2024: تنظيم "المونديال" وتشييد مقر "فيفا" في الرباط
تاريخ النشر: 1st, January 2025 GMT
باتت الرياضة وفي مقدمتها كرة القدم، نقطة قوة للمغرب تدعم قوته الناعمة التي تروج للبلاد، وتقدم صورة إيجابية تمنحه إشعاعا عربيا ودوليا، وتجذب له المزيد من السياح والمستكشفين.
وقطع المغرب أشواطا كبيرة في الدبلوماسية الرياضية، آخرها فوزه بتنظيم نهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025، ونهائيات كأس العالم 2030 بمعية إسبانيا والبرتغال، مع إقامة ثلاث مباريات في أمريكا الجنوبية، ناهيك عن منحه تنظيم العرس الإفريقي لأقل من 17 سنة في نسختي 2025 و2026.
استضافة المغرب لهذه التظاهرات، جاءت بعدما نجح المغرب في استضافة عدد من البطولات الدولية، وبروز فرقه ولاعبيه في مسابقات عالمية، فضلا عن الحضور البارز لمسؤولين في المنظمات الدولية الرياضية.
« كاف » يقرر إجراء كأس إفريقيا المغرب شهري دجنبر 2025 ويناير 2026
كان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، قد أعلن يوم الجمعة 21 يونيو، عن موعد نهائيات كأس الأمم الإفريقية المغرب 2025، خلال اجتماع لجنته التنفيذية، بعدما كثر القيل والقال عن تاريخ إجراء المسابقة، نظرا لتزامنها مع كأس العالم للأندية في نسخته الجديدة.
وقرر «كاف» إجراء العرس الإفريقي المقرر في المغرب، خلال الفترة الممتدة ما بين 21 دجنبر 2025، و18 يناير 2026.
وسبق للمغرب أن نظم كأس الأمم الإفريقية سنة 1988، في بطولة عرفت مشاركة ثمانية منتخبات، وفاز بلقبها المنتخب الكاميروني، بعد فوزه على نيجيريا بهدف نظيف في المشهد الختامي، علما أن أسود الأطلس كانوا قد غادروا المسابقة من نصف النهائي.
وبدأ المغرب في الإعداد لاستضافة نهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025 مبكرا، بعدما قام بهدم مركب مولاي عبد الله بالرباط، لبناء ملعب آخر مكانه بدون مضمار، وكذا إعادة تهيئة ملعب ابن بطوطة بطنجة، مع إغلاق كلٍ من مركب محمد الخامس بالدار البيضاء، والملعب الكبير لمراكش، قصد إعادة تهيئتهما، في انتظار إغلاق ملعب أدرار بأكادير هو الآخر، دون إغفال ملاعب التداريب التي سيبلغ عددها 24 ملعبا، إلى جانب وجود ملعب خاص بتداريب الحكام.
وكان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، قد أعلن، خلال اجتماع مكتبه التنفيذي في مراكش بالمغرب، برئاسة باتريس موتسيبي، أن قرعة نهائيات كأس الأمم الأفريقية المغرب 2025 ستقام بالرباط، المغرب، في 27 يناير المقبل.
وستقام المباراة الافتتاحية لكأس الأمم الأفريقية المغرب 2025، يوم الأحد 21 دجنبر 2025؛ فيما ستقام المباراة النهائية يوم الأحد 18 يناير 2026، علما أن المغرب سينظم قبل ذلك كأس الأمم الأفريقية تحت 17 سنة، حيث سيكون الافتتاح يوم الأحد 30 مارس 2025، على أن تقام المباراة النهائية يوم السبت 19 أبريل 2025.
وأوضح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في تقرير له، أن تعيين المغرب كدولة مستضيفة لكأس الأمم الأفريقية 2025، ليس مفاجئا، نظرا لمهاراته في تنظيم أحداث كرة القدم الدولية».
وتابع « كاف »، أن المغرب نظم بطولة « الشان » سنة 2018، وكأس الأمم الأفريقية للسيدات 2022، وكأس العالم للأندية سنة 2023، وأثبت قدرته على استضافة بطولات كرة القدم الأولى.
وأشار المصدر ذاته، إلى أن هذه التجربة، جنبًا إلى جنب مع الشغف العميق بكرة القدم والبنية التحتية الحديثة، تعد بجعل هذه النسخة من كأس الأمم الأفريقية واحدة من أكثر النسخ التي لا تنسى.
