منذ اندلاع الأزمة قبل أربع سنوات في تشرين 2019، يتردّد سؤال لعّله الأهم بالنسبة للغالبية العظمى من اللبنانيين: هل تبخّرت ودائعنا أم ستعود مع حصول انفراج اقتصادي؟

سمع اللبنانيون الكثير من العبارات المتعلّقة بمدّخراتهم، والفاقعة في تناقضها، كقدسيّة الودائع أو شطبها. وقُدّمت مشاريع واقتراحات قوانين إلى المجلس النيابي، كما صدرت أحكامٌ قضائيّة في الداخل والخارج، ألزمت المصارف برد الودائع بالعملة الأجنبية إلى أصحابها، ونشأت جمعيات باسم "الحفاظ على حقوق المودعين" وراحت تتكاثر، لكن فعليّا لا زالت الأموال محتجزة، باستثناء ما أعادته بعض المصارف من دولارات إلى أصحابها، بقوّة السلاح، من خلال عمليات اقتحام فروع مصرفيّة.



منذ بدء الأزمة، تبادلت الأطراف المعنيّة رمي المسؤوليات. ربما آخر ما قاله حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بشأن الودائع، كان أثناء مثوله في أيار الماضي، أمام المحامي العام التمييزي القاضي عماد قبلان، حيث ردّد عبارته الشهيرة "الليرة بخير، والودائع موجودة في المصارف". قد يصحّ التشبيه هنا بعبارة لا تقّل شهرة عائدة لمحمد سعيد الصحّاف وزير الإعلام العراقي، أبّان حكم صدام حسين، حيث راح يكرر مفردات الصمود أمام غزو الأميركيين، حتّى آخر لحظة من ليلة سقوط بغداد "العلوج الأمريكان يروّجون الأكاذيب، بغداد لن تسقط أبدًا".

مع خروج سلامة من الحاكميّة، وتولّي نائبه الأول وسيم منصوري المهمّة، عاد السؤال حول مصير الودائع يُطرح بقوة، معزّزًا بالأمل هذه المرّة، خصوصًا أنّ الأخير أوحى باتباع سياسة مغايرة لسلامة، قائمة على الشفافيّة، وقد نشر بالفعل أرقام الموجودات الخارجية للبنك المركزي ومطلوباته. منصوري تناول مسألة الودائع بتصريحين، الأول في حديث إعلامي على هامش زيارته الرياض قال فيه "أنّ إعادة الأموال للمودعين ليست مستحيلة" والثاني خلال اللقاء الذي عُقد مؤخّرًا في المجلس الاقتصادي الاجتماعي، حيث ربط بين إعادة المدخرات وهيكلة القطاع المصرفي "الدولة لن تستطيع إعادة أموال المودعين قبل هيكلة المصارف".

رحّل منصوري الحلول بما فيها الموقتة، إلى حين صدور تشريعات، لا أحد يعلم متى يحين زمانها. فهل فعلًا مصرف لبنان عاجز عن أيّ حلول في الفترة الفاصلة عن التوصل إلى تسوية سياسية؟

رغم استفحال الأزمة السياسية والنقدية، يطرح خبير المخاطر المصرفيّة الدكتور محمد فحيلي في حديث لـ "لبنان 24" خريطة طريق، دون انتظار الرئاسة والقوانين الإصلاحية، يمكن البدء بتطبيقها على الفور"من شأنها أن تطلق عجلة إعادة الثقة إلى القطاع المصرفي".

