانت هنالك ردود أفعال باتجاهها.
من هنا يمكننا النظر لهذا الفيلم للمخرج مايك أوت الذي هو نفسه كاتب السيناريو الى جانب الكسندر كيولاكيس، وحيث قدما قصة سينمائية بمعالجة ملفتة للنظر لحدث هز الولايات المتحدة في العام 1995 وتمثل في قيام مواطن امريكي يدعي تيموثي مكفاي بتفجير خطير اودى بحياة العشرات في ولاية اوكلاهوما، ذلك الحدث الذي صنف عملا إرهابيا وبقي يحفر عميقا في الذاكرة الأمريكية وتم تجسيده من خلال العديد من الأفلام الوثائقية وها نحن مع قصة تيموثي مكفاي من خلال فيلم روائي أدى فيه شخصية مكفاي الذي جسد شخصيته الممثل الشاب المبدع الفي الين.
عمد المخرج الى معالجة جديدة بالتأمل والاهتمام وربما تكون معالجة مختلفة واستثنائية عما اعتدنا عليه من أفلام تقتفي أثر شخصيات كهذه فتظهرها من خلال عمل بيبليوغرافي، ترافقها في حياتها اليومية وأفكارها وتصريحاتها العدوانية اما هنا فنحن امام ذلك الشخص الذي أطلق عليه الإرهابي وما هو الا إرهابي صامت متجهم أو هو قليل الكلام وعليك أن تحلل وترصد تحركاته وتعبيرات وجهه وبمن يتصل، انه غارق في تجسيد شخصية ما في داخله وفي عمق وعيها من نزعة عدوانية لا يكاد يبدو جليا او واضحا خلال تواصل مكفاي مع الاخرين.
ها نحن نشاهده في المشاهد الأولى وهو يقود سيارة من موديل قديم ليلاحقه ضابط شرطة السير وينبهه الى انه قد تجاوز السرعة المقررة وهكذا سوف نمضي معه في أماكن معزولة تعبر عن الشخصية وعن ميولها الإنعزالية الإنطوائية، وفي هذا السياق لم يستخدم المخرج الحوار أداة للكشف عن شخصية عدوانية أو إجرامية لكن ما يعتمل في داخله قد يجد انعكاسا ا له من خلال المحطات التلفزيونية والاذاعية التي تقدم برامج تمجد اليمين المتطرف وهو يصغي لهذه البرامج بشكل متقطع وهو يبدو خلال ذلك كمن هو مستوعب لتك الاطروحات التي يغذيها مرة أخرى بواسطة الزيارات المتكررة في السجن لشخص كأنه ذا صلة قرابة منه او بمثابة والده بسبب الفارق في السن وهو في خلال ذلك لا يحاوره في كثير من التفاصيل بل يكتفي بنتف من الكلمات تغذي في داخلة النظرة الى المجتمع والآخر.
وإذا أردنا المضي في هذا التحليل المنطقي الذي يشتغل على إشكالية السرد الفيلمي الذي تتكشف من خلاله الشخصية من خلال زاوية محددة وهي علاقته بالآخر، وتلك هي النقطة المحورية التي أوجدها المخرج وكاتب السيناريو في رسم ملامح شخصية مكفاي إذ أن هنالك أربعة شخصيات رئيسية هي التي يحاورها ويتفاعل معها وأولها ذلك السجين والثاني هي الفتاة سندي – تقوم بالدور الممثلة آشلي بينسون، والثالث هو صديقه اليميني المتطرف ريتشارد – يوم بالدور الممثل تراسي ليتس والثالث هو فريديرك- يقوم بالدور الممثل انطوني كاريغان.
واذا كنا قد اشرنا الى صديقه السجين فإن الشخصيات الثلاث الأخرى لن تتعدى في مساحة علاقتها مع مكفاي ذلك الحوار الصامت والكلمات المجتزأة وحتى لو كان أولئك الأشخاص ايجابيون ويسعون الى صداقته الا انه ينظر الى ما هو ابعد من حدود تلك الصداقة، الى منطقة قاحلة ومحزنة لا مكان فيها للعاطفة والبقاء فيها لأصداء أصوات يعبر هو من خلالها عن رفضه للواقع الذي يعيشه ولهذا تجده في كل أسبوع يشارك في سوق شعبي وتحت غطاء بيع الكتب المستعملة فإنه يبيع ملصقات يمينية متطرفة كما انه يذكر مواطنيه حول الجدل المعتاد والمتكرر الذي طالما شغل المجتمع الأمريكي وهو الذي يتعلق بتملك واستخدام السلاح.
اما في نطاق المساحة العاطفية مع سندي فها هو يمضي معها بعض الوقت لتعلم مهارات الرمي وهو لا يشغل نفسه بتعليمها بل يريد هو لنفسه ان يعزز مهاراته وحتى بعد ان تتوثق علاقتهما فإنه سرعان ما يتمرد عليها ويتخلى عنها لسبب بسيط هو انها دخلت عن طريق الخطأ إحدى غرف المنزل التي لا يجب عليها أن تدخلها.