واختتم تقريره، بالتأكيد على أنه بفضل بنية تحتية ذات مستوى عالمي، وجمهور متحمس، وخبرة حديثة في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، فإن المغرب مستعد لتقديم كأس أفريقيا للأمم التي ستضع معايير جديدة للمنافسة.
مونديال 2030 في المغرب والبرتغال وإسبانيا وثلاث مباريات في أمريكا الجنوبية
كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، قد أعلن يوم الأربعاء 11 دجنبر 2025، خلال اجتماعه الاستثنائي الافتراضي، عن منح المغرب وإسبانيا والبرتغال، شرف تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، بشكل رسمي، بعدما حظي بالإجماع، باستثناء الاتحاد النرويجي الذي امتنع عن التصويت.
وفي هذا الصدد قال لقجع خلال معرض حديثه، ضمن المؤتمر الافتراضي لـ « الفيفا»، « إنها لحظة حافلة، هذا تمثيل عالمي نادرا ما نراه في مجالات أخرى، باحتضان المغرب وإسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030».
وتابع لقجع، «هذه الثقة التي وضعها أعضاء «الفيفا» في المغرب تشهد على التقدم المُحرز سواء من حيث التحضيرات أو التنمية الشاملة للبلاد بفضل الرؤية المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله».
وأضاف رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، «هذا الترشيح الثلاثي لتنظيم كأس العالم 2030 سيصنع لنفسه مكانا في التاريخ. ستساهم هذه الاستضافة في جعل الرياضة رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية.
وعودة لحيثيات ترشح المغرب لاستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم 2030، في ملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال، كان الملك محمد السادس قد أعلن يوم الثلاثاء 14 مارس 2023، أن المملكة المغربية قررت، بمعية إسبانيا والبرتغال، تقديم ترشيح مشترك لتنظيم مونديال 2030، مضيفا أن هذا الترشيح المشترك، «يعد سابقة في تاريخ كرة القدم، وسيحمل عنوان الربط بين إفريقيا وأوربا».
وفي 4 أكتوبر 2023، زف صاحب الجلالة الملك محمد السادس للشعب المغربي خبر اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالإجماع، ملف المغرب وإسبانيا والبرتغال كترشيح وحيد لتنظيم كأس العالم 2030 لكرة القدم.
وفي 29 نونبر 2023، وقعت كل من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والاتحاد الملكي الإسباني، والاتحاد البرتغالي، اتفاقية مشتركة تخص تنظيم مونديال 2030، وكانت الجامعة الملكية المغربية ذكرت، في بلاغ نشرته على موقعها الرسمي، أن هذه الاتفاقية تحدد «التوجهات الخاصة بالجوانب التقنية لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030″، وأنها بمثابة «التزام من قبل الاتحادات الكروية الثلاثة باحترام الضوابط والإطار العام لملف الترشيح».
وفي 29 يوليوز الماضي، قدم المغرب وإسبانيا والبرتغال، رسميا، ملف ترشحها المشترك لاستضافة مونديال 2030، إلى الاتحاد الدولي، حيث ذكر بلاغ للجامعة أنه تم تسليم ملف الترشح الرسمي إلى رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو، من قبل رؤساء اتحادات كرة القدم الثلاثة التي قدمت ترشيحها لاستضافة البطولة، وهم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وفرناندو غوميش، رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، وبيدرو روشا، رئيس الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم الذي ناب عنه الأمين العام للاتحاد، ألفارو دي ميغيل.
وفي 30 من الشهر ذاته، نشر «فيفا» تقريره النهائي عن ملف الترشح المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، بعد «دراسة شاملة تخللتها زيارات تفقدية إلى البلدان المعنية، حيث أشار في تقريره، إلى أن ملف الترشح المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال «يتجاوز الحد الأدنى من متطلبات الاستضافة».
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم، قد أشاد بالملف الثلاثي المغرب البرتغال إسبانيا، المحتضن لنهائيات كأس العالم 2030، في تقرير تقييم نشره عبر موقعه الرسمي، في أعقاب إجراء دراسة شاملة للملف، تخللتها زيارات تفقدية إلى البلدان المترشحة المعنية.