مسؤولية مصرف لبنان
لم يُوفّق منصوري في مقاربة مسألة الودائع، ذهب باتجاه التركيز على إعادتها، بينما المطلوب إعادة الثقة بين المودعين والمصارف، يقول فحيلي، مبديًا تحفّظه على استخدام منصوري لبعض المفردات، منها استرداد الودائع "فالمكان الطبيعي للودائع هو في المصارف، وليس في خزائن المنازل، بما يمكّن المواطن من الإدخّار، ويمنح القطاع المصرفي القدرة على القيام بوظيفة ضخّ حياة في الإقتصاد. أمّا تخزين فائض السيولة في الخزنات الحديديّة في المنازل، كما هو الحال اليوم، فيتسبّب بجزء كبير من الإختناق الإقتصادي". 
"نواجه اليوم أزمة سيولة بالدرجة الأولى، وجزء كبير من الحلول هي بمتناول مصرف لبنان، يمكن له أن يباشر بتنفيذها، وليس هناك من حاجة لتشريعات، خصوصًا أنّ منصوري بصفته النائب الأول للحاكم تولّى مهامه ضمن قانون النقد والتسليف، الذي يمنحه صلاحيات كاملة تمامًا كصلاحيات الحاكم، ومن الضروري أن يتصرّف بها "يلفت فحيلي، معتبرًا أنّ منصوري لا يذهب باتجاه الممكن، وينتظر الحلول دفعة واحدة. أمّا إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وفق ما يطرحه منصوري فيتطلب رأسمال من الصعب توافره، ولا يفيد بظل انعدام الثقة، لذا تكمن الخطوة الأولى باطلاق عجلة الثقة بالمصارف قبل الحديث عن أيّ أمر آخر."

تنفيذ التعميم 154 وإخراج المصارف غير الملتزمة من السوق
عما يمكن للمركزي أن يفعله في الوقت الراهن، يرى فحيلي وجوب الإنطلاق من تطبيق التعاميم التي أصدرها سلامة خلال الأزمة، بوجود منصوري وزملائه في المجلس المركزي. أهمها التعميم 154 الصادر في آب 2020 ،لما يتيح تطبيقه من توفر سيولة بمتناول المصارف التجارية. أهم أحكامه الطلب من المصارف الذهاب باتجاه كبار المساهمين، وإعادة ما يقارب الـ 30% من الأموال التي حوّلها هؤلاء للخارج، والطلب من المستوردين ردّ ما يقارب 15الـ % من الأموال المحوّلة للخارج، وهذا يعني أنّ المركزي يملك معطيات مفادها أن هؤلاء نفخوا فاتورة الإستيراد بقصد تهريب الأموال. كما يطلب التعميم من المصارف تكوين سيولة لدى المصارف المراسلة بنسبة 3% من مجمل الودائع بالعملات الأجنبية. من هنا يرى فحيلي وجوب الطلب إلى هيئة الرقابة على المصارف تنفيذ التعاميم، بعد الطلب من المصارف تقييم حجم السيولة لديها، والمصرف الذي لا يمتثل يتم وضع اليد عليه. لكن استغرب كيف أن منصوري لم يتطرق إلى لجنة الرقابة على المصارف، علمًا أن دورها أساسي بتصنيف المصارف بين قادر ومتعثر".

تطبيق التعميم يوفّر سيولة، ويحفّز العمل المصرفي، ويمكّن المصارف من تمويل فاتورة الإستهلاك لدى المودعين، وفق فحيلي "أعتقد أنّه ممر إلزامي ومجدي باتجاه استعادة الثقة، من شأنه أن يطمئن المودع شيئا فشيئًا، ويمكن أن يجعله ينقل أمواله من الخزائن داخل منزله إلى المصارف".

إعادة الإحتياطي إلى المودع
من ضمن صلاحيات مصرف لبنان لجهة تأمين سيولة للودائع هو الإحتياطي الإلزامي، يلفت فحيلي "وإذا إتخذ مصرف لبنان قرارًا بإلغاء التوظيفات الإلزامية البالغة 14% وإعادتها الى المصارف، يجب أن تكون مشروطة بتوافر 14% من كل وديعة بالدولار المحلي لصاحب الوديعة".

جذب المودعين للتعميم 165
بالتوازي يجب أن يشجّع مصرف لبنان على الامتتال لأحكام التعميم 165، ويطمئن الناس ويدفعهم لفتح حسابات، ويدفع المؤسسات التجارية لإعادة توطين رواتب موظفيها "عندما نعطي حياة للمصارف التجارية القادرة على الإستمرار بخدمة الإقتصاد، تستطيع جني أرباح. في هذه الحالة يفرض مصرف لبنان أن يذهب جزء من الأرباح باتجاه الخسارة الناتجة عن توظيفاتهم الإئتمانيّة قبل الـ 2019. وكلما تمكّنت المصارف من إمتصاص الخسارة، كلما زادت حظوظ المودعين بالإطمئنان على مدّخراتهم".