لقد حضي الفيلم بقراءات نقدية متعددة ولنا ان نتوقف هنا عند ما كتبته الناقدة روس مكلندوي في موقع سلانت اذ تقول"
يقدّم هذا الفيلم ما يمكن أن أسميه تصويرا غير استغلالي أو مثير للعواطف لشخصية تيموثي ماكفاي، مُنفِّذ تفجير أوكلاهوما، بقدر ما يُمكن تخيُّله - لدرجة أن الفيلم، يدخلنا مباشرة في البيئة الكئيبة والمُوحشة منذ البداية، ثم يغمر ماكفاي بنوع من الشعور بالغربة والعداء الشديد وخلال ذلك فإنه يبدو حزينًا ومعزولًا، يكتنف الغموض شخصيته. في محادثاته مع سنيل، ثمة تلميحات إلى "الوطنيين" و"شجرة الحرية"، لكن الرجلين لا يُفصّلان أحداث الماضي أو خططهما المستقبلية. وينطبق الأمر نفسه على محادثاته مع فريدريك، ثمة جانبٌ شريرٌ في تفاعلاتهما، لكنك لا تستطيع تحديد ماهيته - على الأقل حتى يزور تيموثي مُجمّع فريدريك ويصادف وجود وشم الصليب المعقوف.
والحاصل أن الصمت هو أسلوب ماكفاي في العمل. إنه فيلمٌ عن أمورٍ لم تُقال، لدرجة أننا لا نستطيع حتى تحديد متى اتخذ تيموثي قراره بتنفيذ هجومٍ سيُعرف لاحقًا بأنه أعنف عملٍ إرهابيٍّ محليٍّ في التاريخ الأمريكي. يتقدم الفيلم ببطء نحو نهايته الحزينة، تمامًا كما حدث مع سيارة تيموثي في المشهد الافتتاحي".
اما الناقد جيسون كوبر فيكتب عن الفيلم في موقع كوليدور قائلا " كان ماكفاي مرتكب تلك المذبحة التي يفترض أنها دقّت ناقوس الخطر بشأن تصاعد موجة التطرف من طرف شريحة واسعة في البلاد ما انفكت تُواصل نشر الفوضى حتى يومنا هذا، حيث تُغذّي أفكار الكراهية المظلمة ذاتها لكن الغريب أنه بالنسبة للبعض، فإن مكفاي هو بطلٌ مُناهض للحكومة، وبالنسبة للآخرين رجلٌ صغيرٌ حزينٌ يُعاني من أوهام العظمة، بينما بالنسبة لفصيل آخر، هو رجلٌ باهت، بل وأحمق، يُحدّق باستمرار في البعيد، ويُخفي الفراغ الذي في داخله ويخطط لعمل أكثر وحشية لا نراه إلا في ومضاتٍ في نهاية الفيلم.
إنها دوافع العنصرية السامة، والأيديولوجية الفاشية، والتطرف اليميني المتشدد المناهض للحكومة، وكلها غذت ذلك الخطر الإرهابي المحلي لكي يمضي في تنفيذ خطته".
لا يقدم لنا الفيلم في المحصلة النهائية أي نوع من الإضاءة الأيديولوجية التي قد تفضي الى الكشف عن دوافع محددة وواضحة تحرك شخصا مثل مكفاي، ان ذلك لا يتحقق وسف نمضي الى النهاية في ذلك السلوك الصامت الذي يطرح علامات استفهام حول الدوافع والأهداف أكثر مما يجيب علبها.
...
إخراج/ مايك أوت
سيناريو/ مايك أوت والكسندر كيولاكيس
تمثيل/ آلفي الين في دور مكفاي، تراسي ليتس في دور ريتشارد، آشلي بينسون في دور سيندي، انطوني كاريغان في دورفريدريك
مدير التصوير/ دانييل فينال
موسيقى/ آدم ويس
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: تیموثی م من خلال
إقرأ أيضاً:
هاني رمزي: لم أتخلص من شخصية أبو العربي بسهولة
أكد الفنان هاني رمزي انه لم يسطيع ان يتخلص من شخصية أبو العربي بعد انتهاء التصوير بسهولة.
وقال هاني رمزي في ندوة تكريمه بمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الدولي: شخصية أبو العربي استمرت معي بعد التصوير بفترة، في حياتي الخاصة، فقد كنت اتحدث بطريقته ، حتي انني في بعض مشاهد مسلسل"مبروك جالك قلق" ، كنت اميل الي شخصية ابو العربي ، ولكني كنت اتوقف واعود الي شخصيتي في العمل.
وحرص عدد كبير من الفنانين علي حضور الندوة ومنهم الهام شاهين وهالة سرحان وهالة صدقي وبوسي شلبي ومروة عبد المنعم وسامح الصريطي وصابرين.
يقام مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي برعاية وزارة الثقافة المصرية برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد هنو، ووزارة السياحة والآثار برئاسة الوزير شريف فتحي، والهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي برئاسة المهندس أحمد يوسف، تأكيدًا على دعم الدولة للفعاليات الثقافية التي تبرز الوجه الحضاري لمصر وتعزز مكانتها على خريطة السياحة العالمية، في إطار تكامل البعدين الثقافي والسياحي لخدمة أهداف التنمية الشاملة.
كما يحظى المهرجان بدعم كامل من محافظة جنوب سيناء بقيادة اللواء الدكتور خالد مبارك، في إطار التعاون بين المؤسسات الوطنية لتحقيق التنمية الثقافية والسياحية المتكاملة، وبرعاية ذهبية للبنك الاهلي المصري، وشركة عين للإنتاج الفني ، وبلدية ظفار بسلطنة عمان.
وتتولى إدارة الدورة العاشرة الدكتورة إنجي البستاوي، وتحمل الدورة اسم الفنانة الكبيرة إلهام شاهين تكريمًا لمسيرتها الفنية الثرية ودعمها المستمر لقضايا المسرح والفنون، فيما يرأس اللجنة العليا للمهرجان المنتج هشام سليمان، وتحمل الرئاسة الشرفية للمهرجان سيدة المسرح العربي الراحلة سميحة أيوب.