يا مثقفو السودان وعقوله النيرة … اتحدوا
تاريخ النشر: 22nd, November 2024 GMT
في الفؤاد ترعاه العناية ... من بين أيدينا يتسرّب وطنٌ عظيم
يا مثقفو السودان وعقوله النيرة ... اتحدوا
تعددت التعريفات لمفهوم المثقف، ربطه البعض بحصيلته من المعرفة وبموقفه من الصراع الحضاري، وشريحةٌ أخرى قرنته ببعد النظر، وعمق البصيرة، والخبرة الذاتية، والحياتية. وربطه آخرون بحصيلته من الشهادات والمؤهلات الأكاديمية.
في زمن الرويبضات الطفابيع، والمغنواتية المطاليق، تراجع دور المفكر المثقف، وكل من أوتي قدرًا من العلم والمعرفة ولسان فصيح وقلب ينضح بالحق، الإنسان المثقف الذي ينثر الوعي والتنوير ويتقن نقد انحرافات الواقع؛ مما جعل العالم من حولنا يتساءل عن دور المثقف السوداني تجاه قضايا الوطن والشعب في هذا الزمن الكئيب الذي يعلو فيه ضجيج الجهلاء وترتفع فيه أسهم التافهين من اللايفاتية ومدعي الخبرات الاستراتيجية.
في عصر الانحطاط هذا، وصناعة وتسويق الجهل، وفي ظل الاستقطاب الحاد والاصطفاف، تشظّى المثقفون وتفرّق الكُتّاب والأدباء، كلٌّ منهم يمسك برأيه ويسير منفردًا. منهم من يقاتل ضد الاقتتال والحرب، ومنهم من انحاز وهو مطمئن لأحد طرفي الاقتتال. كما أن بينهم فئة آثرت الصمت، وانزوت تبحث عن طوق نجاة بعيدًا عن ويلات الحرب.
تتداول وسائل التواصل الاجتماعي قائمة من اثنين وأربعين إعلاميًا يشكلون قمة الهرم المهني الإعلامي السوداني، متهمين بالعمالة والخيانة، على رأسهم الأستاذ محمد لطيف، والأستاذة رشا عوض، والأستاذ فيصل محمد صالح، والدكتور مرتضى الغالي، والأستاذ محمد محمود راجي، والأستاذ عبد الرحمن الأمين. وعلى الرغم من اختلاف أطيافهم السياسية، إلا أن ما جمع بينهم هو موقفهم المبدئي الثابت ضد الحرب منذ انطلاق شرارتها الأولى. وهم لا ينادون فقط بـ"لا للحرب ... العسكر للثكنات، والجنجويد اتحلّ..."، بل يطالبون بعزم وصلابة بالعودة للمسار الديمقراطي والحكم المدني، ورفضهم القاطع لعودة الجماعات المتأسلمة للسلطة من جديد. ولمواقفهم تلك مورست ضدهم أشرس أنواع الإرهاب وهو الإرهاب الفكري.
هذه القلة الشجاعة من الإعلاميين وقفت بشراسة ضد الحرب، وظلت تنادي وتطالب بوقفها وترصد تجاوزات أطرافها، مما جعلها هدفًا مشروعًا لطرفي الاقتتال. وهم الأعلى صوتًا والأكثر نجاعة وشجاعة وسط عدد لا يُستهان به من سدنة منارة الوعي من مثقفين وأدباء وكُتّاب وفنانين، صدحت برأيها وقالت: "لا للحرب".
لكن هناك قلة من المثقفين، بعلل وحجج مختلفة، اختارت الانحياز لأحد طرفي الحرب، بعضهم عن قناعة والبعض تجارة، باعوا أقلامهم وانحازوا لأحد أطراف الصراع، وآخرون انحازوا عن خوف أو ابتزاز بعد تعرضهم لإرهاب وتهديدات الأجهزة الأمنية.
الذين باعوا أقلامهم ومواقفهم في سوق النخاسة، والذين استسلموا للخوف والإرهاب والابتزاز، ليسوا معنيين في هذا المقال بعد أن صنّفهم الشعب ضمن السفهاء والتافهين.
ما يهمنا هو توحيد وتنظيم أصحاب المواقف الوطنية النبيلة من المثقفين الذين يؤمنون بضرورة وقف الحرب واستهداف المدنيين، وتوصيل الإغاثة للمتضررين والعالقين بسبب الحرب، وعودة النازحين، ومحاسبة المنتهكين.
المثقفين من كُتّاب وأدباء وفنانين قرروا بإرادة حرة الانحياز لأحد طرفي الحرب لحجج وقناعات مختلفة. فمنهم من انحاز للجيش اعتقادًا منه بأنه بعد دحر قوات الدعم السريع، التي يعدها غزوًا خارجيًا وعنفًا بدويًا، وبعد استعادة بيوتهم التي انتُهكت، وشوارعهم التي اغتُصبت، ستكون معركتهم أسهل مع الإسلامويين وميليشياتهم. فقد سبق للشعب هزيمتهم ولا غضاضة في تكرار مشهد قطار عطبرة من جديد بعد أن يصطف الشعب في ثورته لبناء سودان جديد خالٍ من الفساد والاستبداد شعاره: "عندك خُت، ما عندك شِيل".
