طاهر علوان -

إذا نظرنا الى تاريخ السينما وطيلة عقود مضت، لوجدنا أن أحداثا تاريخية ومواقف وسيرة شخصيات كانت وما تزال من الموضوعات التي طالما تم تقديمها من خلال العديد من الأفلام لاسيما تلك التي لامست المجتمع أو أثرت فيه أو تركت أثرها في الذاكرة الجمعية، وذلك ما يفتح أفقا واسعا لأشكال شتى من الأساليب والمعالجات السينمائية التي تتباين بتباين أساليب المخرجين وكتاب السيناريو.

ولعل السينما الأمريكية التي هي الأكثر غزارة انتاجيا والأكثر سعة وانتشارا هي من يبحث عن موضوعات كهذه ومن ذلك القصص التي تلامس الحياة الأمريكية بما في ذلك الاحداث والمواقف التي اثرت في المجتمع وشغلت الرأي العام وكانت هنالك ردود أفعال باتجاهها.

من هنا يمكننا النظر لهذا الفيلم للمخرج مايك أوت الذي هو نفسه كاتب السيناريو الى جانب الكسندر كيولاكيس، وحيث قدما قصة سينمائية بمعالجة ملفتة للنظر لحدث هز الولايات المتحدة في العام 1995 وتمثل في قيام مواطن امريكي يدعي تيموثي مكفاي بتفجير خطير اودى بحياة العشرات في ولاية اوكلاهوما، ذلك الحدث الذي صنف عملا إرهابيا وبقي يحفر عميقا في الذاكرة الأمريكية وتم تجسيده من خلال العديد من الأفلام الوثائقية وها نحن مع قصة تيموثي مكفاي من خلال فيلم روائي أدى فيه شخصية مكفاي الذي جسد شخصيته الممثل الشاب المبدع الفي الين.

عمد المخرج الى معالجة جديدة بالتأمل والاهتمام وربما تكون معالجة مختلفة واستثنائية عما اعتدنا عليه من أفلام تقتفي أثر شخصيات كهذه فتظهرها من خلال عمل بيبليوغرافي، ترافقها في حياتها اليومية وأفكارها وتصريحاتها العدوانية اما هنا فنحن امام ذلك الشخص الذي أطلق عليه الإرهابي وما هو الا إرهابي صامت متجهم أو هو قليل الكلام وعليك أن تحلل وترصد تحركاته وتعبيرات وجهه وبمن يتصل، انه غارق في تجسيد شخصية ما في داخله وفي عمق وعيها من نزعة عدوانية لا يكاد يبدو جليا او واضحا خلال تواصل مكفاي مع الاخرين.

ها نحن نشاهده في المشاهد الأولى وهو يقود سيارة من موديل قديم ليلاحقه ضابط شرطة السير وينبهه الى انه قد تجاوز السرعة المقررة وهكذا سوف نمضي معه في أماكن معزولة تعبر عن الشخصية وعن ميولها الإنعزالية الإنطوائية، وفي هذا السياق لم يستخدم المخرج الحوار أداة للكشف عن شخصية عدوانية أو إجرامية لكن ما يعتمل في داخله قد يجد انعكاسا ا له من خلال المحطات التلفزيونية والاذاعية التي تقدم برامج تمجد اليمين المتطرف وهو يصغي لهذه البرامج بشكل متقطع وهو يبدو خلال ذلك كمن هو مستوعب لتك الاطروحات التي يغذيها مرة أخرى بواسطة الزيارات المتكررة في السجن لشخص كأنه ذا صلة قرابة منه او بمثابة والده بسبب الفارق في السن وهو في خلال ذلك لا يحاوره في كثير من التفاصيل بل يكتفي بنتف من الكلمات تغذي في داخلة النظرة الى المجتمع والآخر.

وإذا أردنا المضي في هذا التحليل المنطقي الذي يشتغل على إشكالية السرد الفيلمي الذي تتكشف من خلاله الشخصية من خلال زاوية محددة وهي علاقته بالآخر، وتلك هي النقطة المحورية التي أوجدها المخرج وكاتب السيناريو في رسم ملامح شخصية مكفاي إذ أن هنالك أربعة شخصيات رئيسية هي التي يحاورها ويتفاعل معها وأولها ذلك السجين والثاني هي الفتاة سندي – تقوم بالدور الممثلة آشلي بينسون، والثالث هو صديقه اليميني المتطرف ريتشارد – يوم بالدور الممثل تراسي ليتس والثالث هو فريديرك- يقوم بالدور الممثل انطوني كاريغان.

