هل يكون ملف التهجير إلى سيناء المسمار الأخير في نعش النظام المصري؟
تاريخ النشر: 29th, January 2025 GMT
تسببت تصريحات ترامب حول التهجير القسري لـ1.5 مليون فلسطيني من غزة إلى سيناء أو الأردن بحجة تدمير القطاع خلال الحرب التي استمرت أكثر من 15 شهرا؛ في زوبعة سياسية كبيرة خلال الفترة الماضية.
لم يكتف ترامب بهذا الطلب، بل وصف ترامب اقتراحه بـ"تطهير غزة"، وبالتالي هو لا يستحي من الحديث عن تطهير عرقي في سياق دعمه للإبادة الجماعية، وكلها جرائم أخلاقية وإنسانية ومجرمة دوليا، ولكنه يضرب عرض الحائط بكل شيء.
ترامب لم يكتف بالتصريحات والمطالبات، بل بدأ في اتخاذ إجراءات عملية توضح كم هو جاد في الدعم المطلق للكيان الصهيوني، وأنّ حديثه عن التهجير في الأسبوع الأول من رئاسته لن تكون زوبعة إعلامية سرعان ما تهدئ أو تتوقف.
فترامب ألغى قرار الرئيس السابق جو بايدن بتعليق إمداد إسرائيل بقنابل "إم كيه 84" الفتاكة والتي تزن طن على الأقل، والتي استخدمت في اجتياح رفح بغزة في أيار/ مايو 2023.
كما رفع العقوبات عن المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وهدد بمهاجمة المحكمة الجنائية الدولية لإصدارها أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت.
هذه التصريحات والمواقف ليست جديدة تماما، بل تمثل جزءا من استراتيجية طويلة لإعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية
في الحقيقة هذه التصريحات والمواقف ليست جديدة تماما، بل تمثل جزءا من استراتيجية طويلة لإعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية، فترامب في فترته الأولى اعترف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية لها واعترف بالسيادة الصهيونية على الجولان، وأخيرا سعى لتنفيذ صفقة القرن في فترة رئاسته الأولى وتجاوب معها السيسي وقتها إعلاميا على الأقل. وكانت تقضي في جزء منها بتبادل أراضٍ بين مصر والكيان الصهيوني، والجزء الذي ستحصل عليه إسرائيل من سيناء يتم توطين فلسطينيي قطاع غزة به.
ثم تحدث ترامب عن الموضوع ثانية أثناء حملته الانتخابية الأخيرة، عندما قال إن مساحة إسرائيل على الخريطة تبدو صغيرة وتحتاج إلى زيادتها، ولا تحتاج إلى أن تكون ذكيا لتفهم أنَّه يقصد التهجير إلى سيناء والأردن، ثم أخيرا هذه التصريحات بعد توليه الرئاسة.
هذه المقدمة كانت ضرورية لفهم أنّ ترامب جاد في تنفيذ مخطط التهجير، وأنّه سيكون أهم ملف له في الشرق الأوسط خلال فترة رئاسته الثانية والأخيرة.
وهذا الملف يضع السيسي فعليا في مأزق حقيقي بين ثلاثة أطراف رئيسية:
غضب الشعب المصري المعروف بدعمه التاريخي للقضية الفلسطينية، ورفض أي محاولات لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها، فالحديث عن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء يعيد للأذهان مخططات إسرائيلية قديمة مثل "مشروع ألون" الذي ظهر بعد احتلال سيناء عام 1967.
أي موافقة ضمنية على هذا المخطط ستعتبر خيانة كبرى للضمير الوطني المصري والإسلامي، وسوف تزيد حجم الغضب الشعبي على السيسي مما يهدد باستقرار حكمه.
من ناحية المؤسسة العسكرية فهي تعتبر ملف التهجير خطا أحمر حقيقيا بالنسبة إليها، وليس دافع الأمن القومي هو سبب ذلك؛ وإلا لكنا رأينا شيئا مختلفا من المؤسسة العسكرية في ملف التنازل عن تيران وصنافير أو سد النهضة أو غيرها من ملفات الأمن القومي الحيوية.