مسؤولية المصارف: تمويل حاجات المودعين وفق الأولويات
مسؤولية الإنهيار المالي تقع على ثلاثية الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وفي الفترة الفاصلة عن وضع خطة للتعافي، وتوزيع الخسائر بين الإطراف الثلاثة "تقع على عاتق المصارف مهمة اللجوء إلى التواصل الإيجابي مع مودعيها وزبائنها" وفق فحيلي، بحيث يعمد كل مصرف على حدى لتصنيف زبائنه، وفق الداتا التي يملكها، بمعنى أنّ حاجة المتقاعد الذي لا يملك مصدر دخل آخر تختلف عن حاجة المودع الذي لديه وظيفة. بعد التصنيف، يعمل المصرف على تمويل حاجة هؤلاء من الإستهلاك والطبابة والدراسة وغيرها، وفق قدراته.

يطول شرح فحيلي عن الأخطاء التي ارتُكبت، وكان بالإمكان تفاديها، منها تسديد القروض على الـ 1500 ليرة، وعدم لجم شهية المصارف في استقطاب الودائع قبل تشرين 2019، وغيرها الكثير من مسؤولية السلطة في الهدر والإنفاق من دون موازنات موزونة. ولأنّ الواقعة حدثت يقول لمنصوري "التشريعات التي تنتظرها تفيد النمو، ولكن الأولوية اليوم للإنقاذ، ثم الانعاش وبعده يأتي النمو، فلنبدأ بالإنقاذ عبر ترميم الثقة بالنظام المصرفي، من خلال تطبيق أحكام التعاميم".
  المصدر: خاص "لبنان 24"

المصدر

المصدر: لبنان ٢٤

كلمات دلالية: القطاع المصرفی مصرف لبنان

إقرأ أيضاً:

علماء يرسمون خريطة الكنز للعناصر الأرضية النادرة حول العالم

توصل فريق دولي، بقيادة علماء من قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج، إلى رسم خريطة عالمية جديدة لمواقع الصخور النارية الغنية بثاني أكسيد الكربون، وهي المصدر الرئيسي للعناصر الأرضية النادرة.

وبحسب بيان جامعة كامبريدج الرسمي، فقد وجد الباحثون أن هذه الصخور النارية النادرة الغنية بالمعادن الأرضية ترتبط ارتباطا وثيقا بتغيرات الغلاف الصخري، وهو الغلاف الخارجي الصلب للكوكب، مما كشف عن صلة لافتة بأقدم وأسمك أجزاء قارات الأرض.

وتقول الدكتورة إيميلي بومان، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج، إن نتائج هذه الدراسة، التي نشرت في دورية "نيتشر غيوساينس"، يمكن استخدامها لتوجيه البحث عن رواسب جديدة من العناصر الأرضية النادرة، حيث بدأ بحثنا في توفير نوع من القدرة التنبؤية لأماكن تكوّن هذه الصخور، وبالتالي رواسب العناصر الأرضية النادرة المرتبطة بها.

ومن جانب آخر، يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يمثل نقطة تحول كبيرة في عمليات التنقيب المستقبلية، إذ يمنح العلماء والشركات أدوات أكثر دقة لتحديد المناطق الواعدة بالثروات المعدنية قبل بدء عمليات الحفر المكلفة.

العناصر الأرضية النادرة (جامعة كامبردج)أهمية العناصر الأرضية النادرة

تعد العناصر الأرضية النادرة من أهم الموارد الإستراتيجية في العصر الحديث، حيث أنها تستخدم في إنتاج العديد من التقنيات اليومية والمتقدمة، بما في ذلك الهواتف الذكية وحلول الطاقة النظيفة مثل توربينات الرياح والمركبات الكهربائية.

ويعتمد جزء كبير من العالم على واردات العناصر الأرضية النادرة من الصين، لكن الدول تشهد حاجة متزايدة للتحول نحو المصادر المحلية التي تتمتع بأمان واستدامة أكبر في الإمداد.

تقول البروفيسورة سالي غيبسون، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج، في تصريحاتها التي تضمنها بيان جامعة كامبريدج: "هناك اهتمام علمي كبير بمعرفة سبب تشكل رواسب العناصر الأرضية النادرة في أماكن تشكلها".

العناصر الأرضية النادرة تمتلك أهمية اقتصادية كبيرة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)البحث في القشرة القارية القديمة

على الرغم من اكتشاف العديد من مناجم العناصر النادرة حول العالم خلال العقود الماضية، ظل العلماء عاجزين عن تفسير السبب الحقيقي وراء تركز هذه الرواسب في مناطق محددة دون غيرها.