وحصل ملف تنظيم مونديال 2030، على تقييم 4.2 من أصل 5، ليستوفي بذلك الشروط اللازمة لاستضافة الحدث، حيث اعتبر «فيفا» هذا الملف، متجاوزا للحد الأدنى من متطلبات الاستضافة، وذلك استنادا إلى الخلاصات التي توصل إليها التقرير، وطبقا للوائح تقديم ملفات الترشُّح ونظام النقاط المعمول به.
وكان المغرب قد تقدم بستة ملاعب لاحتضان مباريات كأس العالم سنة 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ويتعلق الأمر بملعب الحسن الثاني في بنسليمان نواحي الدار البيضاء، المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله، فضلا عن ملعب طنجة وملعب مراكش الكبير وملعب أكادير وملعب فاس.
توقيع اتفاقية بين إنفانتينو وأخنوش فتح مكتب « فيفا » في إفريقيا بالرباط
واستمر نجاح الدبلوماسية الرياضية المغربية بعدما جرى يوم الإثنين 16 دجنبر بمراكش، توقيع اتفاقية بين جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وعزيز أخنوش، رئيس الحكومة، على هامش حفل جوائز «الكاف» المقام بالمدينة الحمراء، «توقيع» اتفافية فتح مكتب «فيفا» في إفريقيا بالمغرب.
وسيكون مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم في الرباط، وفق ما قاله جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا»، حيث حضر لتوقيع الاتفاقية، كلُّ من عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، وفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وباتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الإفريقي للعبة، وجياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي للعبة.
ويندرج توقيع هذه الاتفاقية، في إطار دور الاتحاد الدولي لكرة القدم، لتطوير وتنمية كرة القدم، على المستوى التربوي والثقافي، كما تهدف هذه الاتفاقية التي تم توقيعها بقصر المؤتمرات بمدينة مراكش، إلى مواكبة ودعم كل المبادرات والمشاريع الهادفة لتنمية كرة القدم بإفريقيا.
ويجسد توقيع هذه الاتفاقية، الانخراط الدائم للمملكة المغربية لإشعاع لعبة كرة القدم، ويؤكد الدور الحيوي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بصفتها عضوا بالاتحاد الدولي لكرة القدم.
وبموجب هذه الاتفاقية، تعتزم الحكومة المغربية، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وضع إجراءات لدعم ومواكبة مشاريع الاتحاد الدولي لكرة القدم خاصة:
1- مواكبة الاتحاد الدولي لكرة القدم في كل المسائل المتعلقة بإنشاء هذا المقر.
2- وضع المغرب رهن إشارة الاتحاد الدولي لكرة القدم لمزاولة أنشطته الإدارية.
3- تسهيل إجراءات الإقامة بالمغرب بالنسبة لمستخدمي الاتحاد الدولي لكرة القدم الأجانب.
4- مواكبة كل الإجراءات الإدارية الخاصة بأنشطة مكتب « الفيفا » بأفريقيا، ومستخدميه الأجانب داخل التراب المغربي.
كلمات دلالية الديبلوماسية الرياضية المغربية حصيلة 2024 نهائيات كأس الأمم الإفريقية المغرب 2025 نهائيات كأس العالم المغرب إسبانيا البرتغال 2030
المصدر
المصدر: اليوم 24
كلمات دلالية: حصيلة 2024 نهائيات كأس الأمم الإفريقية المغرب 2025 الجامعة الملکیة المغربیة لکرة القدم نهائیات کأس الأمم الإفریقیة المغرب وإسبانیا والبرتغال الاتحاد الدولی لکرة القدم نهائیات کأس العالم 2030 کأس الأمم الأفریقیة إسبانیا والبرتغال الاتحاد الإفریقی هذه الاتفاقیة رئیس الاتحاد موندیال 2030 کرة القدم المغرب 2025 دجنبر 2025 قد أعلن
إقرأ أيضاً:
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
المقدمة العامة – الإطار والمنهجية
لا يمكن لتقييم سياسة تربوية أن يختزل في مجرّد تعداد مكوّناتها، بل يتطلّب مقاربة صارمة تستند إلى مرجعية قادرة على تجاوز الوصف إلى إصدار حكم تحليلي حول فعالية الإجراءات المتخذة وأثرها.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يستعين هذا التقرير بـ « الإطار المتكامل لتقييم الجودة التربوية »، الذي وضعته مؤسسة أماكن لجودة التعليم. وهو إطار يستلهم أفضل الممارسات الدولية – لاسيما تلك المعتمدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – مع تكييف دقيق مع خصوصيات المنظومة التربوية المغربية، ليوفر بذلك شبكة قراءة صارمة، جامعة في مرجعيتها، محلية في سياقها.