المشكلة لدى الجيش الذي يعمل كشركة قابضة كبيرة حاليا أن التهجير لا يعني فقط انتقال مواطني غزة لسيناء، ولكن انتقال المقاومة الفلسطينية كذلك معها إلى سيناء، مما يعني أن تتحول سيناء إلى نقطة انطلاق للمقاومة ضد الصهاينة مع احتمالية كبيرة لتشكل حاضنة شعبية مصرية كبيرة لها. وبالتالي يفقد الجيش سيطرته على سيناء وربما يكون ذلك إيذانا بثورة شعبية ضده لن يستطيع صدها أو استيعابها هذه المرة، فضلا عن خسائره الاقتصادية المتوقعة.
كما أن المقاومة التي أعجزت وأفشلت واحدا من أقوى الجيوش في العالم ويحظى بدعم أقوى جيوش العالم؛ بكل تأكيد لن يستطيع الجيش المصري السيطرة عليها وستكون معركة خاسرة له بكل المقاييس.
لذلك القبول بفكرة التهجير يعد تهديدا مباشرا لاستقرار نظام السيسي أمام المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل إزاحة قيادات بارزة مثل الفريق أسامة عسكر، وهو ما قد يُضعف ولاء الجيش له وقد ينقلب عليه.
ضغوط ترامب وإسرائيل ستزداد على السيسي كثيرا في الفترة القادمة، فالأوضاع من وجهة نظر صهيونية مثالية للخلاص من صداع غزة والضفة ولن يجدوا فرصة كهذه مرة أخرى. هكذا يفكرون، لذلك سيستمر الضغط الاقتصادي والسياسي على مصر، وهو ما سيجعل السيسي أمام خيارات كلها كارثية بالنسبة له
لذلك أعتقد أن ضغوط ترامب وإسرائيل ستزداد على السيسي كثيرا في الفترة القادمة، فالأوضاع من وجهة نظر صهيونية مثالية للخلاص من صداع غزة والضفة ولن يجدوا فرصة كهذه مرة أخرى. هكذا يفكرون، لذلك سيستمر الضغط الاقتصادي والسياسي على مصر، وهو ما سيجعل السيسي أمام خيارات كلها كارثية بالنسبة له.
فالموافقة على التهجير تعني صداما مع الجيش، وقد تكون فرصة للجيش لخلعه وتحميله لأخطاء وكوارث الفترة الماضية.
وإذا افترضنا أنه استطاع تطويع الجيش وتقليم أظافره للقبول بالصفقة بضغوط أمريكية صهيونية فستنتقل المقاومة إلى سيناء، وسيحصل تواصل طبيعي بينها وبين الشعب المصري ويلتحمان معا، وتلتهب سيناء فضلا عما إذا قام الجيش بقمع الشعب الفلسطيني أو مقاومته فسيكون سببا إضافيا لغليان الشعب المصري وانفجار الأوضاع داخليا، وهي تحتاج إشارة فقط لاشتعالها بسبب الضغوط الاقتصادية المتزايدة والقمع السياسي المتصاعد.
وإذا رفض السيسي التهجير فقد يتم الضغط اقتصاديا عليه لأقصى درجة، مما قد يؤدي إلى انهيار الأوضاع واشتعال ثورة ضده، كذلك ويمكن كذلك -وهذا سيناريو وارد- أن تقوم واشنطن وتل أبيب بالبحث عن بديل من داخل الجيش يمكنه تمرير التهجير واستخدامه لعزل السيسي وتحميله كل أخطاء الماضي، مع ثمن جيد في صورة مساعدات اقتصادية لتهدئة الشارع وتمرير التهجير في نفس الوقت.
بعض السيناريوهات المطروحة تقول إن التهجير قد لا يتم إلى سيناء، لعدم مهاجمة الكيان عبرها، وأنه سيكون من خلال دمجهم في الشعب المصري في المحافظات الداخلية، ولكن ذلك ستكون له مخاطر أمنية لا تنتهي كذلك، وقد تتحول مصر إلى حاضنة كبيرة للمقاومة ويعيش النظام نفس الورطة وربما أسوأ.