إعلان

فعلى مدار سنوات طويلة، ركزت الدراسات الجيولوجية على تحليل مواقع منفردة أو مناجم محددة، دون التوصل إلى نموذج عالمي قادر على تفسير كيفية تشكل هذه الرواسب أو التنبؤ بأماكن وجودها.

في هذا الصدد قالت البروفيسورة غيبسون: "لقد ركزت التحقيقات السابقة في الغالب على تكوين العناصر الأرضية النادرة في موقع محدد، أو داخل منطقة معينة، لكننا نقوم بتوسيع نطاق البحث واستكشاف المسألة على نطاق عالمي، بينما نبحث عن أدلة أعمق قد تفسر جيولوجيا السطح"

وفي الدراسة الجديدة، تبنت رؤية مختلفة، إذ تعامل الباحثون مع القضية من منظور كوكبي شامل عبر دمج بيانات كيميائية لآلاف الصخور مع صور زلزالية تكشف البنية العميقة للأرض.

وقد قام فريق من الباحثين باستكشاف الآليات الكيميائية التي تتشكل بها العناصر الأرضية النادرة تحت السطح وتحديدا في صخور الكربوناتايت النارية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالعناصر الأرضية النادرة.

رسم خارطة عالمية

اعتمد الفريق العلمي في رسم خارطة المعادن النادرة في العالم، على تحليل نحو 9 آلاف عينة من الصخور النارية جُمعت من مناطق متعددة حول العالم، جميعها تحتوي على نسب مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون المذاب.

وأوضحت الدكتورة إيميلي بومان أن الهدف لم يكن فقط دراسة هذه الصخور، بل استخدام توزيعها الجغرافي لبناء نموذج يساعد على التنبؤ بالمناطق المرشحة لاحتواء رواسب العناصر الأرضية النادرة.

من ناحية أخرى، أظهر الباحثون في دراستهم الجديدة أن "هذه الصخور النادرة ومشتقاتها المعدلة والمتضررة، توفر معظم العناصر الأرضية النادرة في العالم".

كما قام الفريق، بحسب الدراسة، برسم بيانات الصخور على خريطة إلى جانب معلومات مفصلة عن باطن الأرض.

ويقول البروفيسور سيرغي ليبيديف، القائد المشارك لمشروع رسم الخارطة: "باستخدام الموجات الزلزالية الناتجة عن الزلازل، يمكننا إنشاء صورة مقطعية للغلاف الصخري، تمامًا كما يمكن لجهاز السونار أن يحدد معالم قاع البحر. ومن خلال هذه الخريطة، يمكننا أن نرى أن سمك الغلاف الصخري يلعب دورًا توجيهيًا في تحديد أماكن وجود هذه الرواسب."

وقالت البروفيسورة غيبسون: "لقد احتجنا إلى الجمع بين هذين الجزأين من اللغز، وهما التركيب الكيميائي للصخور والبيانات الزلزالية، لإيجاد الرابط بينهما، حيث أن الصخور ذات التركيب الكيميائي المناسب للإثراء لا توجد إلا في أماكن محددة للغاية، وخاصة على طول الحواف شديدة الانحدار لأسمك وأقدم غلاف صخري للأرض".

مقالات مشابهة

  • 66.4 مليون مشاهد يعيدون رسم خريطة تجارة البث الرياضي
  • علماء يرسمون خريطة الكنز للعناصر الأرضية النادرة حول العالم
  • بعد الحرب.. أزمة إعادة إعمار قانونية في الجنوب
  • حوت أوركا يقفز عاليًا في الهواء خلال مطاردة فريسته واللهو بها
  • ولادي طبعًا | شمس البارودي تبكي على الهواء بسبب هذا الموقف
  • خريطة مستضيفي كأس العالم في النسخ الثلاث المقبلة
  • بابل.. إيقاف منتسبين اعتدوا على بائع متجول في طريق خارجي
  • بعد إقرار 11 مادة من قانون هيكلة المصارف.. ماذا عن مصير الودائع؟
  • كيف تؤثر مكيفات الهواء على أعضاء الجسم
  • المصرف المركزي يطرح شهادات مضاربة للمصارف بعوائد تصل إلى 7.5%