يتشكّل هذا الإطار من أربعة معايير كبرى تضبط مسار تقييمنا. الأوّل، « الملاءمة والمواءمة »، يختبر قدرة السياسة العمومية على الاستجابة لحاجات المواطنين الفعلية والانضباط إلى الأهداف الاستراتيجية الوطنية. والثاني، « الفعالية والنجاعة »، يقيس مدى بلوغ النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المسخّرة. أمّا الثالث، « جودة المسارات والتنفيذ »، فيفحص الحكامة والتنسيق وتمكين الفاعلين. ويأتي الرابع، « الاستدامة وقابلية التعميم »، ليقيّم قدرة السياسة على إحداث آثار دائمة والامتداد إلى مجالات ترابية أخرى.
تتفرّع بنية الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية كبرى: الرؤية والتخطيط؛ والإنتاج البيداغوجي والتنظيمي؛ والتتبّع والتقييم وضمان الجودة؛ والتكيّف الاستراتيجي والتحوّل. وتنقسم هذه الأبعاد إلى ستة عشر مجالاً، تضم كلٌّ منها معاييرَ ومبادئَ توجيهيةً ومؤشراتٍ محدَّدة، تشكّل مجتمعةً الهيكل المعياري لعملية التدقيق.
تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متعاقبة. تقوم الأولى على االتحكم في لإطار المرجعي، بتفكيك كل مؤشر لتحديد الأدلة المنتظرة، ثم رسم خريطة للسياسة العمومية لاستجلاء آليات اشتغالها. أمّا المرحلة الثانية فهي جمع الأدلة، باستخدام تقنيات التثليث الصارم: تحليل وثائقي معمّق للنصوص التشريعية والأدلة والتقارير؛ ومقابلات شبه موجّهة مع المصمّمين والفاعلين الميدانيين؛ وملاحظات مباشرة للمشاريع قيد التنفيذ. وتخضع المرحلة الثالثة الأدلة المجمّعة لحكم المطابقة، بمقارنتها بمقتضيات الإطار وفق سلم واضح وعملي: مطابق، مطابق جزئياً، غير مطابق، أو غير قابل للتطبيق. وأخيراً، تخلّص المرحلة الرابعة، وهي صياغة التقرير، هذه الوقائع في تحليل مفصّل، مزوّد بجداول قيادية، وتُفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ، محددة الأولويات، وموجّهة بدقة.
يغطي التقييم العقد الممتد بين 2015 و2025، وهي فترة محورية شهدت تزويد المنظومة التربوية المغربية بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تمثل ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. وطموحنا، من خلال هذا المسعى المنهجي الشفاف، هو تجاوز مجرّد الرصد إلى توفير بوصلة موثوقة لصنّاع القرار، تمكنهم من تحديد فجوات المطابقة، واستثمار نقاط القوة، وتصحيح المسارات. والرهان كبير: إنه ليس سوى الإسهام في بناء مدرسة أكثر إنصافاً، وأكثر فعالية، وماضية قدماً نحو المستقبل بكل ثبات.
المعيار الأول: الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم
تمرّ المدرسة المغربية اليوم بمرحلة دقيقة، بل حرجة. فقلّما شهد نظامٌ تربويٌّ هذا الكمَّ من الإصلاحات، أو نظّم هذا العددَ من الندوات، أو حشدَ هذا الفيضَ من الخبراء لإعادة هندسته. غير أن المفارقة التي تجرح في الصميم هي أن الهوّة بين طموح النصوص وإيقاع الواقع لم تكن بهذا الاتساع من قبل. إن تقييم المعيار الأوّل من سياستنا التربوية ــ معيار « الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم » ــ يلقي الضوء على معضلة جوهرية: كيف نوفّق بين الكمال الشكلي لوثائقنا وفوضى الميدان المركّبة؟ والإجابة، مهما بدت قاسية، تفضي إلى حصيلة رمادية تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الإصلاح.
