مناصرة الجيش السوداني بين الكيد السياسي وفهم طبيعة الصراع
تاريخ النشر: 12th, March 2025 GMT
في خضم الصراعات السياسية والعسكرية التي يمر بها السودان، يبرز الجدل حول موقع الجيش ودوره في المشهد السياسي والأمني، خاصة في ظل استمرار تفريخ المليشيات المسلحة، وهذه المرة بطابع إسلامي متشدد. ورغم إدراك الجميع لهذه الظاهرة، فإن بعض القوى السياسية والناشطين ما زالوا يمارسون مناصرة غير مشروطة للجيش، لا استنادًا إلى رؤية استراتيجية تحمي الدولة، بل بدوافع الكيد السياسي والمكايدات الظرفية.
الجيش السوداني: مؤسسة الدولة أم طرف في الصراع؟
لطالما كان الجيش السوداني مؤسسة قومية، لكن بفعل الأحداث المتلاحقة، أصبح جزءًا من معادلات السلطة، سواء خلال فترات الحكم العسكري أو في ظل الانتقالات الديمقراطية المتعثرة. المشكلة ليست في وجود الجيش كحامٍ للأمن القومي، بل في تداخله مع الفاعلين السياسيين، مما جعله طرفًا في الصراع بدلاً من أن يكون ضامنًا للاستقرار.
أخطر ما في الأمر أن هذا الجيش، الذي يتم الترويج له كحائط الصد الأخير أمام انهيار الدولة، لم يتمكن من منع انتشار المليشيات المسلحة، بل في بعض الأحيان، استُخدمت هذه الجماعات كأدوات ضمن استراتيجيات عسكرية وسياسية. الآن، مع عودة موجة التفريخ المليشياوي بطابع إسلامي، يُطرح سؤال جوهري: هل مناصرة الجيش تعني دعم استمرارية هذا النمط من التحالفات الخطرة، أم الدفع به ليكون مؤسسة قومية منضبطة خاضعة للقانون؟
تفريخ المليشيات: إعادة إنتاج الفوضى؟
لا يمكن فصل استمرار تفريخ المليشيات المسلحة عن ضعف الدولة وانقسام مكوناتها. فالموجة الجديدة من المليشيات ذات الطابع الإسلامي المتشدد تعكس أزمة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث تظهر تيارات تسعى لإعادة تجربة التسعينيات، حينما كان التحالف بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية هو السائد. لكن الفرق أن هذا النهج لم يعد مستساغًا في ظل التغيرات الإقليمية والدولية، مما يجعل استمراره قنبلة موقوتة ستؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
من ناحية أخرى، فإن استمرار هذا التفريخ يعني أن أي تحول سياسي في المستقبل سيظل رهينة لمجموعات مسلحة لها ولاءات عقائدية أو جهوية. وبما أن هذه المليشيات لا تمتلك عقيدة وطنية جامعة، فإنها قد تتحول إلى أداة لفرض أجندات سياسية معينة، أو حتى إلى فصائل متمردة في حال تغيّرت موازين القوى.
المزايدات السياسية والاصطفافات العاطفية
يمارس جزء كبير من القوى السياسية والناشطين مناصرة الجيش ليس إيمانًا بإصلاحه أو بضرورة تقويته كمؤسسة وطنية، بل كرد فعل على سياسات الخصوم السياسيين. وهذا ما يجعل هذه المناصرة مجرد موقف تكتيكي، لا استراتيجية تهدف إلى بناء جيش محترف بعيد عن التجاذبات.
فالعديد من هؤلاء الذين يناصرون الجيش اليوم كانوا في وقت سابق يطالبون بتحجيم دوره وإبعاده عن السياسة، ولكن عندما تغيرت الظروف السياسية، انقلبت مواقفهم. هذا النفاق السياسي يعرقل أي مشروع جاد لإصلاح القطاع الأمني، ويبقي المؤسسة العسكرية في دائرة الاستغلال السياسي المتبادل.
كيف يمكن بناء جيش بعيد عن التفريخ المليشياوي؟
إذا كانت الغاية الحقيقية من دعم الجيش هي حماية الدولة، فيجب أن تكون هناك رؤية واضحة لإصلاحه، تتضمن:
تفكيك العلاقة بين الجيش والمليشيات: لا يمكن بناء مؤسسة عسكرية مستقرة في ظل استمرار اعتمادها على مليشيات عقائدية أو جهوية.
إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية: عبر تبني عقيدة قتالية موحدة تقوم على حماية الحدود والسيادة، وليس الدخول في الصراعات السياسية.
ضمان الرقابة المدنية: إخضاع الجيش لسلطة مدنية ديمقراطية يقلل من فرص استغلاله سياسيًا، ويمنع إعادة إنتاج تجارب الأنظمة العسكرية السابقة.
التعامل مع القوى السياسية بميزان واحد: بدلاً من أن يكون الجيش أداة لقمع فصيل سياسي وتمكين آخر، يجب أن يحافظ على مسافة واحدة من الجميع.