بكل تأكيد مثّل المشهد المهيب والتاريخي لعودة النازحين الفلسطينيين من جنوب غزة إلى شمالها إفشالا عمليا لمخطط التهجير، وهذا ما نتمناه، لكن ما يهمنا هو أنه لا ترامب ولا نتنياهو وحكومته سيتوقفون عن ممارسة الضغوط على مصر لتمرير المخطط بشكل كلي وجزئي.
هذه الضغوط هي التي ستجعل وعد السنوار الكبير بأنّ الطوفان سيغير الشرق الأوسط سيتحقق، فهذه الضغوط المتوقعة على النظام المصري والأردني ستجعل تأثير معركة طوفان الأقصى لا تتوقف عند غزة ولبنان وسوريا فحسب، ولكنه سيمتد قريبا إلى مصر وربما الأردن كذلك، وعلى الشعوب العربية ونخبها أن تتهيأ لاقتناص الفرص، فالفرص لا تتكرر كثيرا والتاريخ يحترم فقط من يدرك فقه زمانه ومكانه.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه ترامب التهجير فلسطيني غزة السيسي مصر مصر السيسي فلسطين غزة تهجير مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشعب المصری إلى سیناء
إقرأ أيضاً:
من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟
توسع مصر نطاق البحث والاستكشاف عن النفط والغاز عبر خريطة تمتد من البحر المتوسط ودلتا النيل إلى شمال سيناء والصحراء الشرقية، في تحرك يستهدف تنويع مناطق العمل، وزيادة فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة، ورفع كفاءة استغلال البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة.
رئيس الهيئة العامة للبترول السابق لـ"24": تنوع مناطق الحفر ومرونة التعاقدات يعززان فرص جذب الاستثمارات
مدحت يوسف: الشركاء الأجانب لن يمولوا الحفر دون مؤشرات.. ونجاح خطة الـ101 بئر يُقاس بالاكتشافات والاحتياطيات لا بعدد الآبار
ووافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على 4 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن اتفاقيات للبحث عن البترول والغاز واستغلالهما، في خطوة تستهدف دعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.
ويشمل القرار مناطق شرق الإسكندرية البحرية، وشمال طنطا الأرضية، ومنطقة الفيروز في شمال سيناء، إلى جانب إعادة إسناد منطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.
تتضمن الاتفاقيات حداً أدنى من الاستثمارات يقترب من 53 مليون دولار، مع حفر ست آبار على الأقل، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية وإعادة معالجة بيانات سابقة في بعض مناطق الامتياز.
وتستحوذ منطقة شرق الإسكندرية البحرية على النصيب الأكبر من الالتزامات الاستثمارية، من خلال اتفاقية بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "كايرون إيجيبت دلتا ليمتد"، باستثمارات لا تقل عن 42.2 مليون دولار، وحفر ثلاث آبار استكشافية، فضلاً عن إعادة معالجة البيانات السيزمية المتاحة.
وفي شمال سيناء، تتضمن اتفاقية منطقة الفيروز استثمارات لا تقل عن 6.37 مليون دولار، لإجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات القديمة، إلى جانب حفر بئر استكشافية.
وتشمل التحركات أيضاً بدء أعمال جديدة للبحث عن الغاز والزيت الخام في منطقة شمال طنطا بدلتا النيل، ومواصلة البحث والتنمية والإنتاج في حقل عسران بالصحراء الشرقية، بما يجمع بين استكشاف مناطق جديدة وزيادة الاستفادة من الحقول القائمة.
تنوع مؤسسييقول المهندس مدحت يوسف، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن تنوع مناطق الاتفاقيات ليس توجهاً جديداً في حد ذاته، لكنه يعكس البناء المؤسسي الذي يتبعه قطاع البترول في توزيع مسؤوليات البحث والاستكشاف.