واذا كنا قد اشرنا الى صديقه السجين فإن الشخصيات الثلاث الأخرى لن تتعدى في مساحة علاقتها مع مكفاي ذلك الحوار الصامت والكلمات المجتزأة وحتى لو كان أولئك الأشخاص ايجابيون ويسعون الى صداقته الا انه ينظر الى ما هو ابعد من حدود تلك الصداقة، الى منطقة قاحلة ومحزنة لا مكان فيها للعاطفة والبقاء فيها لأصداء أصوات يعبر هو من خلالها عن رفضه للواقع الذي يعيشه ولهذا تجده في كل أسبوع يشارك في سوق شعبي وتحت غطاء بيع الكتب المستعملة فإنه يبيع ملصقات يمينية متطرفة كما انه يذكر مواطنيه حول الجدل المعتاد والمتكرر الذي طالما شغل المجتمع الأمريكي وهو الذي يتعلق بتملك واستخدام السلاح.

اما في نطاق المساحة العاطفية مع سندي فها هو يمضي معها بعض الوقت لتعلم مهارات الرمي وهو لا يشغل نفسه بتعليمها بل يريد هو لنفسه ان يعزز مهاراته وحتى بعد ان تتوثق علاقتهما فإنه سرعان ما يتمرد عليها ويتخلى عنها لسبب بسيط هو انها دخلت عن طريق الخطأ إحدى غرف المنزل التي لا يجب عليها أن تدخلها.

لقد حضي الفيلم بقراءات نقدية متعددة ولنا ان نتوقف هنا عند ما كتبته الناقدة روس مكلندوي في موقع سلانت اذ تقول"

يقدّم هذا الفيلم ما يمكن أن أسميه تصويرا غير استغلالي أو مثير للعواطف لشخصية تيموثي ماكفاي، مُنفِّذ تفجير أوكلاهوما، بقدر ما يُمكن تخيُّله - لدرجة أن الفيلم، يدخلنا مباشرة في البيئة الكئيبة والمُوحشة منذ البداية، ثم يغمر ماكفاي بنوع من الشعور بالغربة والعداء الشديد وخلال ذلك فإنه يبدو حزينًا ومعزولًا، يكتنف الغموض شخصيته. في محادثاته مع سنيل، ثمة تلميحات إلى "الوطنيين" و"شجرة الحرية"، لكن الرجلين لا يُفصّلان أحداث الماضي أو خططهما المستقبلية. وينطبق الأمر نفسه على محادثاته مع فريدريك، ثمة جانبٌ شريرٌ في تفاعلاتهما، لكنك لا تستطيع تحديد ماهيته - على الأقل حتى يزور تيموثي مُجمّع فريدريك ويصادف وجود وشم الصليب المعقوف.

والحاصل أن الصمت هو أسلوب ماكفاي في العمل. إنه فيلمٌ عن أمورٍ لم تُقال، لدرجة أننا لا نستطيع حتى تحديد متى اتخذ تيموثي قراره بتنفيذ هجومٍ سيُعرف لاحقًا بأنه أعنف عملٍ إرهابيٍّ محليٍّ في التاريخ الأمريكي. يتقدم الفيلم ببطء نحو نهايته الحزينة، تمامًا كما حدث مع سيارة تيموثي في المشهد الافتتاحي".

اما الناقد جيسون كوبر فيكتب عن الفيلم في موقع كوليدور قائلا " كان ماكفاي مرتكب تلك المذبحة التي يفترض أنها دقّت ناقوس الخطر بشأن تصاعد موجة التطرف من طرف شريحة واسعة في البلاد ما انفكت تُواصل نشر الفوضى حتى يومنا هذا، حيث تُغذّي أفكار الكراهية المظلمة ذاتها لكن الغريب أنه بالنسبة للبعض، فإن مكفاي هو بطلٌ مُناهض للحكومة، وبالنسبة للآخرين رجلٌ صغيرٌ حزينٌ يُعاني من أوهام العظمة، بينما بالنسبة لفصيل آخر، هو رجلٌ باهت، بل وأحمق، يُحدّق باستمرار في البعيد، ويُخفي الفراغ الذي في داخله ويخطط لعمل أكثر وحشية لا نراه إلا في ومضاتٍ في نهاية الفيلم.

إنها دوافع العنصرية السامة، والأيديولوجية الفاشية، والتطرف اليميني المتشدد المناهض للحكومة، وكلها غذت ذلك الخطر الإرهابي المحلي لكي يمضي في تنفيذ خطته".

لا يقدم لنا الفيلم في المحصلة النهائية أي نوع من الإضاءة الأيديولوجية التي قد تفضي الى الكشف عن دوافع محددة وواضحة تحرك شخصا مثل مكفاي، ان ذلك لا يتحقق وسف نمضي الى النهاية في ذلك السلوك الصامت الذي يطرح علامات استفهام حول الدوافع والأهداف أكثر مما يجيب علبها.

...

إخراج/ مايك أوت

سيناريو/ مايك أوت والكسندر كيولاكيس

تمثيل/ آلفي الين في دور مكفاي، تراسي ليتس في دور ريتشارد، آشلي بينسون في دور سيندي، انطوني كاريغان في دورفريدريك

مدير التصوير/ دانييل فينال

موسيقى/ آدم ويس

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: تیموثی م من خلال

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • 500 شخصية دولية تدعم وثيقة «الاتحاد من أجل إيطاليا» لتعزيز الديمقراطية والحوار
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