خاتمة
إن مناصرة الجيش السوداني يجب أن تكون قائمة على رؤية إصلاحية، لا على ردود الأفعال السياسية قصيرة المدى. فالجيش ليس مجرد طرف في معركة سياسية بين قوى مدنية متصارعة، بل هو مؤسسة تحتاج إلى إعادة بناء بعيدًا عن التفريخ المليشياوي، سواء كان بغطاء إسلامي أو غيره. الاستمرار في هذا النهج سيقود السودان إلى إعادة إنتاج نفس الأزمات، ولن يحل المشكلة الأمنية، بل سيوسع رقعتها. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح: هل نحن نناصر الجيش كقوة وطنية، أم كأداة لتصفية الحسابات السياسية؟
رؤية مستقبلية
لتحقيق إصلاح حقيقي في المؤسسة العسكرية السودانية، يجب أن تكون هناك خطوات عملية وجادة، تشمل:
إصلاح الهيكل القيادي: تعيين قيادات عسكرية على أساس الكفاءة والخبرة، وليس الولاءات السياسية.
تدريب وتأهيل الجنود: تعزيز القدرات العسكرية عبر برامج تدريبية متطورة تركز على الأمن القومي وحماية الحدود.
تعزيز الشفافية: إخضاع المؤسسة العسكرية للمساءلة والرقابة العامة لضمان نزاهتها وفعاليتها.
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي: بناء شراكات مع دول الجوار والمنظمات الدولية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
في النهاية، فإن إصلاح الجيش السوداني يتطلب إرادة سياسية قوية ورؤية استراتيجية واضحة، بعيدًا عن المزايدات السياسية والاصطفافات العاطفية. ويمكن للجيش أن يستعيد دوره الحقيقي كحامٍ للأمن القومي وضامنٍ للاستقرار، بدلاً من أن يكون طرفًا في الصراعات السياسية.
zuhair.osman@aol.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: المؤسسة العسکریة الجیش السودانی فی الصراع یجب أن
إقرأ أيضاً:
برشلونة يكشف طبيعة إصابة دي يونج.. ومدة غيابه تضع النادي في أزمة
أعلن نادي برشلونة الإسباني بشكل رسمي، عن تفاصيل إصابة لاعب الوسط الهولندي فرينكي دي يونج، والتي تعرض لها خلال مشاركته مع منتخب بلاده في بطولة كأس العالم 2026، ليتأكد غيابه عن الفريق الكتالوني في بداية الموسم الجديد.
وأوضح برشلونة في بيان نشره عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، أن الفحوصات الطبية أثبتت معاناة دي يونج من تمزق في الرباط الجانبي للركبة اليمنى، بعد الإصابة التي تعرض لها أثناء وجوده مع المنتخب الهولندي.
وأكد النادي الكتالوني أن اللاعب سيواصل برنامجه العلاجي تحت إشراف الجهاز الطبي، مع خضوع حالته للمتابعة المستمرة خلال الفترة المقبلة، من أجل تحديد تطورات عملية التعافي.
COMUNICADO MÉDICO
Las pruebas realizadas al jugador del primer equipo Frenkie de Jong han determinado que sufre una rotura del ligamento lateral interno de la rodilla derecha. Se ha acordado que el jugador continúe bajo tratamiento y seguimiento médico, pendiente de su evolución… pic.twitter.com/4b7aBvyK5Q
— FC Barcelona (@FCBarcelona_es) July 23, 2026
ورغم أن برشلونة لم يحدد رسميًا فترة غياب لاعب الوسط الهولندي، فإن تقارير صحفية إسبانية أشارت إلى أن فترة ابتعاده عن الملاعب قد تتجاوز أربعة أشهر، وهو ما يمثل ضربة قوية للفريق قبل انطلاق منافسات الموسم الجديد.
ويترقب برشلونة تطورات حالة دي يونج قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن وضعه في قائمة الفريق، حيث تدرس الإدارة إمكانية تسجيله ضمن قائمة الإصابات طويلة المدى، بهدف توفير مساحة تسمح بقيد لاعبين جدد.
وفي سياق متصل، تحدثت تقارير إعلامية عن وجود توتر في العلاقة بين هانز فليك، المدير الفني لبرشلونة، وفرينكي دي يونج، مشيرة إلى أن العلاقة بين الطرفين تمر بمرحلة صعبة.
وذكرت التقارير أن اللاعب رفض المشاركة في مباراة إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا أمام أتلتيكو مدريد، من أجل الحفاظ على جاهزيته للمشاركة مع منتخب هولندا في كأس العالم، وهو الأمر الذي تسبب في حالة من عدم الرضا داخل النادي.
اقرأ أيضًا:
رسميًا.. ميلان يجدد عقد لوكا مودريتش حتى نهاية الموسم المقبل
رئيس بشكتاش يعلق على صفقة محمد صلاح ويوجه رسالة لجماهير النادي
صدمة في برشلونة.. هاري كين يقترب من تمديد عقده مع بايرن ميونخ