روح العطاء الأردنية: متطوعو معان نموذج للوطنية والتلاحم
تاريخ النشر: 5th, December 2025 GMT
صراحة نيوز-تعكس ثقافة العمل التطوعي المتجذّرة في المجتمع الأردني إحدى أبرز سماته الراسخة، حيث يحرص الأردنيون على دعم هذا النهج وتعزيز قيم التلاحم والتعاضد التي جُبل عليها أبناء الوطن عبر الأجيال.
ساهمت هذه القيم في بناء نسيج اجتماعي متماسك يسوده التكافل والإيثار، ويتجلّى ذلك في سعيهم المستمر لقضاء حوائج الآخرين ونجدة الملهوفين، ولعل أبرز دليل على ذلك ما قدمته المملكة وقيادتها الهاشمية من جهود إنسانية مؤخراً، عبر إيصال المساعدات إلى قطاع غزة وتأسيس الممر الإغاثي الأردني خلال الحرب.
أكد مسؤولون في محافظة معان، خلال أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أنه بمناسبة اليوم الدولي للمتطوعين الذي يأتي هذا العام تحت شعار «كل إسهام يصنع فارقاً» الذي يصادف 5 من كانون الأول من كل عام، يُحتفل به في الأردن مع العالم أجمع، بهدف تعزيز هذه القيمة الإنسانية العظيمة في المجتمع، وإبراز دور المتطوعين وإسهاماتهم في التنمية الشاملة.
قال محافظ معان خالد الحجاج، إن القيادة الهاشمية تحرص على دعم العمل التطوعي وتعزيز دوره في المجتمع، وهو ما يتجلى في المبادرات الملكية السامية والمشاريع الريادية، وفي مقدمتها جائزة الحسين بن عبدالله الثاني للعمل التطوعي وهيئة شباب كلنا الأردن، والمنصة الوطنية للتطوع ومشاركة الشباب “نحن”، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تدعم المتطوعين وتعزز دورهم في المجتمع.
أضاف أن العمل يجري في محافظة معان، انسجاماً مع الرؤية الملكية السامية، على ترسيخ مفهوم العمل التطوعي باعتباره قيمة إنسانية وحضارية جليلة تجسد الثوابت الوطنية، وتسهم في تعزيز حب الوطن والحسّ بالمسؤولية لدى أفراد المجتمع وتحفيز روح المبادرة لديهم، بما يسهم في استثمار المهارات والخبرات والطاقات الفردية والجماعية، سواء لدى المواطنين أو الموظفين في مختلف المؤسسات والدوائر الحكومية، بما يفعّل دورهم في خدمة مجتمعهم وتطويره.
أشار الحجاج إلى أن التطوع بجميع أشكاله يعدّ من ركائز الرفاه والاستقرار والسعادة في المجتمع، وهو ما يميّز أبناء محافظة معان بما عُرفوا به من عمل الخير والعطاء والتكاتف و”الفزعة” والعمل لأجل خدمة الوطن، مؤكداً استمرار الجهود لدعم العمل التطوعي واستدامته، وتعزيز قيم التطوع والتكافل والتلاحم المجتمعي بين أفراد المجتمع.
وضح مدير أوقاف محافظة معان باسم الخشمان، أن العمل التطوعي مندوبٌ ومرغوبٌ ديني وواجب وطني، والتزام أخلاقي تجاه الإنسانية في كل زمان ومكان، لافتاً إلى أن مفهوم التطوع يحمل مضامين وقيماً أخلاقية رفيعة، ومنهجاً تربوياً تتكامل فيه جهود المتطوعين وتعاونهم مع مختلف فئات المجتمع، بما يعزز قيم البذل والعطاء.
أشار إلى أن للعمل التطوعي أصلاً شرعياً ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، مستشهداً بقوله تعالى: «ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكر عليم»، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبُ الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس»، مضيفًا أن التطوع يشكل روح العمل الإنساني، وأحد العوامل الأساسية في ترسيخ مبادئ الرحمة والتماسك وبناء مجتمع أكثر تضامناً وتعاوناً.