وهناك مجموعة أخرى قررت الانحياز لقوات الدعم السريع ظنًا منها أنها القوة الوحيدة المؤهلة لهزيمة الإسلامويين وميليشياتهم عسكريًا، بل والقضاء عليهم؛ حيث لا مستقبل لهم في سودان ما بعد الحرب في ظل وجود هذا الوباء المدعو بالإخوان المسلمين. ولأن في مفهومهم السفسطائي المثالي (ما في مليشيا بتحكم دولة)، ستقوم قوات الدعم السريع بتسليم السلطة للمدنيين لإقامة الدولة الديمقراطية التي يحلمون بها.
لكن الحقيقة أن كلا الطرفين جانبهما الصواب؛ حيث أسسا قناعاتهما على أمانيّهما ورغباتهما، أي اتبعا تفكيراً رغبوّياً (Wishful Thinking) لا يستند إلى العقلانية ولا الواقعية، وكلاهما ينطبق عليه حال المستجير من الرمضاء بالنار. فلا الدعم السريع سيقضي على التيار الإسلاموي، ولا الجيش سيقضي على الجنجويد. وهناك عدة عوامل داخلية وخارجية تؤكد ذلك، وكل المؤشرات تقول بأن دائرة الحرب آخذة في الاتساع، وكرة النار ستظل تضطرم في ازدياد طالما الوقود متوفر، والأهداف لا زالت قيد التحقيق، سواء أهداف القوى المتصارعة أو القوى الإقليمية المتداخلة والمشاركة في الحرب أو الدولية المتعاطفة.
هذه الفئة من المثقفين ظلت تصارع وتناضل لنشر الوعي ودق ناقوس الخطر على المستقبل، وتقول إن هذه الحرب العبثية مهما طال أوارها فلن تُحسم بالبندقية، بل بطاولة المفاوضات، وأن المحاسبة على الانتهاكات، أو الدعوة لانعقاد "لجان الحقيقة والمصالحة" أسوة بما جرى في رواندا وجنوب أفريقيا، لن يتم إلا في ظل سودان مدني ديمقراطي. لا بد من جيش مهني واحد يوحد كافة القوات والحركات والمليشيات المسلحة مهما كان دورها أو موقفها في هذه الحرب. يجب أيضاً النظر للصراع الإقليمي حول الموارد بعين الاعتبار لدوره في إشعال واستمرار الحرب، ولما يمكن أن يسهم به في استقرار السلام وإعادة التعمير.
هذه القلة من المثقفين التي تغزل بفكرها حبال لإنقاذ الوطن، للأسف، مستهدفة من الطرفين المتحاربين وأجهزتهما القمعية في الداخل والإعلامية في الخارج.
ومن هنا جاء نداء المثقف العضوي الدكتور حسن الجزولي، حيث دعا في بيانٍ له يستنكر فيه مذبحة شباب لجان الخدمات بالحلفايا إلى التكاتف والتحالف والتوقيع على بيان يدين الانتهاكات من طرفي الصراع. وأقتبس من بيانه: "ندعو لإصدار بيان استنكاري بتوقيع المثقفين الوطنيين - كُتّابًا وشعراء وأدباء وتشكيليين وصحفيين ومسرحيين وموسيقيين وفنانين - شجبًا للمجزرة ومطالبة الجهات العدلية الدولية بالعمل من أجل حماية السودانيين من بطش مصاصي الدماء في البلاد."
وانطلاقًا من بيان الدكتور حسن الجزولي وعطفاً على حالة الوطن الجريح، أقترح تشكيل جبهة عريضة من المثقفين الوطنيين - كُتّاباَ وشعراء وأدباء وتشكيليين وصحفيين ومسرحيين وموسيقيين وفنانين - الذين يمثلون فئة مستهدفة في هذه الحرب لتشكيل جبهة متحدة ضدها.
أما طرفا القتال ومن يدعمهم، فقد يتصالحون عاجلاً أم آجلاً. حتى الأحزاب التي تقف الآن ضد الحرب قد تساوم وتقبل بالمشاركة والمصالحة واقتسام المكاسب، باستثنائكم أنتم ... وربما لهذا السبب أنتم غير مرغوب فيكم. فلا عجب أن الأطراف كافة تستهدفكم ما دمتم غير مروضين، غير خانعين، ما دمتم أحراراً متمسكين بأهداف ثورة ديسمبر المجيدة. فأنتم مستهدفون من الأطراف المتصارعة ومن داعميهم في الداخل والخارج. لن يستقر لهم بال إلا بإقصائكم عن المشهد، سواء بالقتل أو التهجير، كما حدث حين استولت الجبهة القومية الإسلامية على السلطة في عام 1989. كان هدفهم الأول هو تجريف البلاد من أمثالكم، والعالم المتواطئ فتح أزرعه غير مصدق ليتلقاكم كأعظم هدية تمثلها هجرة جماعية للعقول المستنيرة.
لذا، أتمنى صادقًا أن نتوحّد في جبهة عريضة، نواتها قائمة الشرف الإعلامي التي تضم الاثني والأربعين الذين تم تخوينهم. لنقف سداً منيعاً ضد عودة دولة الفساد والاستبداد، ولنرفع عالياً راية ثورة ديسمبر المجيدة. ولنهتف معا حتى يصل صوتنا لكل العالم ((... العسكر للثكنات والجنجويد ينحل ... ومدنياااااااااا.))
عاطف عبدالله
23/11/2024
atifgassim@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الدعم السریع من المثقفین
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]