إغراء النجاح الشكلي
من باب الإنصاف أن نعترف بالجهد المبذول. فقد زوّد المغرب نفسه، خلال العقد الأخير، بهندسة استراتيجية استثنائية. فلم تكن رؤية 2015-2030 نتاج غرفة مغلقة، بل خرجت إلى الوجود عقب مسلسل استشاري غير مسبوق: أكثر من أربعة وستين ألف مشارك، وندوات عمّت جهات المملكة الاثنتي عشرة، واستماع رسمي إلى ستٍ وعشرين هيئة نقابية وجمعوية. على الصعيد الإجرائي، كان الجهد باهراً، وأثبت المغرب من خلاله أنه قادر على كسر جدران الإدارة المنغلقة نحو فضاء تشاركي أرحب.
وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في النصوص القانونية. فالقانون الإطار 51.17، الذي يُعدّ الذراع التنفيذية للرؤية، ليس مجرد تصريح نوايا عابر. لقد تكررت فيه مفردات « الإنصاف » و »المواطنة » و »العدالة الاجتماعية » أكثر من أربعين مرّة. بل إن المادة الثالثة تنص صراحة على أن المنظومة التربوية مؤسّسة على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. أما الكتب المدرسية، لاسيما في التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، فقد أعيد بناؤها لتحتضن مفاهيم التسامح والعيش المشترك. وبدورها، جعلت خارطة الطريق 2022-2026 من « الكفايات العرضية » ركيزةً أساسية، واضعة استقلالية المتعلم وشعوره بالانتماء في صميم أهدافها.
على الورق، إذن، تبدو المنظومة عصية على النقد. بل إن المغرب زوّدها بآليات تتبع مذهلة، من نظام « مسار » المعلوماتي، إلى تقارير المجلس الأعلى للتربية، مروراً بـ »المؤشر الوطني لتنمية التعليم » الذي يضم مئةً وسبعةً وخمسين مؤشراً مركباً لقيادة مسار الإصلاح. لقد غيّرنا البرمجيات النظرية، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أننا لم نُحدث بعدُ برمجيات الفاعلين في الميدان.
سراب المشاركة الحقيقية
غير أن المطبّ الأول، وهو من أكثرها خطراً، يكمن في طبيعة هذه « الاستشارة » ذاتها. ذلك أن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطار عمل كمنخل سياسي. فإذا كانت المبادئ الكبرى للإنصاف محلّ إجماع، فإن الملفات الشائكة ــ من لغات التدريس إلى مجانية التعليم العالي، مروراً بوضعية هيئة التدريس ــ أبرزت صدوعاً عميقة بين القمة والقاعدة. لقد أُصغِي إلى مساهمات الفاعلين المحليين، لكنها لم تلقَ، في مواضع كثيرة، الأثر المنشود. وينقصنا بشدة ذلك « السجل التتبعي للمساهمات » الذي يوضح مصير كل اقتراح، ويُبقي النقاش شفافاً.
وغياب هذه الشفافية يترك آثاراً ملموسة. فالاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات الواسعة في عامي 2023 و2024 حول « النظام الأساسي الموحّد » للأساتذة، ليست مجرد بوادر عابرة، بل هي مقياس حرارة لتوتر متراكم. فقرابة 45% من المدرّسين، بحسب استقصاءات الهيئة الوطنية للتقييم، يرون أن المناخ المدرسي لم يعد صالحاً لنقل القيم. لقد استوفينا الشكل الاستشاري، لكن الشعور بـ »الملكية المشتركة » للإصلاح ظلّ سراباً. استشرنا، لكننا لم نبني معاً، والفارق شاسع، وثمنه باهظ على صعيد السلم الاجتماعي.
فجوة الممارسة والإدراك
لكن الجرح الأعمق يكمن في طبقة الإدراك والممارسة. فالمؤشر الثالث من تقييمنا، والمتعلق برضا الفاعلين، لا يحتمل الجدل. فبينما تعلن النصوص الإدماج والمساواة، يعيش الفاعلون واقعاً متعدّد السرعات. الأرقام هنا تحكي القصة. فبحسب نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لسنة 2022، يصرح ربع التلاميذ المغاربة (25%) بأنهم يشعرون بأنهم « غرباء » أو منبوذون في مدارسهم، مقابل متوسط 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة ناقوس خطر.