أكد مدير شباب محافظة معان، ممدوح أبو تايه، أن المملكة تولي اهتماماً متزايداً بمنظومة العمل التطوعي، بوصفها وسيلة فعّالة لتعزيز التماسك المجتمعي ودعم مسارات التنمية المستدامة، لدورها في تحفيز مشاركة الأفراد والمؤسسات في المبادرات التطوعية، مما يسهم في تحقيق أهداف التنمية ويعزز الروابط الاجتماعية.
وضح أبو تايه، أن المديرية تعمل على ترسيخ ثقافة العمل التطوعي والإنساني لدى الشباب من خلال تنفيذ برامج ومبادرات وأنشطة تطوعية بشكل دوري في مختلف مناطق المحافظة، إلى جانب إشراكهم في الفعاليات والحملات التي تنفذها الجهات الأخرى، بهدف استثمار طاقاتهم ومواهبهم وترسيخ حب الوطن في نفوسهم.
شدد على أهمية دور المؤسسات الشبابية والمجتمعية في توفير فرص تطوعية تتيح لأبناء المجتمع المساهمة الفاعلة في خدمة وطنهم ومحيطهم.
أشار أبو تايه إلى أن هناك العديد من الشباب والشابات من أبناء معان ممن قدمو نماذج مشرفة في العطاء وتحمل المسؤولية، وأسهموا بصورة مباشرة في تعزيز الجهود التطوعية وإحداث تغيير إيجابي في المجتمع.
قال منسق هيئة شباب كلنا الأردن في محافظة معان، أحمد الجرادين، إن من الضروري تشجيع المجتمع بمختلف شرائحه على العمل التطوعي وتعزيز الوعي لدى الأجيال بأهمية المشاركة في المبادرات التطوعية، مع التأكيد على أن يكون للشباب دور ومساهمة تحمل بُعداً إنسانياً في خدمة الوطن.
وضح أن حب الوطن يُترجم من خلال المشاركة الفاعلة في خدمة المجتمع، وهو ما يمنح الفرد شعورًا بتحقيق ذاته ويعزز في الوقت نفسه الانتماء والولاء.
أوضح أن مشاركة الشباب في الفرص التطوعية التي توفرها الهيئة باتت أكثر حضورًا كلما أتيحت، في ظل تنامي الوعي لدى الشباب بأهمية العمل التطوعي، بما يعكس الإيمان الراسخ لدى شباب وشابات معان بهذه الثقافة.
حثّ الجرادين الشباب على الانخراط في الأعمال التطوعية، وتوجيه الطاقات الشبابية نحو المبادرات التي تعود بالنفع على المجتمع، لما لذلك من أثر إيجابي يعمّ فائدته على الجميع، ويسهم في استثمار أوقات الفراغ بما يعود بالنفع على الفرد، فضلاً عن دوره في تنمية مهارات الشباب وبناء شخصياتهم.
قال أحد المتطوعين في معان، فهد البزايعة، إن العمل التطوعي يعد قيمة مجتمعية راسخة تجسد معاني التكافل والتآخي والتعاون بين أفراد المجتمع، مؤكداً أنه يضيف إلى شخصية المتطوع خبرات واسعة ومعاني عميقة تعزز ثقته بنفسه وشعوره بالانتماء، ويعكس أيضاً ما يحمله من مشاعر البذل والعطاء والرغبة الصادقة في خدمة وطنه ومجتمعه.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن اخبار الاردن العمل التطوعی محافظة معان فی المجتمع فی خدمة إلى أن
إقرأ أيضاً:
نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.
في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.
ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.
داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.
تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.
لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.
فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟
ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.
وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.
ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .
ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.
ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.
القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.
إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.
من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.
أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.