ويوضح يوسف لـ"24"، أن هذا النهج يبدأ منذ إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، والشركة القابضة لجنوب الوادي، بهدف تحقيق التخصص المكاني والنوعي في اتفاقيات البحث والاستكشاف، وتخفيف العبء عن الهيئة العامة للبترول التي كانت مسؤولة قبل إنشاء الشركتين عن غالبية تلك الأنشطة.
ويضيف أن هذا التقسيم يسمح بدراسة العروض من خلال لجان متنوعة وذات اختصاصات مختلفة، بما يسرع عملية البت والإسناد إلى الشركات القادرة على الاستثمار وتمويل عمليات البحث والاستكشاف، التي تحتاج إلى محافظ تمويلية ضخمة.
مصر تؤمّن مستقبل الغاز بعقود استراتيجية بعيداً عن "السوق الفورية"https://t.co/pySnFcBlU2 pic.twitter.com/CvgklpZuYb
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026 خطة 101 بئروتستهدف مصر حفر 101 بئر استكشافية خلال 2026، ضمن برنامج أوسع يمتد حتى 2030 ويشمل مئات الآبار الجديدة، بهدف دعم الاحتياطيات وزيادة فرص إضافة إنتاج محلي جديد.
ويرى يوسف أن الخطة قابلة للتنفيذ، أو يمكن تنفيذ أجزاء كبيرة منها، لكن الحكم على وتيرتها يحتاج إلى معرفة توزيع الآبار بين الحفر البري والبحري، وليس فقط توزيعها الجغرافي.
ويقول: "الحفر الأرضي لا يتطلب فترات زمنية طويلة، ويمكن تنفيذ عدد من الآبار خلال مدد قصيرة ومحددة، أما الآبار البحرية، سواء في المياه الضحلة أو العميقة، فتحتاج إلى فترات أطول واستثمارات أكبر".
ويشير إلى أن تكلفة إيجار الحفارات البحرية ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالحفر الأرضي، ولذلك فإن قراءة الخطة تحتاج إلى تحديد عدد الآبار البحرية والبرية، لأن كل نوع يرتبط بجدول زمني وتكلفة ومخاطر تشغيلية مختلفة، مضيفاً أن أهمية الخطة لا تقاس بعدد الآبار المستهدف حفرها فقط، وإنما بنتائج الحفر وحجم الاحتياطيات المؤكدة ومعدلات الإنتاج التي يمكن أن تضيفها الاكتشافات الجديدة.
ويلفت إلى أن تحمل الشركاء الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية تمويل عمليات الحفر يمثل مؤشراً على وجود توقعات فنية واعدة، لأن المستثمر لا يوجه أموالاً إلى منطقة جديدة من دون دراسات جيولوجية وسيزمية تمنحه قدراً مقبولاً من الثقة في احتمالات النجاح.
البيانات السيزميةويقول الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن "إعادة معالجة البيانات الجيولوجية والسيزمية التي سبق جمعها عن مناطق البحث تساعد المختصين على تحديد الأولويات، وتسهل سرعة اتخاذ قرارات الحفر". وتشمل بعض الاتفاقيات الجديدة إعادة معالجة بيانات سيزمية متاحة، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية ثلاثية الأبعاد في مناطق البحث.
ويقول يوسف إن "مرونة الاتفاقيات البترولية، بما يخدم مصالح الأطراف ويسهل التعامل مع المتغيرات، تساعد المستثمرين على تحقيق التوازن التعاقدي"، مضيفاً أن وضوح بنود الاتفاقيات وسهولة تفسيرها يسهمان في "تيسير عمل الشركات داخل مناطق البحث والاستكشاف".
مستحقات الشركاءويرى يوسف أن التزام قطاع البترول والدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، سواء المتعلقة بمصروفات البحث والاستكشاف والإنتاج أو بحصة الشريك الأجنبي، يعالج مشكلة استمرت لفترة طويلة في العلاقة بين الهيئة العامة للبترول والشركات الأجنبية.
ويوضح أن التزام مصر بسداد كامل المستحقات وفوائد التأخير، من دون اللجوء إلى القضاء، يمثل ضمانة لاستثمارات الشركاء الأجانب، ويدعم استمرارهم في تمويل أعمال البحث والاستكشاف.