ويقترن ذلك بهجرة صامتة لكنها جارفة نحو القطاع الخاص، الذي يستقطب الآن أكثر من 17% من المتمدرسين، مع نسب تتجاوز 70% في المدن الكبرى. هذه ليست مجرد خيارات بيداغوجية، بل هي تصويتٌ بالرفض من طرف الأسر، التي لم تعد تثق في قدرة المدرسة العمومية على النهوض بوظيفتها الاجتماعية. أما فيما يخص التربية الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة، ورغم جمالية خططها، فإن الواقع يبقى قاسياً: النقص الفادح في المرافقين والمعدّات المعمارية يحول دون تجسيد الإدماج على أرض الواقع.
هناك إذن هُوّة سحيقة بين خطاب « السلطة » وممارسة « الميدان ». فخطاب القيم، في كثير من الأحيان، يُقرأ من طرف المدرسين كعبء إضافي لا تصحبه وسائل مرافقة. نقيس المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نغفل الممارسة المدنية الفعلية؛ نغرق الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة، لكننا لا نقيس الأثر السلوكي على المتعلمين.
قيادة بعوائق مؤسسية
كيف نفسّر هذا الانفصال المزمن؟ هنا يأتي دور المؤشر الرابع، المتعلق بالتتبّع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادة من الطراز الأول، لكن استخدامها معطّل بعوائق مؤسسية. تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، التي من المفترض أن ترشد القرار في الزمن الفعلي، غالباً ما تُنشر بتأخر سنتين، مما يجردها من قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك، أنه منذ 2023، أصبح حياد التقييم موضع تشكيك من الفاعل الحكومي، إذ أُسندت مهمة تقييم « المدارس الرائدة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز حكومي، عوض الهيئة المستقلة. فكيف يمكن القيادة بثقة حين يكون المراقب في قارب الملاح نفسه؟
النتائج تتحدث بوضوح. هدف تعميم التعليم الأولي بنسبة 100% بحلول 2028 يبدو بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70,4% في 2024. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، ارتفع بأكثر من 56 ألف تلميذ بين 2021 و2024. وفي مجال إتقان المهارات الأساسية، فإن التشخيص مذهل: أقل من 40% من التلاميذ يبلغون العتبة المطلوبة في القراءة، بينما كانت الخارطة تطمح إلى 82% بحلول 2026. نتقدم بثبات على مستوى المدخلات ــ البنايات، التوظيفات، الميزانيات ــ لكننا نفشل فشلاً ذريعاً في بلوغ الأثر الحقيقي على جودة التعلّمات.
الخروج من تضخم النصوص
في نهاية هذا التحليل، لا مفر من حكم قاس ولكن صادق: المعيار الأوّل هو، في مجمله، مُحقَّقٌ جزئياً. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والإعلان، أما نقطة ضعفه الكبرى فتكمن في تعثره أمام تحويل الأقوال إلى أفعال، وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.
إننا نعاني من « تضخم نصي » مفرط. ظننا أن التصريح بالعدالة الاجتماعية يكفي لجعلها واقعاً ملموساً. ونسينا أن الثقة لا تنتصب بالمراسيم، بل تُربح بالاستمرارية في الفعل، وبالإنصات الصادق، وبالتقييم النزيه. إن مدرسة تتبنى المواطنة وتعامل أساتذتها بارتياب، وتعلن الإنصاف وتتسامح مع نظام ثنائي السرعات، هي مدرسة تحكم على نفسها بالريبة من طرف مستعمليها.
إن علاج هذا الجرح لا يتطلب تقريراً جديداً أو فصلاً إضافياً في القانون، بل يستوجب انتفاضة سياسية شجاعة: إعادة الاعتبار لحياد التقييم، ومنح الفاعلين الميدانيين وسائلهم الحقيقية، وقبل كل شيء، الإقرار بأن القيم لا تدرّس في الكتب وحدها، بل تُعاش في ساحات المدارس، وفي العلاقة التربوية، وفي اتساق الخطاب مع السلوك.
إن إصلاح مدرستنا ليس مهمةً للخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في مسائل معيارية جافة. إنه مرهون بمستقبل عقدنا الاجتماعي. فإذا كنا نريد للمدرسة المغربية أن تستعيد مكانتها بوتقة للإنصاف والنهوض، فعلينا أن نتعلم الإنصات مجدداً، وأن نقيم بنزاهة، وأن نصحح مسارنا استناداً إلى حقائق الميدان لا إلى أوهام المكاتب. الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح.